مغامرة الشاعر وسيرة القصيدة المُعلّقة

دراسة نقدية عن تجربة نوري الجراح الشعرية

مغامرة  الشاعر وسيرة القصيدة المُعلّقة
TT

مغامرة الشاعر وسيرة القصيدة المُعلّقة

مغامرة  الشاعر وسيرة القصيدة المُعلّقة

وظيفة النقد ليستْ بعيدة عن وظيفة القراءة الفاعلة، وحين يمارس الناقد هذه الوظيفة فإنه حتما سيجد نفسه أمام لعبة من الكشوفات المفتوحة، والسرائر التي تتطلب شغف المغامرة والمراودة، ليس لأنّ القراءة متعة لا قيود لها، بل لأنّ فاعلية النقد ستمنح القراءة أفقا لتجاوز مرحلة ما بعد المتعة، وباتجاه أن تكون أسئلة في المعرفة...
في كتابه الجديد (القصيدة المعلقة- في شعر نوري الجراح) الصادر عن دار المتوسط- ميلانو-2018 يضعنا الناقد مفيد نجم عندما سماه بـ(المغامرة) حيث دينامية القراءة، وشعرية ما تُتيحه من معطياتٍ لها تمثّلاتها الفنية- الصياغية، والجمالية- الرؤيوية، والتي تضع التجربة الشعرية العميقة لنوري الجراح وكأنّها شاهدٌ على تحولاتِ القصيدة، وعلى تحولاتِ الواقع، فالقصيدة تستثمرُ طاقة الوعي، وطاقة التحوّل، لكي تصل بالشاعر حدّ التعري، وحدّ الرفض والاحتجاج...
الناقد يدرس في كتابه (تجربة الشاعر نوري الجراح من خلال أعماله الشعرية المكتوبة على مدار ثلاثين عاما) كما يقول الناشر، وهي تجربة أو شهادة على زمنٍ شعري عربي عاصف بالتحولات والصراعات، لكن ما يُميّز هذه التجربة خصوصيتها الجمالية، ورؤيتها الشعرية المفارقة للأحداث والوقائع واليوميات...
ضمّ الكتابُ عتبة تعريفية، ومحورين تناولا فصولاً وموضوعات توزعت بين ثنائية العنوان والمتن، وبين شعرية القيامة السورية، وهي اشتغالات أدرك أهميتها الناقد كإجراءات للمكاشفة، وللتعاطي مع تجربة الشاعر ومع براديغمات قصائده...

الكتابة بوصفها لعبة في المواجهة

المحور الأول (من العنوان إلى المتن) انحنى على مقارباتٍ تمسّ الجانب الدلالي في العنوان، وفي حمولاته، فضلا عن جملة من الفعاليات التي تخصّ (التناص والانزياح والتكرار) والتي برزت أهميتها من خلال جرأة الشاعر وجدّته في توظيفها، وفي كتابة مراثيها وفجائعها...
العنوان عتبة، لكنه حمولة دلالية أيضا، وأنّ له مستوى (إحاليا) إلى ما يمكن أنْ تحفل أعمال الشاعر الجراح والتي عكست عبر عناوينها ومتونها (مراحل تطور التجربة وتناميها، وبشكلٍ يُدلّل فيه على أهمية الوظيفة التي يلعبها العنوان) ص13.
إذ لا يمكن لهذا العنوان أنْ ينفصل عن القصيدة، ولا حتى عن المجموعة، لأنه جزءٌ من حساسية وعي الشاعر، ومن لعبة بنائه للقصيدة، وأنّ ما يُحيل إليه العنوان لا يحمل معه طابعا (خارجيا) بالقدر الذي يساكن من خلاله الشاعر فكرته، وخطابه، وتعالقه مع وقائع الحزن و(النضال) والحلم الذي ينخرط فيها، وهو ما وجده الناقد في ديوان (يوم قابيل والأيام السبعة) وفي (يأس نوح) بوصفها سيرة للملحمة السورية...
في الفصل الثاني حاول الناقد معالجة ثنائية (الآليات والوظيفة) في شعرية الجراح من خلال مقاربة (التناص والعلاقات التناصية) حيث تستدعي هذه المقاربة مجموعة من الانشغالات، والتي تخصّ (مستوى التشكيل البصري، والصورة الاستعارية، أو قصيدة القناع والشخصية والنشيد) ص29. وهي تمثلات لها دلالاتها، ولها وظيفتها الجمالية، وعبر ما تتقنّع به من إحالات أسطورية أو قرآنية، أو مسيحية، وعبر ما تقترحه من رموز يتماهى معها الشاعر بدلالة وضعها في التاريخ، أو في البنية الدرامية، أو في رؤيا (الأنا) الشعري وهي ترى، وتهجس، بوصفها الأنا الرائية، حاملة النشيد، والصليب، والمسكونة بعلاقات تناصية أكثر تعبيرا عن وجود الشاعر، وإشباعاته، واستيهاماته، والتي كثيرا ما نجدها في قصائد الشاعر الطويلة.
في الفصل الثالث يجد الناقد في تقانة (الانزياح) ملمحا أسلوبيا في شعرية الجراح، ولطبيعة تمثلات انشغالاته الشعرية، حيث يجد في انتهاك ما هو مباشر نزوعا نحو المغامرة، ولـ(إقامته روابط وعلاقات متغايرة داخل اللغة ومعها) ص70.
وللكشف عن جدة الطاقة التعبيرية في علاقتها باللغة، أو في علاقتها بالواقع، وبما يحوط الشاعر من عالم اغترابي مسكون بالرعب والخوف والمحو...
عمد الناقد إلى إبراز أهمية الانزياح في تجربة الشاعر من خلال مستويات وظائفه كـ(انزياح دلالي، انزياح الحذف أو انزياح الصمت، المحددات والضمائر والسياق، الانزياح النحوي، الإيجاز بالحذف، التقديم والتأخير) وهي وظائف أو خاصيات أسلوبية استغرقت البناء التصويري والرؤيوي لقصائد الشاعر، ولبيان خصوصية تجربته في المشهد الشعري السبعيني العربي...

التقانة ووظائفية البناء الشعري

من أكثر سمات تجربة الجراح الشعرية هي مهارته في تعالق التقانة مع الوظيفة، وبما يُعطي لهوية القصيدة سمة تجريبية، تدّل على فاعليتها كخطاب، وعلى دلالتها كقيمة اجتماعية وفكرية، ولعل الجانب الوظائفي في كتابته كان أكثر تعبيرا عن تلك المهارة، فهو يجد في التكرار وفي التوظيف الاستعاري مجالين مفتوحين على تقانات وظيفية أخرى، على مستوى استخدام الضمائر، أو على مستوى الاختزال والبياض والتكرار وهي وظائف نصية وإيقاعية مهمة في قصيدة النثر...
قراءة الناقد للتوظيف الاستعاري في تجربة الشاعر تحاول أنْ تستكنه علاقته بالتوصيف الشعري، وباستدعاء هذا التوصيف لصيغ كتابية، ولـ(علاقات داخل النص) ص102. حيث تدخل في تأطير (اللغة المجازية والصورة الاستعارية) الخاص بتلك القصيدة، والتي لا تنفصل عن تجربة الشاعر وتحولاتها، وحركيتها، وعن علاقتها مع طبيعة (المجال الذي تتشكّل فيه الصورة الاستعارية) ص105.
بوصفها رؤيا للعالم، أو بوصفها وعيا لـ(التجربة الوجودية) أو لـ(مستوى بنية الجملة الشعرية) وهي تقانات أدرك الناقد أهميتها في تجربة الشاعر الطويلة...
في الفصل السادس من الكتاب (المكان الدمشقي رمزا وأيقونة) حاول الناقد وضع تجربة الشاعر أمام محنة المكان واغترابه، إذ يتبدى المكان الدمشقي هنا بوصفه حضورا عميقا، مقابل لعبة الغياب التي يعيشها، وهذا التضاد ما بين الحضور والغياب ينعكس على رمزية المكان، وعلى دالته في البنية الشعرية، إذ (إنّ مركزية حضور هذا المكان بدلالاته المختلفة في قصائد الشاعر، هي العلامة الدالة على عمق هذا الارتباط النفسي والروحي والوجداني، حيث يكشف طغيات صورة هذا المكان «التراكم المركّب» عن جوهر هذه التجربة) ص111.

شعرية القيامة

علاقة الشاعر بالواقع الدامي هي المجال الذي وجد فيه الناقد سانحته لمقاربة تجربة الشاعر، في لحظات وعيها (الشقي)، أو في لحظة مواجهتها، حيث يكون توهّج وعي الثورة هو القرين لوعي الشاعر، وحيث تمثلاتها لسيرورة خطابها الشعري، وبما يجعلها دالته في المواجهة، وحقيقته التي يصطنع عبرها أسئلته، وأقنعته، ورؤيته، فالشاعر كما يرى الناقد لم يعشها كقربان أو أضحية، بقدر ما كان يستحضرها كقوة خلّاقة (تُنقذ الحياة من العدم والموت) وتمارس وظيفتها الدرامية عبر وعي الصراع ومرجعياته، وعبر تمثلاتها في المقاربات الدينية والأسطورية والمثيولوجية والوجدانية، وعبر وظائفها في البنيات الاستعارية والمجازية، وتقانات الجملة الاسمية، ذات التقانة التصويرية، والتي يحضر فيها المعنى، بوصفه مجالا تعبيرا عن القيمة الشعرية، وعن رؤية الشاعر لما يستدعيه من دلالات وأفكار وصور، أو لاستنفار مخيّلته، وهي تسوح في عالم التراجيديات الكبرى، تلك التي تتبى صورها في شعرية السيرة والمنفى، وفي غربة الشاعر الواقف عند قسوة العزلة الوحشة، وعند أسئلته الوجودية التي تتكئ على قاموس شعري غامر بالتناصات، وبتقانات الفعل- دالة الزمن لمقاربة راهنية الحدث والواقع والمحنة، حتى يبدو الشاعر وكأنه يعيش قيامته من خلال قيامة القصيدة ذاتها، تلك التي تمارس لعبة الخلق، وتكتب المراثي، وترحل في السفائن، وتُقيم الطقوس بوصفها شهادة على الموت السوري، وعلى الشغف بالحرية والتوق إلى الحياة.
* ناقد عراقي



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».