جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

الزعيمة الشابة فتحت في نيوزيلندا نقاشاً حول «موازنة» الأمومة والعمل

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل
TT

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

جاسيندا آردرن... رئيسة الوزراء الحامل

قبل أسبوع من الآن لم يكن كثيرون قد سمعوا بجاسيندا آردرن، رئيسة وزراء نيوزيلندا الجديدة، رغم أنها بوصولها إلى المنصب الأعلى في الدولة، حققت أكثر من سابقة. فهي، بعمر الـ37. باتت أصغر امرأة تتزعم دولة. وفي نيوزيلندا، باتت أصغر زعيمة للبلاد منذ 150 سنة. وخلال فترة قياسية لا تتجاوز الشهر ونصف الشهر، نجحت هذه المرأة الشابة بقيادة حزبها، حزب العمال، للفوز بالانتخابات العامة بعدما كانت الاستطلاعات ترجح خسارته. لقد أعادت آردرن العمال إلى السلطة بعد عقد من الزمن جلسوا فيه في صفوف المعارضة. وألهم انتشال آردرن حزبها من الحضيض ورفعه إلى القمة في هذه الفترة القصيرة أحزابا يسارية في دول أخرى تتوق للفوز، مثل حزب العمال البريطاني وزعيمه جيريمي كوربن الذي ظهر في فيديو على «فيسبوك» يقول فيه متوجها إليها: «جاسيندا، افعليها (فوزي). لأجلنا جميعا!». أما في نيوزيلندا، بلدها، فإنها أثارت «جنوناً» بين الناخبين. فالصحافة المحلية كانت تتحدث عن «جاسيندا مانيا» - أو «الجنون بجاسيندا». كل هذا حدث الصيف الماضي، بدءاً بتسلم جاسيندا زعامة حزبها وصولاً لقسمها اليمين كرئيسة للحكومة في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ولكن كل هذا لم يكن كافيا لإعطاء جاسيندا آردرن شهرة مدوية... أما ما حوّلها إلى نجمة عالمية فهو خبر واحد صدر عنها في 19 يناير (كانون الثاني) الجاري، وهو إعلانها أنها حامل بطفلها الأول.
كانت تجلس على كرسي ترتدي قميصا أبيض. شعرها أملس غامق اللون، يتدلى على كتفيها. وإلى جانبها، على كرسي منفصل جلس شريك حياتها ووالد طفلها. كانا يبتسمان وهما يستمعان لسؤال الصحافي الذي يجري المقابلة معهما. بدت ابتسامة غير مريحة. لا عجب. فهي جاسيندا آردرن رئيسة الوزراء. والسؤال لم يكن له أي علاقة بفوزها في الانتخابات النيوزيلندية الأخيرة أو بسياساتها ولا حتى آرائها.
«هل كنت تشعرين بالغثيان في الصباح؟» سألها المذيع. أجابته وهي تبتسم وتحاول أن تبدو طبيعية: «نعم بالطبع. عانيت من الغثيان…» وراحت تتحدث بين المزاح والجد، كيف كانت توازن بين أعراض الحمل المبكرة والتفاوض على تشكيل الحكومة. لم تبخل بالتفاصيل. ولكنها كانت كلما أعطت تفاصيل أكثر ازداد تعطش الصحافي لطرح المزيد من الأسئلة الشخصية. سألها «هل سترضعين طفلك أثناء وجودك في البرلمان؟» ضحكت. صديقها بدا مرتبكا أكثر منها للسؤال. لمس وجهه بتوتر. هي أجابت وهي تهز رأسها «نعم نعم نعم». ثم راحت تتحدث بتفاصيل تشبع مستمعيها. قبل أن تتوقف وتقول: «ولكن أنا في وضع مختلف عن باقي أعضاء في البرلمان. لا يتوجب علي الجلوس هناك كل يوم. المطلوب مني الحضور فقط يوما في الأسبوع وقت الأسئلة والأجوبة، لذلك أنا في وضع أفضل من أخريات».
لم يكتفِ الصحافي. بل تابع يسأل: كيف علمت أنك حامل؟ ومتى وكيف أخبرتي شريكك؟
كلها أسئلة لم تمانع جاسيندا بالإجابة عنها بروح منفتحة، بغرض «الشفافية» مع ناخبيها. وما أن انتهت المقابلة، حتى بدأت أخرى استمعت فيها إلى أسئلة شخصية تكرّرت من صحافي آخر. ومجدداً كانت تجيب بصبر وابتسامة.
هكذا تحوّلت أولى المقابلات التي أدلت بها رئيسة وزراء نيوزيلندا إلى مساءلات شخصية حول الحمل والأطفال، من دون أن تكون لها أي علاقة بالسياسة وبرنامج حكومتها.
- الدفاع عن الخصوصية
مقاربة آردرن هذه فاجأت كثيرين. ذلك أنها قبل أشهر قليلة، قبل حملها وحتى قبل تنصيبها رئيسة للوزراء، رفضت الإجابة على أسئلة تتعلق بنياتها المستقبلية لأن تصبح أماً، ودافعت بشراسة عن حق المرأة بالخصوصية في هذا الأمر. حينذاك، وفي مقابلة إذاعية سألها أحد المشاركين في حوار عن نياتها المستقبلية المتعلقة بالأمومة والأطفال. وتابع «لنا الحق بأن نعرف ما إذا كانت المرأة التي قد تصبح رئيسة حكومتنا، ستأخذ إجازة أمومة وتترك واجباتها». وجاء رد آردرن حازماً. نظرت إليه وهي تشير بإصبعها وقالت «أنت… مرفوض تماماً أن تقول، إنه في العام 2017، على المرأة أن تجيب على هذا السؤال (حول نيتها الإنجاب) قبل أن تدخل مكان العمل».
وحقاً، قبل أن تصبح آردرن رئيسة وزراء وأسئلة من هذا النوع تلاحقها. ربما لصغر سنها، بالنسبة لزعيمة حزب. وأيضا لأنها عزباء.
كانت إجاباتها تدور بين توبيخ السائل والتعبير عن قلقها من القدرة على موازنة الأمومة والعمل. قالت ذات يوم إنه أمر تفكر فيه بالطبع ولكنه يقلقها وسيكون صعبا. وحتى أنها في إحدى المقابلات التي أدلت بها بعد إعلانها حملها، قالت إن الأمر جاء صدفة ولم يكن حملها مخططا له.
- مفاوضات الحكومة والسر
في الواقع اكتشفت آردرن حملها قبل 6 أيام فقط من الانتهاء من مفاوضات تشكيل الحكومة. ومع ذلك أبقت الأمر سرا. ولم تخبر إلا شريك حياتها وعائلتيهما. وبقي الخبر سرا لثلاثة أشهر إضافية. حتى خرجت في منتصف الشهر الجاري لتعلن أن عائلتها الصغيرة «من شخصين ستتحول إلى 3 في يونيو (حزيران). وأنها ستأخذ إجازة أمومة لـ6 أسابيع في يونيو، على أن يتولى نائبها مهامها خلال هذه الفترة.
بعض الصحافة المحلية هاجمتها. واعتبرت أنه من المستحيل أن توازن بين عملها كرئيسة وزراء وكونها أما جديدة. البعض حتى استذكر سيرينا ويليامز نجمة كرة المضرب الشهيرة، وانسحابها من بطولة أستراليا بعد أشهر من وضعها طفلتها، كدليل على مدى صعوبة موازنة العمل والأمومة. واستعان المشككون بتغريدات لويليامز على «تويتر» تتحدث فيها عن مدى صعوبة فتح وإغلاق عربات الأطفال وتقول: إنه من الأسهل تسجيل نقاط في مباراة كرة مضرب. وكتبت صحيفة «ستاف» تقول: «إذا تمكن طفل من تحدي واحدة من أعظم الرياضيات في العالم، فإنه من حق نيوزيلندا أن تقلق على رئيسة وزرائها».
ولكن آردرن كررت مرارا أن لديها خطة «لموازنة» الأمرين. وكشفت مع شريك حياتها كلارك غايفورد – وهو مقدم برنامج شهير حول الصيد - أنه هو سيتفرغ للاعتناء بالطفل. وبالطبع سيستعينان أيضا بمساعدين ومربّيات وكثر من أفراد العائلة… ولكن الجدل استمر وتوسع إلى خارج نيوزيلندا.
- اتهامات بـ«الخيانة»
الصحافية ليز جونز كتبت في صحيفة «الديلي ميل» البريطانية المحافظة لتنتقد آردرن بشكل قاس، واصفة إياها بـ«الخائنة» لأنها أخفت حملها على شعبها ولم تكشف عنه إلا بعد تأكدها من أنها أصبحت رئيسة للحكومة. وأضافت أنها رغم استعانتها بالمربيات فإن الشعب النيوزيلندي لن يتمكن من «التنافس على انتباهها مع طفل حديث الولادة». وكما هو متوقع، أثار مقال جونز جدلا كبيرا في نيوزيلندا التي تلقت - بشكل عام - خبر حمل آردرن بصورة إيجابية. ورغم أن أسئلة كثيرة طرحت حول الموضوع فإن أحدا لم يذهب إلى حد وصفها بـ«الخائنة»، والتهجم عليها بهذا الشكل. ووصل الجدل بالطبع إلى أسماع رئيسة الوزراء التي عندما سئلت عن المقال، قالت إنها لم تقرأه ولكن سمعت به، قبل أن تضيف أن معظم الردود في نيوزيلندا كانت إيجابية، ولكنها تعلم أن عليها أن تعمل بجهد كبير لتثبت قدرتها على موازنة الأمرين. وتابعت تقول ردا على سؤال كيف تجد العمل وهي حامل: «أنا حامل ولست معوّقة».
- رحلة طويلة مع «العمال»
جدير بالذكر أن رحلة آردرن الطويلة مع حزب العمال النيوزيلندي، وصعودها السريع لتصبح زعيمة الحزب، يروي رحلة شابة طموحة ومجتهدة وقادرة على التواصل مع الناخبين بصورة عفوية وطبيعية.
ابنة رجل الشرطة ولدت في مدينة هاملتون النيوزيلندية يوم 26 يوليو (تموز) 1980. وبدأت رحلتها في حزب العمال قبل نحو 20 سنة عندما انضمت إلى الحزب وهي ما زالت في الـ17 من العمر. يومذاك كانت تنتمي لطائفة المورمون (الطائفة المحافظة التي نشأت في الولايات المتحدة ومقرها الرئيسي في مدينة سولت ليك عاصمة ولاية يوتاه). وفي تلك الفترة كانت ناشطة جدا في الكنيسة التي ينتمي إليها والداها. غير أنها تركتها بعد فترة قصيرة بحجة أن تعاليمها «لا تنسجم مع أفكارها»، كما قالت لاحقا. وهي الآن كما تعلن لا تعتنق أي دين.
بعد تخرّج جاسيندا من جامعة وايكاتو، حاملة بكالوريوس الإعلام والسياسة والعلاقات العامة، عملت باحثة في مكتب رئيسة الوزراء (العمالية) هيلين كلارك آنذاك. كذلك عملت لفترة مستشارة لرئيس وزراء بريطانيا توني بلير، قبل أن تعود إلى نيوزيلندا وتفوز بمقعد في البرلمان عام 2008. وحافظت على مقعدها منذ ذلك الحين، وسُلّمت حقيبة وزيرة الأطفال في «حكومة الظل» العمالية. وفي مطلع العام الفائت، شاركت آردرن بمسيرة كبيرة نظمتها النساء في نيوزيلندا ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كان قد أدى لتوه قسم اليمين ودخل البيت الأبيض على وقع مظاهرات نسائية معارضة خرجت في عواصم كثيرة.
- الصعود السريع
غير أن الصعود السريع في عالم السياسة حدث في مارس (آذار) الماضي عندما انتخبت نائبة لزعيم الحزب بعد استقالة أنيت كينغ. بيد أنها لم تبق في المنصب سوى 5 أشهر فقط إذ أصبحت زعيمة لحزب العمال في مطلع أغسطس (آب) بعد استقالة الزعيم السابق أندرو ليتل. ويبدو أن ثقة حزبها بها كانت كبيرة، ذلك أن ليتل فاتحها بُعيد اختيارها نائبة له، 7 مرات بنيته الاستقالة وتسليمها الدفة، ولكنها في المرات السبع كانت ترفض.
ولكنها في النهاية قبلت. واستقال ليتل قبل شهر ونصف من الانتخابات العامة في البلاد لاقتناعه بعجزه عن قيادة حزبه إلى الفوز. والحقيقة أن حزب العمال تحت قيادته ما كان يحظى بدعم أكثر من 24 في المائة من الناخبين بحسب استطلاعات الرأي. ولكن، ما إن تسلمت آردرن زعامة الحزب حتى بدأت ترتفع أسهمه، لتصل نسبة تأييده الشعبي إلى 43 في المائة خلال أقل من شهر.
وفي نهاية المطاف، بعد يوم الانتخابات يوم 23 سبتمبر الماضي سجل حزب العمال نصراً ناقصاً، إذ حصل الحزب على نحو 37 في المائة من أصوات الناخبين لكنه، في أي حال، زاد عدد مقاعده 14 مقعدا ليصبح لديه 45 مقعداً، محققاً بذا أفضل نتيجة له منذ خسارته السلطة عام 2008. في المقابل، عجز الحزب الوطني (محافظ) بزعامة رئيس الحكومة بيل إنغليش، عن الظفر بغالبية مطلقة، مع أنه فاز بالنسبة الأكبر من الأصوات بلغت 44 ضمنت له 56 مقعدا برلمانياً.
- مشكلة اسمها... بيترز
وهكذا، في ضوء عجز أي من الحزبين الكبيرين اليساري (العمال) واليميني (الوطني) عن ضمان غالبية مطلقة في البرلمان، وبالتالي، تشكيل حكومة حزب واحد، صار الرهان الكبير هو اجتذاب تأييد ثالث أكبر الأحزاب، وهو حزب «نيوزيلندا أولاً» الشعبوي بزعامة وينستون بيترز، مع العلم أن العمال عزّزوا وضعهم بكسبهم تأييد نواب «حزب الخضر». وبعد جولات من التفاوض والمساومات طالت نحو 3 أسابيع، نجحت آردرن بالحصول على تأييد بيترز وحزبه، ما أمّن لحزبها ولحلفائها «الخضر» الغالبية البرلمانية المطلقة المطلوبة, وبالفعل، شكلت الحكومة الائتلافية وعيّن بيترز نائباً لرئيسة الوزراء، وأقسمت آردرن اليمين كرئيسة للحكومة يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وتدخل التاريخ السياسي لبلدها كأصغر رئيسة منذ 150 سنة.
مع هذا، ثم من يتخوّف من تحالفها مع «نيوزيلندا أولاً»، ومن أن الزعيمة الشابة قد وضعت نفسها أمام تحدٍ أصعب بكثير من الموازنة بين الحكم والأمومة، ذلك أن بيترز (72 سنة) شخصية تجسد أفكاراً وميولاً على النقيض من أفكار آردرن وميولها. فهو رجل قومي متشدد ضد الهجرة واللجوء، سبق له إطلاق مواقف وصفها البعض بالعنصرية. ثم إنه يكره الإعلام. أضف إلى ذلك أنه بموجب الصفقة الائتلافية مع العمال حصل على منصبي نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية، وحصل حزبه على حقائب وزارية أخرى مع أنه يحتل 9 مقاعد فقط داخل البرلمان.

- بطاقة شخصية
> رئيسة وزراء نيوزيلندا رقم 40.
> عمرها 37 سنة وهي أصغر رئيسة وزراء للبلاد منذ 150 سنة.
> انضمت لحزب العمال عندما كانت في السابعة عشرة من العمر
> تخرجت من جامعة وايكاتو عام 2001 وحازت على بكالوريوس في الإعلام العلاقات العامة والسياسة
> بعد تخرجها عملت باحثة في مكتب رئيسة الوزراء العمالية هيلين كلارك
> غادرت نيوزيلندا بعد بضع سنوات وانتقلت إلى نيويورك حيث تطوعت في مطبخ لتقديم الحساء للفقراء
> بعدما باتت بحاجة إلى مدخول حصلت على وظيفة كمستشارة في مكتب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في لندن ضمن فريق من 80 شخصا
> لم تلتق بلير قط خلال فترة عمله مستشارة لديه
> عادت إلى نيوزيلندا ونجحت في دخول البرلمان عام 2008 لتصبح أصغر نائب
> عام 2014 اختيرت لتصبح وزيرة للأطفال في «حكومة الظل»
> في فبراير (شباط) 2017 انتخبت نائبة لزعيم حزب العمال
> في أغسطس (آب) 2017 انتخبت زعيمة حزب العمال بعد تنحي زعيمه آندرو ليتل
> رفضت تولي زعامة حزب العمال 7 مرات عندما طلب منها زعيم الحزب
> عندما تسلمت زعامة الحزب ارتفعت نسبة التأييد خلال شهر من 23 في المائة إلى 43 في المائة
> فاز حزب العمال في الانتخابات العامة في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي بـ37 في المائة من الأصوات وحل ثانيا بين الأحزاب المتنافسة خلف الحزب الوطني اليميني الحاكم
> باتت رئيسة الوزراء في 26 أكتوبر (تشرين الأول) بعدما قرر وينستون بيترز زعيم حزب «نيوزيلندا أولا» الدخول معها في مفاوضات تشكيل الحكومة
> تعيش مع صديقها وشريك حياتها مقدم برنامج الصيد كلارك غايفورد
> اكتشفت أنها حامل قبل 6 أيام من إنهاء المفاوضات على تشكيل حكومة في 16 أكتوبر
> ستأخذ 6 أسابيع إجازة أمومة في يونيو (حزيران) المقبل على أن يتولى مهامها نائبها
> كانت تنتمي إلى طائفة المورمون ولكن تركت الكنيسة لأنها ما عادت تؤمن بتعاليمها

- رؤساء حكومات نيوزيلندا منذ 1945
> رئيس وزراء نيوزيلندا هو الحاكم الفعلي للدولة - الأرخبيل، الواقعة في جنوب غربي المحيط الهادي، إلى الجنوب الشرقي من أستراليا، وهي ثاني أكبر دول قارة أوقيانيا من حيث عدد السكان بعد أستراليا.
ورسمياً، يعين رئيس الوزراء الحاكم العام لنيوزيلندا، ممثلاً ملكة بريطانيا، ولكن بعد أن يحصل على تفويض شعبي عبر الانتخابات، بمعنى أن يضمن الحزب الذي يتزعمه الغالبية في البرلمان. وتقليدياً، يعتبر هنري سيويل (تولى السلطة عام 1856) أول رئيس حكومة للبلاد.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هيمن حزبان على الحياة السياسية النيوزيلندية، هما: الحزب الوطني (محافظ يميني) وحزب العمال (يساري معتدل)، إلا أن الحال مختلف قبل ذلك، وقد شغل منصب رئيس الحكومة ساسة من حزبي الإصلاح (اليمين المحافظ) والأحرار (الليبرالي) اللذين انتهيا، وورث المشهد السياسي عنهما الحزبان الكبيران المعاصران.
وفيما يلي قائمة برؤساء حكومات نيوزيلندا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية:
بيتر فريزر (حزب العمال) - من 1940 حتى 1949
سيدني هولند (الحزب الوطني) - من 1949 حتى 1957
كيث هوليوك (الوطني) - 1957
والتر ناش (العمال) - من 1957 حتى 1960
كيث هوليوك (الوطني) - من 1960 حتى 1972
جاك مارشال (الوطني) - 1972
نورمان كيرك (العمال) - 1972 حتى 1974
هيو وات (العمال) - 1974 (رئيس بالوكالة)
بيل رولينغ (العمال) - 1974 حتى 1975
روبرت مالدوون (الوطني) - من 1975 حتى 1984
ديفيد لونغي (العمال) - من 1984 حتى 1989
جيفري بالمر (العمال) - من 1989 حتى 1990
مايك مور (العمال) - 1990
جيم بولجر (الوطني) - من 1990 حتى 1997
جيني شيبلي (الوطني) - من 1997 حتى 1999
هيلين كلارك (العمال) - من 1999 حتى 2008
جون كي (الوطني) - من 2008 حتى 2016
بيل إنغليش (الوطني) - من 2016 حتى 2017
جاسيندا أردرن (العمال) - منذ 2017 ...



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.