هل كانت نظريات فرويد محض أوهام؟

كتاب يتهمه بأنه كان «دجالاً» يرمي إلى بلوغ الشهرة بأي ثمن

فرويد - «فرويد: تكوين وهم»، تأليف: فردريك كروز، الناشر: دار بروفايل للنشر746 صفحة.
فرويد - «فرويد: تكوين وهم»، تأليف: فردريك كروز، الناشر: دار بروفايل للنشر746 صفحة.
TT

هل كانت نظريات فرويد محض أوهام؟

فرويد - «فرويد: تكوين وهم»، تأليف: فردريك كروز، الناشر: دار بروفايل للنشر746 صفحة.
فرويد - «فرويد: تكوين وهم»، تأليف: فردريك كروز، الناشر: دار بروفايل للنشر746 صفحة.

ما من أديب أو عالم أو فيلسوف - بالغة ما بلغت مكانته الفكرية - بمنجى من نيران النقد أو فوق المساءلة. هذا ما يؤكده كتاب جديد عن مؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد (1856 - 1939) يحمل عنوان «فرويد: تكوين وهم» من تأليف فردريك كروز، صدر عن دار بروفايل للنشر في 746 صفحة.
لم يكن فرويد مجرد عالم موهوب (فالغرب زاخر بالعلماء الموهوبين في مختلف المجالات) وإنما كان واحدا من صناع العقل الحديث، «مناخا كاملا من الرأي- نعيش تحته حيواتنا المختلفة» كما وصفه الشاعر و. ه. آودن في قصيدة له عام 1939، ولكن هذا الكتاب يشن على فرويد حملة شعواء. وكما يقول تيم سميث –لينج في جريدة «ذا ديلي تلغراف» البريطانية فإن فردريك كروز بدأ حياته فرويديا، وأخرج في 1966 كتابا في التحليل النفسي عن الروائي الأميركي ناثانيل هوثورن عنوانه «خطايا الآباء». لكنه ما لبث أن انقلب على نظريات فرويد في أواخر سبعينات القرن الماضي. ويقوم هجومه على «طبيب فيينا» - كما كان فرويد يدعي - على ركيزتين: (1) إن التحليل النفسي علم زائف (2) إن فرويد ذاته مفتقر إلى الأمانة العقلية والمهنية.
يذهب كروز إلى أن فرويد من حيث الجوهر محتال كان يرمي إلى بلوغ الشهرة بأي ثمن، اعتمد في صياغة نظرياته على تخمينات مغربة في الخيال، وحاول محو أخطائه الماضية وإقامة تمثال - على صعيد دولي - لنفسه ولنظرياته، معتمدا على تقديس المحيطين به – من تلاميذ وأتباع. وكان أبرز المدافعين عنه ابنته آنا فرويد - وقد صارت محللة نفسية مثل أبيها - وعالم النفس البريطاني، كاتب سيرة فرويد، إرنست جونز. وقد سعى هذان الاثنان إلى إخفاء أخطائه.
كان فرويد - بحسب ما يقوله كروز - يكذب أحيانا في تقاريره عن حالات المرضى الذين يفحصهم. ففي رسالة منه إلى صديقه وزميله فيلهلم فليس - في مطلع حياته المهنية - يشكو من أن عيادته تكاد تخلو من المرضى النفسيين وأنه لا يجد زبائن. وحين نشرت هذه الرسائل حجبت آنا فرويد هذه السطور.
وقلما كان فرويد ينجح في علاج مرضاه كما أنه كان يتجاهل أحيانا أخلاقيات المهنة الطبية على نحو خليق أن يصدمنا في هذا القرن الحادي والعشرين. فذات مرة اشترك مع صديقه فيليس في معالجة مريضة تدعى إما إكستاين كانت تشكو من أعراض بدنية وذهنية شخصها الاثنان على أنها حالة هيستريا. عمد فرويد إلى معالجتها بالكوكايين (وكان يعده دواء شافيا لكل الأمراض) ثم بجراحة في الأنف. وحين فشل فيليس في إجراء الجراحة تدهورت حالة المريضة وأوشكت على التلف ولكن فرويد أبى أن يتراجع عما فعلاه مصرا على أن النزيف المميت الذي حدث للمريضة بعد الجراحة كان مجرد عرض من أعراض الهستريا وأنه راجع إلى تعلق المريضة لاشعوريا به (بفرويد!). وكتب في رسالة إلى فيليس (8 مايو/أيار 1896): «لقد جددت نزيفها بوصف ذلك وسيلة لا تخيب لإعادة إحياء مودتي لها». وحين لم يعد هناك أمل في نجاح العلاج ادعى فرويد أن المريضة تمثل حالة مستعصية على التحليل النفسي وأنه مكتوب عليها أن تظل «غير سوية حتى نهاية حياتها». وعمد أنصار فرويد إلى التغطية على هذه القصة فحذفتها آنا فرويد من سجل حالات مرضى أبيها.
وممن انتقدوا نظريات فرويد ومناهجه فيلسوف العلم كارل بوبر الذي ذهب في منتصف القرن الماضي إلى أن نظريات فرويد موضع شك علميا، إذ لا هي بالتي يمكن إثباتها ولا هي بالتي يمكن دحضها. وذهب أنصار علم النفس التجريبي إلى أن أغلب آرائه مجرد فروض نظرية لا تثبتها التجربة. وقال رتشارد فون كرافت - إبنج، المتخصص في بحوث الجنس، إن أفكار فرويد أقرب إلى أن تكون «قصة علمية من قصص الجنيات أو الخيال».
والرأي عندي أن كتاب كروز (الذي لا يخلو من تهجم شخصي وبعد أحيانا عن الموضوعية) مفيد من حيث أنه يلفتنا إلى أن فرويد -مثل غيره من كبار المفكرين - لم يكن إلا بشرا يخطئ ويصيب، وأن آراءه لم تكن تخلو أحيانا من الغرض أو الهوى أو التحيز. لكن الكتاب – من ناحية أخرى - لا يفلح في زحزحة فرويد عن عرشه، فهو يظل أيقونة فكرية مؤثرة في مجالات الفكر كافة بل في لغة المحادثات التي نستخدمها في حياتنا اليومية وذلك منذ أن أشاع فرويد مصطلحات «الهو» «الأنا» «الأنا الأعلى» «الرقيب» «الكبت» «مركب (عقدة) أوديب». لقد أرسى فرويد قواعد الدراسة العلمية لقارة اللاشعور (وكان من الأمانة بحيث ذهب إلى أن الشعراء والأدباء والفلاسفة مثل سوفوكليس وشكسبير ودوستويفسكي وشوبنهور قد سبقوه إلى اكتشاف هذه القارة) وقدم منهجا مبتكرا في تفسير المضامين الظاهرة والكامنة للأحلام، وألقى الضوء على الدور الخطير الذي تلعبه الغريزة الجنسية ونوازع العدوان في سلوك البشر، وأكد وجود الدافع الجنسي بمراحله الفمية والشرجية لدى الأطفال، وبين أن انشقاق الذهن إلى طبقات راجع إلى صراع نفسي داخلي بين مجموعات متنوعة من القوى، وعالج قضايا مهمة مثل مشكلات الحضارة، ومستقبل الدين، والصراع بين غرائز البقاء (إيروس) والرغبة في الموت (ثاناتوس)، وأصول العصاب، ودلالة النكات على محتويات اللاشعور، والطوطم والتابو، وسيكولوجية الحياة اليومية، والحرب والموت، وما وراء مبدأ اللذة، والصلة بين سيكولوجية الجماعة وتحليل الأنا، والكف والعرض والقلق، والأحلام في المأثورات الشعبية (الفولكلور)، فضلا عن تحليلاته لفنانين مثل ليوناردو دافنشي ولأعمال أدبية مثل «أوديب ملكا» لسوفوكليس، و«هملت» لشكسبير، و«فاوست» لجوته، و«الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي. هذه كلها منجزات باقية على الزمن تكفل لفرويد الخلود وإن كره شانئوه. إن فرويد - ببساطة - قد جاء ليبقى.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.