خيارات إيران في سوريا بعد غارات إسرائيل

TT

خيارات إيران في سوريا بعد غارات إسرائيل

بعد انقضاء سبع سنوات على التورط في الحرب السورية، والمساعدة في إطالة أمدها، قد تحاول إيران الآن إعادة التفكير من جديد في الاستراتيجية التي تمخضت عن تداعيات غير مقصودة، وعواقب غير مرغوبة ولا محمودة.
ولا تتسم الدعوات إلى مراجعة السياسات الإيرانية حيال سوريا بالحماسة أو الإلحاح، لكنها نابعة من أكثر من جهة داخل وخارج المؤسسة الإيرانية الرسمية. وقد دعا عضو مجلس الشورى الإسلامي محمود صادقي إلى «تقييم تداعيات مشاركتنا في سوريا» على علاقات إيران مع الدول الأخرى، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت إيران، من خلال مساندة الرئيس السوري بشار الأسد، قد تسببت في إزعاج، وربما إغضاب، الدول العربية والإسلامية الأخرى. والأسوأ من ذلك أن يكون التورط الإيراني في سوريا قد أسفر عن تمكين الولايات المتحدة، التي تصفها إيران على الدوام بـ«الشيطان الأكبر»، من حشد الحلفاء على الصعيد الإقليمي، وتشكيل كتلة صلبة قوية لمجابهة التصرفات الإيرانية.
وكتب الدبلوماسي الإيراني المتقاعد موسوي خلخلي، في دورية «إيران دبلومات» التي يشرف على نشرها أحد المقربين من المرشد الأعلى علي خامنئي، داعياً ومؤيداً «إعادة النظر مجدداً في سياساتنا حيال المنطقة، وعلى وجه الخصوص في سوريا». ومن دون الإشارة إلى ضرورة إبعاد الأسد عن المشهد السياسي، فإنه يحض على انتهاج مقاربة المكاسب والخسائر في تلك السياسة التي حصدت أرواح ما يزيد على ألفين من المواطنين الإيرانيين، وكبدت خزانة البلاد ما يربو على 20 ملياراً من الدولارات حتى الآن.
ومن إحدى القضايا التي تحظى بتركيز المحللين الإيرانيين الوجودُ الروسي الكبير، وصياغة موسكو لأبرز النقاط على جدول الأعمال في سوريا؛ الأمر الذي يدفع إلى تهميش وانزواء الدور الإيراني إلى خلفية الأحداث. ويرجع ذلك بالأساس، لولا وجود نظام بشار الأسد والموالين له، إلى افتقار إيران لقاعدة الدعم والتأييد الحقيقية في الداخل السوري. وقال المحلل علي نوباري: «إن قاعدة التأييد الوحيدة التي نملكها هناك هي بشار الأسد ذاته؛ ولقد صار خاضعاً الآن للهيمنة الروسية الكاملة».
وإلى جانب زمرة بشار الأسد، تحظى روسيا بقدر لا بأس به من الدعم الحقيقي بين الأقليات المسيحية والدرزية في البلاد، التي تعتبر فلاديمير بوتين حامياً قوياً لها في مواجهة حكم الأغلبية السنية المسلمة. وإيران، رغم كل شيء، ولسبب واضح للغاية، لم تحرز أي تقدم يُذكر بين أوساط المسيحيين السوريين حتى الآن، في حين أن طائفة الدروز تساورها الشكوك العميقة إزاء نيات إيران في نشر المذهب الشيعي المعتمد رسمياً لديها بين ربوع الشرق الأوسط، ورؤيتها للدروز أنهم مجتمع ديني يتسم بالغلو والتمرد وصعوبة المراس.
وقد اقترح علي بروجردي، وهو من كبار رجال المذهب الشيعي في إيران، انضواء كل من طوائف الدروز والنصيرية (العلويين)، وغيرهم من الطوائف الموصوفة لديهم بـ«الغلاة»، تحت مظلة «الجبهة الفاطمية» واسعة النطاق، التي تقودها إيران كخطوة أولى في سبيل الانضمام إلى التيار الشيعي الكبير. وستكون المعاهد الدينية (الحوزات العلمية) في مدن قُم ومشهد على أتم الاستعداد لإرسال البعثات لمساعدة «الغلاة» السوريين في الانضمام مجدداً لمناهج البحث والتطوير اللاهوتي الإيراني. وفي واقع الأمر، شرعت إيران في الترويج لمثل هذه الأفكار قبل اندلاع الصراع السوري، حيث أنشأت طهران 14 مركزاً ثقافياً في مختلف أرجاء سوريا، للعمل على إعداد الدعاة السوريين، ونشر نسخة آية الله روح الله الخميني من الإسلام الشيعي هناك. ورغم ذلك، وبحلول عام 2013، أغلقت هذه المراكز كافة خشية تعرضها للهجمات الإرهابية، وتمت إعادة كل الموظفين فيها مرة أخرى إلى إيران.
وأعلن مكتب التقارب الإسلامي، وهو جزء من شبكة السيطرة التي يشرف عليها المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن خطة جديدة لإعادة افتتاح أحد المراكز الثقافية الإيرانية في دمشق. وكان من شأن رئيس المكتب، آية الله محسن آراكي، الملا الإيراني الذي تلقى تعليمه في بريطانيا، أن يترأس وفداً يضم 40 من الدعاة الشيعة في هذه المهمة. ومع ذلك، أرجأت هذه الخطة، والسبب الظاهر يرجع إلى المخاوف الأمنية على أعضاء الوفد، ولكن واقع الأمر يفيد بأن زعماء الطائفتين العلوية والدرزية في البلاد قد أعربوا عن تحفظاتهم الجادة والقوية إزاء هذه المهمة لدى الرئيس بشار الأسد.
وليس المخطط الإيراني بشأن التحول الجماعي السوري إلى النسخة الشيعية من الإسلام هو ما تم إرجاؤه فحسب خلال الفترة الماضية. فمع اضطلاع روسيا بدور قيادي أكبر في سوريا، وتركيا التي توسع من وجودها العسكري الكبير داخل البلاد، كان لزاماً على إيران تقليص طموحاتها التوسعية الأخرى في ذلك البلد الذي مزقته الحرب الأهلية تمزيقاً.
وخلال العام الماضي، كشفت طهران النقاب عن خطة لبناء طريق سريع بطول 1800 كيلومتر، يربط مدينة قُم الإيرانية المقدسة بالعاصمة اللبنانية بيروت، ويمر عبر الأراضي العراقية والسورية، في فترة زمنية تقدر بعامين للانتهاء من المشروع الذي يهدف إلى منح الجمهورية الإسلامية منفذاً، تشتد الحاجة إليه، على البحر الأبيض المتوسط.
وأشادت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية بالجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني، المسؤول الأول عن ملف «تصدير» الثورة الإيرانية إلى الخارج، باعتباره الزعيم العظيم الذي جعل من إيران قوة إقليمية وبحر متوسطية كبيرة للمرة الأولى منذ القرن السابع الميلادي.
غير أن وكالة أنباء «فارس»، التابعة للحرس الثوري الإيراني، كشفت خلال الأسبوع الماضي عن أن المشروع المذكور ليس إلا خيالاً محضاً، وأفادت بأنه لا يعلم من أحد مَن سوف يبني هذا الطريق الطويل، وأنه لم يتم تخصيص أية مبالغ مالية من ميزانية البلاد حتى لإجراء الدراسات الأولية بشأنه.
وفي عام 2013، تفاخر الجنرال سليماني بأن قواته، التي تجند بين صفوفها مقاتلين من «حزب الله» اللبناني، إلى جانب مرتزقة آخرين من أفغانستان والعراق وباكستان، قد بسطت سيطرتها على أرخبيل من الأراضي في أواسط سوريا، بين شرقها وغربها، وبالتالي يمكن تأمين الوجود الإيراني المتاخم على الأرض هناك.
ورغم ذلك أيضاً، تم التخلي عن كل أجزاء هذا الأرخبيل المذكور تحت ضغوط متصاعدة من جانب قوات المعارضة المناوئة لحكم بشار الأسد، التي تسعى لمتابعة أجندات متباينة على أرض الصراع.
وقال المحلل حميد زمردي، الباحث في الشؤون العسكرية الإيرانية، معقباً: «تحتاج إيران، إثر افتقارها الشديد للقوة الجوية المؤثرة، إلى وجود بري قوي وراسخ. وكانت الفكرة الأولية تدور حول توفير إيران والأسد للقوات البرية على الأرض، في ظل الحماية الجوية من سلاح الجو الروسي».
ومع ذلك، لم تسفر هذه الفكرة عن أي نتيجة تُذكر، مع رفض الرئيس بوتين لذلك الدور الذي كانت طهران ترغب في تكليف القوات الجوية الروسية به. وأردف زمردي قائلاً: «يعتقد بوتين أنه قد انتصر فعلاً في الحرب السورية بفضل سلاح الجو الروسي؛ ويمنحه معتقده هذا كل الحق في تحديد كيفية توزيع غنائم هذه الحرب».
ومع تلاشي الحلم الإيراني بإنشاء طريق إلى لبنان يلامس الحدود الإسرائيلية، يحاول الرئيس بوتين إقناع خامنئي بالتخلي عن قطعتين من الأراضي السورية، لا تزالان تحت سيطرة القوات الإيرانية والمرتزقة اللبنانيين، على الحدود مع إسرائيل ولبنان. وفي هذين الموقعين المذكورين، شنت إسرائيل بالفعل ثلاث غارات جوية خلال العام الماضي، أو نحوها، الأمر الذي عزز من رسالة بوتين إلى خامنئي بأنه يتعين على إيران نقل وجودها البري إلى منطقة «نزع التصعيد»، التي خُصصت لها في دير الزور على مقربة من الحدود العراقية السورية، وبعيداً كل البعد عن المثلث السوري - اللبناني - الإسرائيلي المضطرب.
قد يكون من السابق لأوانه الخلوص إلى أن إيران شرعت فعلياً في دراسة مختلف الخيارات المتاحة أمامها في سوريا، بيد أن هناك أمراً واحداً واضحاً للغاية، ألا وهو أن شريحة متنامية من القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية باتت على قناعة مفادها أن الصفقة الإيرانية داخل سوريا هي من أسوأ الصفقات، وأنه يلزم القيادة الإيرانية الآن إعادة النظر في خياراتها هناك. ورغم ما تقدم، وفي حين أن دخول الحرب هو من السهولة بمكان، فإن الخروج منها أمر بالغ الصعوبة، ولا سيما عندما تُغيم الخرافات الدينية والمشاعر الثورية الرومانتيكية على الرؤية السياسية.



قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.


مساعٍ يمنية لتنفيذ الإصلاحات الحكومية وضبط الأمن وتنظيم القوات

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يعقد اجتماعاً مصغراً للحكومة (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يعقد اجتماعاً مصغراً للحكومة (سبأ)
TT

مساعٍ يمنية لتنفيذ الإصلاحات الحكومية وضبط الأمن وتنظيم القوات

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يعقد اجتماعاً مصغراً للحكومة (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يعقد اجتماعاً مصغراً للحكومة (سبأ)

في خطوة يمنية لمتابعة الإصلاحات الحكومية على المستوى المركزي والمحلي، عقد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي اجتماعاً حكومياً مصغراً بهدف توحيد الجهود لمواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية، وتعزيز فاعلية مؤسسات الدولة.

ونقل الإعلام الرسمي أن الاجتماع ضم محافظي المحافظات المحررة بحضور عضوي مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة، محافظ محافظة مأرب، وسالم الخنبشي محافظ محافظة حضرموت، ورئيس مجلس الوزراء شائع الزنداني.

وذكرت المصادر أن الاجتماع ناقش مجمل المستجدات الوطنية، مع التركيز على آليات التنسيق بين السلطات المركزية والمحلية، بوصفه شرطاً أساسياً لتحسين الأداء الحكومي وتخفيف الضغوط المعيشية. كما استعرض المسؤولون تطورات الاقتصاد الوطني ومؤشرات الأداء المالي، إلى جانب الخطط المعتمدة لإدارة الإيرادات وتنميتها، وضبط النفقات العامة.

وأكدت المجتمعون ضرورة العمل بروح الفريق الواحد لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري، بوصفه المدخل الرئيسي لإعادة التوازن إلى مؤسسات الدولة، وتحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي في ظل ظروف معقدة.

وفي حين احتل ملف الخدمات الأساسية موقعاً متقدماً في جدول أعمال الاجتماع، شددت القيادة اليمنية على ضرورة تحسين قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق، بوصفها الأكثر تأثيراً على حياة المواطنين اليومية.

وفي هذا السياق، تم توجيه الجهات المختصة لإعداد خطة عاجلة لتأمين وقود محطات الكهرباء استعداداً لفصل الصيف، في محاولة لتفادي أزمات انقطاع التيار التي تتكرر سنوياً وتفاقم معاناة السكان.

كما أشار المسؤولون اليمنيون إلى أن تحسين الخدمات لا ينفصل عن نجاح الإصلاحات الاقتصادية، إذ يتطلب ذلك إدارة فعالة للموارد وتوجيهها نحو الأولويات، مع الحد من الهدر وتعزيز كفاءة الإنفاق العام.

ضبط الموارد

برزت مسألة الحوكمة ومكافحة الفساد بوصفها أحد المحاور الأساسية في الاجتماع، حيث شددت القيادة اليمنية على ضرورة الالتزام الصارم بتوريد جميع الإيرادات إلى الحساب العام للحكومة، وإغلاق أي حسابات خارج البنك المركزي، في خطوة تهدف إلى إحكام الرقابة المالية.

كما تم تأكيد تحسين أداء الأجهزة الإيرادية وتعزيز الشفافية، مع اتخاذ إجراءات ضد الجهات التي لا تلتزم بالقوانين، بما يعكس توجهاً نحو فرض الانضباط المالي والإداري.

وأقر الاجتماع استمرار إغلاق الموانئ والمنافذ غير المرخصة، وتشديد الرقابة على الأنشطة غير القانونية، بما في ذلك التهريب وتمويل الإرهاب والجريمة المنظمة، في إطار مساعٍ لحماية الاقتصاد الوطني ومنع تسرب الموارد.

جانب من اجتماع حكومي مصغر لرئيس مجلس القيادة اليمني (سبأ)

في غضون ذلك، أشاد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي، بالدعم الذي تقدمه السعودية، مؤكداً أنه لعب دوراً محورياً في تخفيف معاناة المواطنين والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة.

وأكد العليمي أن الشراكة مع الرياض تمثل فرصة استراتيجية يجب البناء عليها لتعزيز الاستقرار ودعم مسار الإصلاحات، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها البلاد.

تنظيم القوات وفرض الأمن

في جانب موازٍ، تعمل وزارة الدفاع اليمنية على تنفيذ إصلاحات هيكلية داخل المؤسسة العسكرية، من خلال توحيد بيانات القوات المسلحة وأتمتتها، بما يسهم في تعزيز الانضباط ورفع كفاءة الأداء.

وأكد وزير الدفاع طاهر العقيلي، في اجتماع للقيادات في عدن، أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتف الجهود لتجاوز التحديات، مع الالتزام بمبادئ الشفافية وتفعيل دور الرقابة والتفتيش، لضمان بناء قاعدة بيانات دقيقة تشكل أساساً للإصلاحات المستقبلية.

كما شدد على أهمية تطوير آليات العمل وتحقيق التكامل بين مختلف الوحدات، بما يدعم بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.

على الصعيد الأمني، أكدت اللجنة الأمنية في محافظة مأرب أن أمن المحافظة يمثل أولوية قصوى، مع تعهد باتخاذ إجراءات حازمة ضد أي أعمال تخريبية تستهدف الطرق أو المنشآت العامة والخاصة.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس في عدن اجتماعاً لقيادات عسكرية (سبأ)

ووجهت اللجنة القوات العسكرية والأمنية بالتعامل الصارم مع أي محاولات لزعزعة الاستقرار، وملاحقة المتورطين في أعمال التقطع والحرابة، وتقديمهم إلى القضاء، بما يضمن فرض سيادة القانون. حسبما أورد الإعلام الرسمي.

كما شددت اللجنة على ضرورة ضمان استمرار إمدادات الوقود والغاز المنزلي، محذرةً من اتخاذ إجراءات قانونية بحق أي جهات تعرقل عمليات النقل أو تستجيب لدعوات التخريب، في ظل أهمية هذه الإمدادات لاستقرار الأوضاع المعيشية.

وفي موازاة ذلك، دعت اللجنة المواطنين إلى اللجوء إلى القنوات القانونية لعرض مطالبهم، رافضةً الدعوات التحريضية التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً اتخاذ إجراءات عقابية بحق مروجيها.


«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended