«الاستثناء التونسي» في خطر؟

اضطرابات الذكرى السابعة للثورة

«الاستثناء التونسي» في خطر؟
TT

«الاستثناء التونسي» في خطر؟

«الاستثناء التونسي» في خطر؟

عاش التونسيون للعام السابع على التوالي مطلع يناير (كانون الثاني) الحالي اضطرابات اجتماعية وشبابية اقترنت بأحداث عنيفة ومواجهات مع قوات الأمن والجيش ذكّرت بالانتفاضة الشاملة التي تسبّبت في يناير 2011، بالتغيير في رأس هرم الدولة، وتفجير ما سمي بثورات «الربيع العربي».
وبعدما تجاوز عدد الموقوفين 300 شاب ومراهق أغلبهم متهمون بالتورط في السرقة والحرائق والاعتداء على مؤسسات إدارية وتجارية، يواجه التونسيون مجدداً السؤال نفسه الذي يرهقهم كل شهر يناير منذ 7 سنوات: ماذا يجري في البلاد؟
ومن بعده، ثمة أسئلة أخرى مثل... هل سيصمد الاستثناء التونسي أم سينهار مثلما انهارت بقية تجارب ما سُمِّي بالثورات العربية؟ وهل تتسبب الاضطرابات الشبابية وأحداث العنف التي صاحبتها في عدة مدن بمزيد من إضعاف نظام الحكم؟ أم يحصل العكس، ويثبت قادة الأحزاب الكبرى والمجتمع المدني مجدداً خبرة في إخراج بلدهم من مسلسل الأزمات العابرة التي تمر بها بأقل الخسائر؟ وهل ستسفر حوادث العنف عن دعم «حكومة الوحدة الوطنية»، التي تشكلت من 7 أطراف سياسية... أم تؤدي إلى انهيارها؟ وما مصير الانتخابات العامة المقبلة؟ وهل سيتوقف المسار السياسي وتندفع البلاد نحو الفوضى ومزيد من الاضطرابات؟

التصريحات الصادرة عن رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، وأيضاً عن مجموعة من الوزراء والمستشارين في رئاسة الجمهورية وعن زعماء الأحزاب الكبرى المشاركة في الائتلاف الحكومي، اتهمت «مافيات» التهريب والفساد وقيادات مجموعات سياسية محسوبة على أقصى اليسار الماركسي والبعثي والقومي يتزعمها حمّة الهمامي، أمين عام حزب العمال الشيوعي سابقاً، بأنها وراء الاضطرابات الحالية المقترنة بأحداث عنيفة ومواجهات مع قوات الأمن والجيش.
وفي المقابل، اعتبرت مجموعة من أحزاب المعارضة اليسارية والشخصيات الوطنية أن أعمال العنف والاعتداءات على الأملاك العمومية والخاصة لا تقلّل من مشروعية احتجاجات العاطلين عن العمل والمهمّشين والشباب على غلاء المعيشة والزيادات الجديدة في الأسعار، وعلى موازنة 2018 التي ستفرض إجراءات لا شعبية جديدة من بينها إيقاف التوظيف.

ثورات الشباب... والخبز
وعلى الرغم من غياب زعامة واضحة للاحتجاجات والتحركات الشبابية ذكّر انتشارها السريع بانتفاضات شبابية وطلابية واجتماعية سنوية مماثلة تشهدها تونس خلال يناير وفبراير (شباط) منذ نحو 50 سنة، وفي كل مرة كانت الشعارات المرفوعة بين المطالبة بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية من جهة، والدعوات إلى تغيير النظام من جهة ثانية. وبلغت تلك الاحتجاجات درجة قصوى من العنف والتصعيد في العقد الأخير من حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة ضمن ما عرف بـ«ثورات» الطلبة ونقابات العمال في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ثم «ثورة الخبز» عام 1984. وبعدها، تكرّر «السيناريو» ليبلغ ذروته في الاضطرابات التي أدت إلى سقوط حكم الرئيس زين العابدين بن علي مطلع يناير 2011.
قراءة تطور تلك الانتفاضات والاحتجاجات العنيفة تبيّن أنها غالباً ما تبدأ شبابية اجتماعية سلمية ثم تتطوّر إلى مواجهات عنيفة تتداخل فيها الأجندات السياسية والحزبية والنقابية، وحسابات المتنافسين على السلطة من داخل مؤسسات الحكم وخارجها. ومنذ الإعلان عن مرض الحبيب بورقيبة، الرئيس المؤسس للدولة التونسية الحديثة، أواخر الستينات من القرن الماضي كان الصراع على خلافة رئيس الدولة من أبرز العوامل التي تفسر تفجير الاضطرابات الطلابية والشبابية والنقابية من جهة ومعارك النخب السياسية من جهة ثانية. كذلك كان الصراع بين أجنحة الحكم أحد أبعاد الاضطرابات التي شهدتها تونس طوال السنوات العشر الأخيرة من حكم زين العابدين بن علي وانتهت بإسقاطه، وخروج السلطة من أيدي كل المتنافسين من داخل القصر.

ثورة على الاستبداد أم على نظام منتَخَب؟
هل يتجدّد المشهد اليوم بعد تعاقب أعمال الاحتجاجات والعنف والصراعات حول اسم الحاكم المستقبلي في قصري الرئاسة في قرطاج والحكومة في القصبة؟
ثمة معطيات لافتة ومقلقة فرضت نفسها مجدداً على كبار المسؤولين النقابيين والسياسيين في تونس بعد الأحداث الجديدة، أهمها:
1- إمكانية الخلط بين الاحتجاجات الشبابية المشروعة وعشرات الهجمات العنيفة المنظمة على الإدارات والمؤسسات العمومية والخاصة، التي من شانها مضاعفة أعباء الدولة وخسائر البلاد.
2- إمكانية الخلط بين شواغل آلاف الشباب الذي تظاهر ضد غلاء الأسعار والبطالة والفقر، وأجندات مَن وصفتهم الناطقة الرسمية باسم رئيس الجمهورية والناشطة اليسارية السابقة سعيدة قراش بـ«المخربين والمهربين والمجرمين».
3- كيفية تفسير اعتراضات زعماء المعارضة العلمانية والإسلامية في عهدي بورقيبة وبن علي على الاحتجاجات، واتهاماتهم تنظيمات أقصى اليسار التي ساندتها بالضلوع في العنف وتخريب البلاد وخدمة أجندات الدولة العميقة وأعداء مسار ثورة 2011؟
الوزير سمير الطيب زعيم حزب المسار الشيوعي سابقاً، وإياد الدهماني الناطق الرسمي باسم الحكومة، والمهدي بن غربية وزير العلاقة بالمؤسسات الدستورية، تصدّروا الحملات الإعلامية ضد قيادات تكتل أحزاب أقصى اليسار المنخرطة في الجبهة الشعبية بزعامة الهمامي. ولئن ميّز هؤلاء - وغيرهم من ممثلي الائتلاف الحاكم - بين المسيرات السلمية وأعمال العنف، فإنه لم يغب عنهم وعن بقية البرلمانيين والوزراء الذين ينحدرون من حركات عارضت حكم الرئيس زين العابدين بن علي التذكير بماضيهم الحقوقي والسياسي، ودورهم في إنجاح ما يصفونه بـ«ثورة الحرية والكرامة» قبل 7 سنوات.
لماذا غيَّر هؤلاء مواقعهم إذاً، وابتعدوا جميعاً عن مساندة الاحتجاجات الشبابية والاجتماعية؟
الجواب الذي يقدمونه هو الموقف نفسه الذي صدر عن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وزعيم «حركة النهضة» راشد الغنوشي، وعن قيادات الأحزاب المشاركة في الحكم ومن بينها «نداء تونس» و«النهضة» وحزب المسار اليساري، أي أن ثورة 2011 «استهدفت نظاماً استبدادياً بينما التحركات الجديدة تستهدف نظاماً ديمقراطياً منتخباً بمؤسساته التنفيذية والبرلمانية والقضائية والمجتمعية».

المفاجأة...
من ناحية أخرى، بين مفاجآت الاحتجاجات والاضطرابات الجديدة مواقف قيادة نقابات العمال، لا سيما نور الدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، التي أعلنت منذ انفجار الأحداث معارضتها لأعمال العنف وللتظاهر ليلاً رغم مساندتها حق المتظاهرين المسالمين في الخروج للشوارع والتعبير عن معارضتهم للزيادات في الأسعار. وخلافاً لما حصل عام 2011، انحازت غالبية قيادات النقابات إلى الحكومة رغم تأكيدها على شرعية التظاهر السلمي. والتقى الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل رئيس الحكومة يوسف الشاهد، كما التقى قبل ذلك بأيام قليلة رئيس الجمهورية قائد السبسي ووزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي، وشمل الحوار قانون المالية الجديد الذي طالب جانب من المتظاهرين والمعارضين اليساريين بإلغائه.
ومن ثم أعلن زعيم النقابات العمالية عن دعم المركزية النقابية للمطالب الاجتماعية، وبينها زيادة رواتب صغار الموظفين، لكنه انتقد بقوة الحرائق المتعمدة والهجمات الليلية على البنوك والشركات الخاصة ومؤسسات الدولة.
وفي الاتجاه نفسه، رحّب رئيس الحكومة الأسبق علي العريّض (من «النهضة») وعدد من الوزراء ونواب البرلمان من أحزاب ليبرالية ويسارية وقومية وإسلامية بقرار نزول الجيش وقوات الأمن الثقيلة إلى الشوارع لحماية مؤسسات الإدارة والدولة والشركات الخاصة. غير أن كل هذه المواقف لا تقلل من الحيرة والقلق والتخوفات من المستقبل، وكل مشاعر الإحباط المنتشرة في صفوف الشباب الذي نزل للشوارع للاحتجاج على أوضاعه المتردية... عوض أن يحتفل بالذكرى السابعة للثورة التي توقّع أن تحقق له الشغل والحرية والكرامة.

حيرة وتخوفات
والواقع أن مشاعر القلق والحيرة والخوف لا تشمل الشباب العاطل عن العمل وحده، بل انتشرت كذلك بين النخب السياسية والخبراء الاقتصاديين والجامعيين والمسؤولين الحاليين والسابقين عن كبرى المؤسسات المالية. وفي هذا السياق تعاقبت التصريحات المتخوّفة على مستقبل البلاد والصادرة عن وزراء مالية واقتصاد سابقين ومسؤولين كبار في البنك المركزي والقطاع المصرفي.
هذه التصريحات حذّرت الشعب من عمق الأزمات الاقتصادية التي تهدّد تونس، والتي تكتسي صبغة هيكلية تتجاوز بكثير المؤشرات السلبية الظرفية. إذ حذّر أحمد كرم، المدير العام لأحد البنوك الخاصة والمدير العام في البنك المركزي سابقاً، من الضغوط التي تمارَس على الحكومة من مؤسسات مالية دولية بسبب تضخم نسبة الأجور والنفقات الاجتماعية في ميزانية الدولة إلى نحو 75 في المائة، وارتفاع نسب التداين لأول مرة إلى نحو 70 في المائة وتراجع قيمة الدينار التونسي بنسبة ناهزت 100 في المائة مقارنة بما كان عليه الوضع في 2010. ودعا وزير المالية السابق حكيم بن حمودة إلى «إصلاحات»، قد يكون بعضها لا شعبياً لمحاولة التحكم في العجز التجاري وعجز الموازنة وتضخم صندوق الدعم للمواد الأساسية والمحروقات والصناديق الاجتماعية والمؤسسات العمومية المفلسة.

تكلفة الديمقراطية
مقابل ذلك، فسّر سياسيون وخبراء ماليون واقتصاديون آخرون الاضطرابات الاجتماعية والصعوبات المالية والاقتصادية بأنها «تكلفة 7 سنوات من الانتقال الديمقراطي». واعتبر إلياس فخفاخ، رئيس المجلس الوطني لحزب التكتل المعارض ووزير المالية الأسبق، أنّ تونس «تمر بمرحلة انتقالية صعبة... صعبة. لقد كانت تكلفة الانتقال من الاستبداد إلى النظام الديمقراطي المنتَخَب كبيرة على الاقتصاد الوطني». وأوضح أنّ «نسبة التداين وصلت إلى حدود 70 في المائة بعدما كانت قبل الثورة في حدود 40 في المائة، مقابل تراجع احتياطي الدولة من العملة الصعبة وتفاقم نسبة العجز التجاري من 8 إلى 14 في المائة».
ويعتقد فخفاخ أنّ وضع البلاد الاقتصادي والمالي لا يستطيع تحمّل «صدمة خارجية» جديدة. ويشير إلى أن تونس «تستورد أكثر من نصف حاجاتها من المحروقات، وأن ارتفاع أسعارها في السوق العالمية بسرعة من نحو 50 إلى 70 دولاراً أثَّر سلباً على الميزانية، وعلى الميزان التجاري». كذلك يشير إلى أن «ربع العجز التجاري متأتٍّ من العجز في قطاع الطاقة، أي أن تفاقم العجز بعدما قفز سعر برميل النفط سيكون له تأثير مباشر على استقرار الدينار التونسي، وعلى نسبة التضخم وعلى الاستقرار الاجتماعي في البلاد». وفي هذا المناخ، أقر وزير المالية الأسبق بـ«واجب التوفيق بين مطلب تقاسم التضحيات بين رجال الأعمال والعمال والفئات الشعبية»، لكنه أقرَّ بحاجة الدولة إلى «تعبئة موارد مالية إضافية من بينها ترفيع الرسوم والضرائب أو اللجوء إلى التداين، وهو ما سيؤثر على وضعية المالية العمومية». واعتبر السياسي المخضرم والوزير السابق أن الحكومة التونسية «مطالبة بالتعويل أكثر على الموارد المالية الدّاخلية، ومنها ترفيع المداخيل الجبائيّة، وتنظيم حملات للحد من التهرّب الضريبي بهدف الحد من حجم التداين الخارجي».

الأولويات اجتماعية أم سياسية؟
في أي حال، ردود فعل الأطراف السياسية والنقابية في البلاد على الاحتجاجات لم تحسم قضية خلافية كبيرة بين التونسيين: هل الأولوية اليوم اجتماعية اقتصادية... أم سياسية؟
أحمد نجيب الشابي، زعيم المعارضة القانونية في عهد بن علي، ووزير التنمية في الحكومة الأولى بعد الثورة، يُعتَبَر مع عدد من السياسيين البارزين، كرئيس الحكومة الأسبق المهدي جمعة والوزير مدير الديوان الرئاسي السابق رضا بالحاج، أن الأزمة الحالية «ليست اجتماعية اقتصادية فقط... بل سياسية أيضاً». ويطالب هؤلاء السياسيون مع عدد من زعماء الأحزاب المعارضة والمنشقّين عن الحزب الحاكم بتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، وبإقالة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة كفاءات وطنية ليس بينها زعامات سياسية.
كذلك حذّر سعيد العايدي، الوزير السابق والأمين العام لأحد الأحزاب التي شكلها منشقّون عن حزب الرئيس الباجي قائد السبسي، من «الانسياق في حوار وطني يقتصر على الجانب الاقتصادي والاجتماعي من دون التطرّق إلى الجذور السياسية للأزمة». واعتبر العايدي أن «الأزمة تتصاعد منذ 7 سنوات، واختزال الحوار في حوار اقتصادي اجتماعي سيفرغه من محتواه». وبالتالي، طالب العايدي وعدد من قادة الأحزاب المعارضة، بينها محسن مرزوق أمين عام حزب المشروع، بـ«مراجعة النظام السياسي بسبب التداخل الصارخ بين المصالح الحزبية ومؤسسات الدولة التي تشهد اليوم وضع (دولة الحزب)، حيث تحوّلت أجهزة الدولة إلى وسائل لتحقيق مصالح الأحزاب الحاكمة، خصوصاً حزبي (النداء) و(النهضة)، متهماً قياداتهما بالفشل في محاربة الفساد والبطالة والفقر».

حلول عاجلة؟
في هذه الأثناء تبرز دعوات ملحَّة إلى التوفيق بين مطالب الشباب العاطل عن العمل والفقراء والمهمّشين من جهة... وشواغل السياسيين المهتمين خاصة بأجنداتهم الانتخابية والسياسية والحزبية، من جهة أخرى. وبالفعل، دعا نور الدين الطبوبي (أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل) بعد لقاء جمعه مع رئيس الحكومة الشاهد لبحث الاضطرابات الاجتماعية، إلى «معالجة الوضع المتأزم عبر قرارات سياسية جريئة تأخذ بعين الاعتبار مطالب الشباب والفئات المهمشة المتضرّرة من قانون المالية لسنة 2018».
وكشف الطبوبي أنه دعا رئيس الحكومة إلى الإعلان الفوري عن رفع الحد الأدنى لأجور العمال والمنح الاجتماعية التي تقدمها الحكومة إلى العائلات الفقيرة وجرايات التقاعد الضعيفة، إلى جانب «رسم خطة شاملة للتفاعل مع مطالب الشباب في الشغل والاندماج الاجتماعي».
إلا أن الخبراء الاقتصاديين والماليين، مثل أحمد كرم، يرون أن العنصر الأهم يكمن في «تنويع موارد الدولة المالية قبل الحوار حول المسلَّمات، ومن بينها تحسين أوضاع الشباب والمهمشين والعاطلين عن العمل والفقراء». وضمن هذا الإطار حثّ كرم السلطات على «الانفتاح بنسق أكبر على الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين، وعلى الأسواق العربية عموماً ولكن بصفة خاصة الدول الخليجية، من دون المساس بالشريك الاقتصادي الأول لتونس... أي الاتحاد الأوروبي».

غياب البديل؟
على صعيد آخر، مما يفسر إلى حد ما دوران النخب التونسية المعارضة والحاكمة في حلقة مفرغة غياب قوة سياسية قادرة على قيادة مسار التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي المنشود. وحقاً، اعترف عبد اللطيف المكّي، الوزير السابق والبرلماني عن كتلة «حركة النهضة» بـ«فشل كل حكومات ما بعد الثورة في إنجاز إصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة، رغم ما حصلت عليه من دعم انتخابي وسياسي». وأورد المكي أنه «لا توجد اليوم قوة سياسية قادرة على التغيير لأن الحياة السياسية مضطربة»، معتبراً أنه لا يوجد اليوم ما سماه بـ«المجمع السياسي الذي يجب أن يقود الإصلاحات المطلوبة في تونس».

الأجندات الإقليمية
وبالتوازي، تتواصل تخوفات كثير من المثقفين والسياسيين المستقلين من مستقبل البلاد في ظل تباين التقييمات للاضطرابات الشبابية والاجتماعية وما رافقها من عنف. ومن بين المتخوفين الشاعر البحري العرفاوي، الذي يقلقه «ألا يكون ما جرى في عدة مدن تونسية خلال الأسبوعين الماضيين مجرّد احتجاجات شعبية مشروعة على غلاء الأسعار وصعوبة ظروف العيش، ولكنه كان أيضاً محاولة لتخريب المشهد السياسي التونسي والإقليمي كله، وإعادة خلط الأوراق بين مكوّنات البناء المجتمعي والسياسي الوطني من برلمان وحكومة ورئاسة الجمهورية ومؤسسات وهيئات وأحزاب وتوافقات». ويرجّح العرفاوي، وآخرون، تورّط جهات خارجية في تونس منذ انهيار مؤسسات الدولة المركزي في 2011 «ما يسهّل لعبة السفارات والعواصم الأجنبية، وانتهاك السيادة الوطنية التونسية لتسهيل إنجاز أجندات أطراف إقليمية وعالمية تستهدف منذ مدة ليبيا والجزائر وتعتقد أن مزيداً من إضعاف الدولة التونسية قد يسهل مهمتها فيهما».

مؤشرات تفاؤل
وهكذا، بين هؤلاء وأولئك تتنوع التقييمات وتتباين الإرادات والأولويات، لكن مؤشرات إيجابية تدفع كثرة من التونسيين نحو التفاؤل، من بينها تنظيم الاتحاد العالمي لوكالات السفر، معلناً قبل أيام من مؤتمر السنوي في جزيرة جربة السياحية التونسية عن استئناف الرحلات السياحية العالمية نحو تونس... بعد تعطل طال 3 سنوات. كذلك، تكشف المؤشرات الاقتصادية تحسناً ملموساً في مداخيل الدولة من الصادرات الصناعية والزراعية، وتحسّن قدرات تونس على جذب مزيد من شركات الخدمات العالمية.
ومن الناحية السياسية، يتفاءل قادة الأحزاب الكبرى ومنظمات المجتمع المدني بالنتائج الإيجابية المرتقبة لتنظيم الانتخابات البلدية والجهوية في مطلع شهر مايو (أيار) المقبل، بما يمكن أن يُسهِم في تحسين مناخ الأعمال والعيش في تونس بشكل ملموس، وهذا بعد 7 سنوات من حلّ المجالس البلدية الموروثة عن مرحلة ما قبل ثورة 2011. وفي هذه الحالة لن يكون الاستثناء التونسي في خطر... وسيتمكن الفاعلون السياسيون الكبار من إنقاذ الموقف.



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.