متحف رومانسي في قلب روما

في غرفة الشاعر الإنجليزي جون كيتس

جون كيتس  -  غرفة كيتس في روما حيث مات
جون كيتس - غرفة كيتس في روما حيث مات
TT

متحف رومانسي في قلب روما

جون كيتس  -  غرفة كيتس في روما حيث مات
جون كيتس - غرفة كيتس في روما حيث مات

لقد كُتب الكثير من البحوث والمقالات عن الشاعر النخبوي الإنجليزي الغنائي (جون كيتس 1795 - 1821) الذي يعد من أكثر الشعراء رومانسية في تاريخ الشعر الإنجليزي إلى الدرجة التي قتلته فيها تلك الرومانسية الرقيقة العذبة وهو شاب لا يتجاوز من العمر 26 عاماً.
حياته القصيرة بقيت محاطة بنوع من السرية، حيث لم يتسنَّ لأحد من المؤرخين والكتاب تناول أحداثها، خصوصاً تلك الفترة القصيرة الثرية التي عاشها في مدينة روما التاريخية والتي أحبها وبها نضجت أفكاره ووثقت خطواته الشعرية.
ويبدو أن العديد من النقاد الذين تجاهلوا هذا الشاعر، الذي يعد الأكثر عاطفية بعد وليم شكسبير، قد ساهموا، بهذه الدرجة أو تلك، في موته التراجيدي.
زيارة إلى بيته الصغير الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى متحف، وعاش به الشاعر فترة قصيرة امتدت إلى 3 أشهر من نوفمبر (تشرين الثاني) 1820 إلى فبراير (شباط) 1821، وذلك على ضوء إلحاح طبيبه الإنجليزي الخاص الذي كان يسكن هو الآخر قريباً من ساحة «إسبانيا» التي تقع في قلب العاصمة الإيطالية روما، ذات المدرجات التي تنتهي بالأسفل بنافورة المياه التي يطلق عليها اسم «لابركاجا» التي نحتها النحات الإيطالي الشهير بيترو برنيني على شكل سفينة رومانية قديمة عام 1627 بطلب من البابا أوريانو الثامن. والبيت هو شقة في الطابق الثاني تطل بشبابيكها الواسعة على الساحة ومدرجاتها الشهيرة.
يزور هذا البيت (المتحف) الصغير الذي تحول إلى سيرة ذاتية لهذا الشاعر الشاب، عدة آلاف من السياح الذين يأتون من كل أنحاء العالم، لينتظموا بشكل جماعات صغيرة لرؤية غرفة نوم الشاعر وحاجياته وكتبه ومقتنياته ولوحاته ورسائله، التي ظلت في أماكنها كما أرادها الشاعر.
قصة المتحف الصغير هذا الذي تديره إحدى المؤسسات الإنجليزية المتخصصة في المحافظة على التراث الثقافي، تتلخص بلقاء عدد من كبار الشعراء الإنجليز والأميركان جمعتهم إحدى المناسبات عام 1904 فى مدينة روما، ليقرروا ضرورة امتلاك بيت الشاعر كيتس في روما، فسارعوا لتقديم طلب إلى المؤسسات الحكومية الإنجليزية المعنية، يطالبونها بتحويل البيت الصغير إلى متحف (يكون شاهداً تاريخياً لذلك النبع من الثراء والفتوة الشعرية التي أضاءت الوجود الإنساني). وبالفعل استجابت المؤسسات المعنية واشترت الشقة الصغيرة التي ظلت مغلقة لسنوات طويلة، وفي عام 1909 حملت الواجهة الأمامية العليا من باب البناية لوحاً مرمرياً أبيض كبيراً يشير إلى بيت الشاعر وتاريخ مكوثه فيه، كما هي العادة المتبعة في العديد من المدن الإيطالية التي تخلِّد ذكرى مَن مرّوا وعاشوا وماتوا فيها من كبار الشعراء والكتاب والسياسيين.
البيت (المتحف) هو الآن عبارة عن محفل ثقافي نادر، يقدم للزائر العديد من الجوانب الخفية في حياته القصيرة والتي حال المرض دون إكمال عطاءاتها الشعرية المتميزة، فقد مات بمرض عضال ودُفن في إحدى المقابر التي تجمعه وعدداً كبيراً من الشعراء والمثقفين والفلاسفة الأجانب الذين وافتهم المنية وهم في روما. ويحمل قبره القريب من قبر المفكر الإيطالي الكبير «غرامشي» شاهداً يحمل اسمه كواحد من الشعراء الأجانب الذين أحبوا هذه المدينة العريقة.
الصعود إلى البيت (المتحف) يجعل المرء يمتلك مشاعر مختلطة ما بين الحزن والفرح، عن الشاعر الشاب الوسيم المحتشم بحياته الغامضة، الذي انزوى في هذا البيت، وهو كما يصفه العديد من الرسائل التي كتبها، يحمل خجلاً إنجليزياً كبيراً، تختلط فيه مشاعر الانتظار والاقتراب من الموت القادم.
«أرجو ألا يتملك الخوف أحداً»... بهذه العبارة الشعرية، لفظ آخر أنفاسه أمام صديقه الحميم الرسام جوزيف سيفيرين، الذي رسم صورة شخصية زيتية له (بورتريه) تتصدر الصالة الصغيرة التي ازدحمت بالكتب والصور، وبعدد آخر من البورتريهات والتخطيطات التي رسمها الشاعر كيتس نفسه لأخته (فاني) ولصديقه الحميم (توم) وقريبه (جون)، وهناك لوحة رسمها لإحدى الجِرار الإغريقية القديمة بعد إحدى الزيارات التي قام بها لمتحف الفاتيكان التاريخي. لقد كان عالمه يمتزج فيه الفن والشعر وكل ما له صلة بالإحساس العميق والرؤية الطفولية الرائعة التي حصل عليها مباشرة من واقع الحياة والأدب والفنون التي تزدحم بها كل زاوية من زوايا مدينة روما التي أحبها من كل قلبه.
أما رسائله فهي وثائق تاريخية تشهد على إحساس مرهف، يعكسه أسلوب اختياره لكلماته الأنيقة الشاعرية التي يخاطب بها الآخرين، فهو كان على ما يبدو في بحث دائم لإدراك الأحاسيس الداخلية لحياة الكلمة الشعرية، ليتمكن من ترجمة انفعالاته والتوترات النفسية التي كان يعاني منها بسبب مرضه، فهو يذكر في إحدى رسائله المعروضة «كيف يمكنني أن اقتدي بالريح فهي لا تنطلق».
يتساءل في رسالة أخرى عن الشاعر الذي في داخله وهو يرتقب الموت «أين الشاعر؟ هل لكم أن تستعرضوه لي... يا لوحي القصيدة... أنا أعرفه...».
في رسالة له إلى فاني بروان يفصح عن محبته الكبيرة لها، فيقول: «في هذه اللحظات أحاول تذكر أبيات شعر لكن دون جدوى، عليّ أن أكتب لكِ سطراً أو اثنين لأحاول إنْ كان ممكناً إقصاءك من ذهني، لكني في أعماق روحي لا أستطيع أن أفكر بأي شيء آخر. انتهى الوقت الذي كان فيه من القوة الكافية التي تمكنني من نصحك وتحذيرك من الصباح الخالي من الوعود في حياتي، فحبي جعلني ذاتياً، أنا لا أستطيع أن أوجَد من دونك، أنا مهمِل لكل شيء عدا رؤيتك. يبدو أن حياتي تقف عند ذلك، أنا لا أستطيع أن أرى أبعد من ذلك. أنتِ تشربيني، لديَّ أحاسيس كأنني في طور الذوبان، سأكون في غاية البؤس من دون الأمل في رؤيتك قريباً. سأكون شديد الخوف إذا فصلت نفسي بعيداً عنكِ. هل قلبكِ لن يتغير أبداً؟ بالنسبة إليَّ ليس هناك أي حدود لحبي لكِ، وإلى الأبد».
إن سيرة حياته التي تطالعنا فيها بعض رسائله، تُشعر المرء كأنه يلتهم رواية شيّقة، ففي هذه المختارات من الرسائل المعلقة والمحفوظة في صناديق زجاجية أنيقة تصطف جنبا إلى جنب العديد من حاجياته ومقتنياته الرومانية، نلمس بوضوح أنه يعكس اهتماماً وتنوعاً ثقافياً فائقاً، فهو يجيد دوره كصديق للعديد من الشعراء الإنجليز والإيطاليين ببراعة، حتى يبدو الأمر كأنه موقف نادر في الحياة من خلال مداخلاته والحلول التي يطرحها لعدد من المشكلات، مقارنةً بصغر سنه وصغر تجربته. لقد كان وجوده في روما يتمثل في البحث عن الموقف الأمثل والجديد في حياة الإنسان، فهو يحب معرف كل شيء، يقول: «أرغب في تشكيل أشياء تساهم في صناعة شرف الإنسان»، وهذا المقطع من إحدى رسائله يكشف عن التصاق حميمي بالحياة ومحبة كبيرة للإنسان، كما أنه موقف يحمل إشراقات من الإيمان بالغد، ظلت تسطع حتى النهاية في دياجير نفسه الملتاعة بالمرض.
لقد كانت روما بالنسبة إليه نقطة البداية القلقة التي تبحث عن يقين، ورأى في إقامته بروما (حياة ما بعد الموت)، فراح يشارك مع زملاء وأصدقاء شعراء ورسامين مثل الشاعر الكبير شيللي، الذي لازمه لفترة طويلة، وكذلك الشاعر اللورد بايرون، في التمرد على الواقع السائد آنذاك ورفض قيمه، والبحث عن رؤية جديدة للعالم والإنسان، وكانت روما هي المحطة التي كانت مهيأة للانطلاق نحو مثل هذا التمرد العاطفي، بعدما كان يعتقد أن موهبته الشعرية تنطفئ وأن النقاد لم يرحموه لأسباب سياسية، وقد شكا لأحد أصدقائه أنه لن يترك عملاً خالداً يثير فخر أصدقائه عند رحيله «أحببت الجمال في كل شيء ولو أُعطيت الوقت لتركت ذكرى بالتأكيد».
كان طفلاً صغيراً عندما توفي والده ثم والدته بمرض التدرن الرئوي الذي حصد شقيقه أيضاً، وذات مساء عاد إلى منزله في عربة مكشوفة إلا أنه حال وصوله إلى البيت بدأ بالسعال، أحسّ بقطرات من الدم على مخدته، فقال لصديقه: «هذه القطرات إنذار بموتي... سأرحل»، وفي طريقه للاستشفاء في إيطاليا حاول الانتحار، وفكر بحبيبته التي أوجعته رغبته فيها «ليتني امتلكتها عندما كنت معافى، ما كنت سأمرض عندها».
(اتركوا الشبابيك مفتوحة
لشمس روما الجميلة
ها أنتم ترون الموقع
الذي مات فيه أدونيس
لم تتغير أشياء كثيرة)
إنه لا يحسن الصمت حين يشعر برغبة الكلام، ذلك أن معظم رسائله يمكن أن تؤدي غرضها بنصف ما استوعبه الكلام، فهو يطلق شهوته للكتابة، فتشغل العبارات الوصفية حيزاً كبيراً في كل مفردة يختارها.
ومع أنه لم يكتب خلال فترة بقائه في بيته الصغير بروما إلا قصائد قليلة أبرزها «أيها البيت الملّون بلون البرتقال في قلب المدينة»، إلا أنه كتب رسائل كثيرة اعتبرها النقاد من قمم النثر الإنجليزي، وكان العديد من رسائله معنونة إلى صديقه جارلس بروان، وفي مقطع من إحدى تلك الرسائل يقول «أتذكر كل الأصدقاء... أرجوك أن تكتب إلى جورج حال وصول رسالتي هذه إليك لتخبره عن حالتي، ولا تبخل بسطرين آخرين لأختي العزيزة (فانى) فأنا لا أستطيع القول وداعاً حتى على الورقة، لكنك تعلم أن حياتي كانت مليئة بالارتباك والحيرة...».
وإذا كانت التجربة الحياتية تقود أحياناً إلى مغامرة فنية، كذلك يمكن أن تقود التجربة الفنية أحياناً أخرى إلى خلق تجارب فكرية متميزة، وقد انعكس هذا الوضع على الشاعر كيتس الذي كان يشعر باقتراب موته، والذي رأى فيه «اقتراباً من الحقيقة»، حيث دخل حنينه إلى الموت للحد الذي كان ينتظره ويدعوه بشيء من اليأس في المرتفع الشامخ، حيث ترقد مملكة الموت.
(في فناءات الحزن
وسط الدمار الصامت
أستأتي أيها الموت...؟)
إنه يُشعر القارئ كأن الموت يجري في دمه، فالفتوة شاخت، والمحارب الشاب قد استسلم، وبقي في الانتظار، يداعب الموت بالشِّعر ويستثيره بالكلمات، وقد طلب أن يُكتب على قبره «هنا يرقد شخص كتب اسمه بالماء».
الشرفة الصغيرة التي تنفتح على غرفته الصغيرة، ما زالت، وكما أرادها الشاعر، مليئة بالأزهار، إذ تصطف على جوانبها المزهريات التي تحمل أجمل أنواع الزهور، فهي تستعيد الذكرى وتلتقي الحقيقة، لتحقق توازناً عاطفياً وجمالياً لشاعر كان قلبه كالسيل المتدفق الهادر.
إن الجمال الكامن في هذا المكان، يدعو كل شيء فيه إلى التماثل والتوازن، ويعطي الانطباع السريع بالمهابة، فسلالم الساحة التي ترتفع وسط مدرجاتها الرخامية البيضاء التي يفيض بها المكان، وصوت المياه في السفينة الرومانية وسط الساحة من الأسفل، التي نحتت لتكون ذكرى لسفينة رومانية رست في نفس المكان بعد أن فاض نهر التيفر عام 1598، وشبابيك غرفة الشاعر، تبدو كأنها تحكى مأساة رومانسية لجنة الصبا التي ضاعت، فكل شيء هنا يناجي ذكراه، وهو الذي قال مرة وهو يمجد الحضور الإنساني:
(عندما أكون في غرفتي
فهناك يكون الناس معي...)
ما زالت الرغبة كبيرة في الاستشهاد بأي مقطع من رسائل وكتابات وقصائد هذا الشاعر، فهي تثير لدى المرء غريزة البحث من جديد في تفاصيل زاخرة وغنية لشاعر مبدع وإنسان كان يسعى لأن يعيش طويلاً. لكن هل سيثير اسم «جون كيتس» الأثر ذاته الذي كان يثيره عند الأوروبيين آنذاك عندما يتفحصون رسائله وقصائده التي كتبها في روما وعن روما؟ في تقديرنا أن كتابات كيتس كانت تعني طريقة في الحياة والكتابة مميزة ومثيرة ومجددة، إذ لم يشأ كيتس أن يفصل بين الفن والحياة كما كان متبعاً عند الكثير من أقرانه أو ممن سبقوه أو مثلما كانت وما زالت ترغب فيه المؤسسة الثقافية سواء في بلده أو في باقي بلدان أوروبا، فآثاره ما زالت إلى اليوم تثير الكثير من الأسئلة والحيرة. لقد كان شاعراً فذاً.
مَن، مِن الرجال، يستطيع القول
بأن الأزهار سوف تزهر
أو تلك الفاكهة الخضراء
ستمتلئ حتى تتحول
إلى لباب ذائب
وأن تلك السمكة،
ستصير عظاماً بارزة،
وأن للأرض حصتها من النهر،
والغابة والوادي،
ودوائر الموج،
وحصى الغدائر،
وللبذرة حصادها،
وللعود نغماته،
ونشوة النغمات،
أو أن للنغمات حلاوتها
إذا لم يحب الإنسان ولم يرحب.



43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».


مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
TT

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)
ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)

أعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام» عودة «ماسبيرو» إلى الإنتاج «الدرامي التاريخي» مجدداً. وفي بيان صحافي، الاثنين، أفاد الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة، بأن «قطاع الإنتاج» يستعد لتقديم مسلسل تلفزيوني تاريخي عن سيرة حياة وفكر الإمام المصري جلال الدين السيوطي، على أن يُعرض خلال موسم رمضان المقبل.

وأوضح المسلماني في بيانه أن «ماسبيرو» يعود تدريجياً إلى سوق الدراما في ظل تحديات اقتصادية وإنتاجية كبيرة، لافتاً إلى أن «التركيز سيكون على الملفات ذات القيمة الفكرية والثقافية والتاريخية، إلى جانب تضمين الدراما الاجتماعية منظومة القيم والمبادئ الوطنية».

ورحّب نقاد فنيون مصريون بهذه العودة، من بينهم حنان شومان، التي أوضحت أن الحكم على المضمون سيكون بعد مشاهدته فعلياً.

أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام (حساب الهيئة على فيسبوك)

وأضافت حنان شومان لـ«الشرق الأوسط» موضحة أن «فكرة العودة إلى الإنتاج لا تتمحور حول الإعلان بقدر ما ترتبط بمستوى العمل وكيفية تقديمه»، لافتة إلى أن «الإنتاج السخي هو العامل الأول والأساس في خروج أي عمل بشكل جاذب للجمهور، على عكس الميزانيات الضعيفة».

ونوّهت حنان إلى أن امتلاك «قطاع الإنتاج» سابقاً، خلال مسيرته الحافلة بالروائع الفنية، لأدوات قوة، أبرزها الميزانيات الضخمة، والقدرة على استقطاب النجوم والكتّاب والمخرجين وسائر صُنّاع العمل، إضافة إلى العرض على التلفزيون الرسمي؛ يجعل المنافسة في ظل المتغيرات الجديدة أمراً صعباً، خصوصاً مع تنوع جهات الإنتاج، واختيار الفنان للجهة التي تحقق له طموحه الفني والمادي.

وعن جاذبية الأعمال التاريخية ومدى إقبال الجمهور عليها راهناً، أكدت شومان أن «محتوى العمل ومعالجته الدرامية، لا اسم الشخصية، هما الفيصل؛ سواء كانت الشخصية تاريخية أم لا، لأن جودة المضمون هي التي تحدد حجم الإقبال الجماهيري، ومدى تحقيق أهداف الصناعة، واستمرار حركة الإنتاج الفني».

وعاش الإمام السيوطي في القرن الـ15، قبل نحو 500 عام، حيث وُلد في القاهرة لعائلة من أسيوط، وله مئات المؤلفات والرسائل ذات المكانة الرفيعة في العلوم الإسلامية. وقد حفظ «القرآن الكريم» في سن مبكرة، ومن ثَمّ اتجه إلى حفظ المتون وطلب مختلف العلوم، منها الفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، واللغة، مما جعله موسوعة في العلوم الشرعية والعربية.

وحسب بيان «الوطنية للإعلام»، فإن مسلسل «دعاة الحق»، الذي عُرض قبل أكثر من 20 عاماً، تناول عدداً من الشخصيات الإسلامية، من بينها شخصية «السيوطي» عبر حلقتين فقط، ولم يُنتج مسلسل مستقل عنه.

«ماسبيرو» يُقرر إنتاج مسلسل عن الإمام المصري جلال الدين السيوطي (الهيئة الوطنية للإعلام)

ولفتت الهيئة إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أشاد، في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، بسيرة الإمام السيوطي العلمية التي جعلت أعماله باقية وحاضرة بعد 500 عام، مؤكداً «أهمية الاقتداء به بوصفه نموذجاً يُحتذى».

وقبل المسلسل الرمضاني الذي سيتناول سيرة الإمام السيوطي، أعلن «ماسبيرو»، قبل أشهر عدَّة، عودته إلى الإنتاج الدرامي بعد توقف دام أكثر من 10 سنوات، عبر مسلسل «حق ضايع» المكوّن من 15 حلقة، بإنتاج مشترك مع شركة «إكسيليفون فيلم» للمنتج عوض ماهر، وبطولة أحمد صلاح حسني، ونسرين أمين، ولوسي، ونضال الشافعي، ورنا سماحة، ومن تأليف حسين مصطفى محرم، وإخراج محمد عبد الخالق. لكن التصوير توقف، وتقرر تأجيل عرض المسلسل في موسم رمضان الماضي.

وقدّمت الدراما المصرية خلال السنوات الماضية عدداً محدوداً جداً من المسلسلات التاريخية، من بينها «الحشاشين» لكريم عبد العزيز، الذي حقق نسب مشاهدة كبيرة وأثار جدلاً واسعاً وقت عرضه، وكذلك «رسالة الإمام» عن حياة الإمام محمد الشافعي، وهو من بطولة الفنان خالد النبوي.


«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
TT

«يوم سعيد» يمثل السعودية في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»

لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)
لقطة من الفيلم السعودي «يوم سعيد» (مهرجان البحر الأحمر)

يشارك فيلم «يوم سعيد» للمخرج محمد الزوعري ممثّلاً السعودية في مسابقة الأفلام العربية ضمن الدورة الـ12 من مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، التي تنطلق في 27 أبريل (نيسان) الحالي. وكان الفيلم قد شهد عرضه الافتتاحي في «مهرجان البحر الأحمر» خلال دورته الخامسة العام الماضي، ويُعد عرضه في الإسكندرية أول عرض له في القارة الأفريقية.

صُوِّر الفيلم في مدينة الرياض، وتدور أحداثه في إطار كوميدي حول الشاب سعيد، الذي يبدأ يومه المليء بالفوضى؛ إذ يستيقظ متأخراً ويتغيب عن اجتماعاته، ثم يتناول إفطاره ويغادر متجهاً إلى عمله. وبعد أن يذكّره نادلٌ متجهم بالصلاة، يعود ليجد حذاءه قد سُرق، ليبدأ رحلة بحث عنه تتخللها مطاردات مضحكة وغير متوقعة. الفيلم من بطولة الممثل السعودي عبد الحميد العمير، ومن تأليف وإخراج محمد الزوعري، الذي بدأ مسيرته في مجال الإعلانات، ثم اتجه إلى الدراما حيث كتب وأخرج مسلسل «كروموسوم». ويُعد «يوم سعيد» أول أفلامه الروائية القصيرة.

وتشهد مسابقة الأفلام العربية في المهرجان مشاركة 7 أفلام أخرى إلى جانب الفيلم السعودي، من بينها الفيلم التونسي «المسمار» للمخرج رائد بوسريح، والقطري «ارحل لتبقى الذكرى» للمخرج علي الهاجري، والمصري «ديك البلد» للمخرجة ناتالي ممدوح، والأردني «ثورة غضب» للمخرجة عائشة شحالتوغ، والفلسطيني «سينما حبي» لإبراهيم حنضل ووسام الجعفري، إلى جانب الفيلم المصري - الإماراتي «أغداً ألقاك» للمخرج مؤمن ياسر، والفيلم اللبناني «كبّ القهوة خير» للمخرج إليو طرابيه.

ملصق فيلم «يوم سعيد» (إدارة مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

في حين تشهد مسابقة الفيلم الروائي مشاركة 15 فيلماً، من بينها فيلم «قبل الظهر»، وهو إنتاج مشترك بين مصر والسعودية للمخرج مروان الشافعي، ويُعرض عالمياً للمرة الأولى، إلى جانب أفلام من الجزائر، وليبيا، وفرنسا، والبرازيل، وإسبانيا، وبلجيكا، وبولندا، والمكسيك. كما تتضمن مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي» مشاركة 17 فيلماً من دول عدَّة، من بينها الولايات المتحدة، ومصر، والصين، وألمانيا، وفرنسا، واليابان، وبولندا، وإسبانيا، والجزائر، فيما تضم مسابقة أفلام الطلبة 8 أعمال.

واستحدث المهرجان في هذه الدورة مسابقة تحمل اسم المخرج خيري بشارة، يتنافس على جوائزها 20 فيلماً مصرياً. وأكد محمد محمود، رئيس مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الجائزة تأتي احتفاءً بمسيرة المخرج الكبير خيري بشارة، كما تُعد تكريماً لصنّاع الأفلام، حيث سيحصل الفائزون على جائزة تحمل اسمه، وسيُسلِّمها بنفسه في حفل الختام.

وعن مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي»، التي يقيمها المهرجان للعام الثاني على التوالي، قال محمود إن «الإقبال عليها كان لافتاً في الدورة الماضية، وشهدت مناقشات ثرية. وهذا العام تلقينا أفلاماً من عدد أكبر من المخرجين، ما يؤكد أن ثمة شيئاً يتغيَّر، وربما لا يتقبله البعض، لكنه أصبح واقعاً بالفعل؛ فالذكاء الاصطناعي مقبل بقوة إلى عالم السينما».

ترام الإسكندرية يتصدر ملصق مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير» (إدارة المهرجان)

ولفت محمود إلى اهتمام المهرجان بالسينما العربية عبر تخصيص مسابقة لها، موضحاً أنه بدأ عربياً ونجح في تكوين قاعدة واسعة من صنّاع الأفلام العرب، قبل أن يتحول في دورته الـ8 إلى مهرجان دولي.

وأشار إلى أن المهرجان حصل منذ دورته الـ11 على حق ترشيح الفيلم الفائز بجائزة «هيباتيا الذهبية» لمنافسات الأوسكار، مؤكداً أن ذلك يُعد اعترافاً عالمياً بمكانته بوصفه أحد أهم مهرجانات الأفلام القصيرة في الشرق الأوسط، فضلاً عن شراكته مع مهرجان «كليرمون فيران» في فرنسا، وهو الأكبر عالمياً في مجال الأفلام القصيرة.

واختتم بأن هذه الدورة تشهد حضور عدد من الضيوف يفوق التوقعات، رغم الظروف الراهنة والحرب الدائرة في الشرق الأوسط، حيث يشارك ضيوف من خارج مصر، إضافة إلى مخرجين شباب حضروا على نفقتهم الخاصة، ما يعكس حالة الأمان في مصر وأهمية المهرجان وقيمته.

واستُلهم ملصق الدورة الـ12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير من «ترام الإسكندرية»، أحد أبرز رموز المدينة، الذي رغم غيابه عن المشهد حالياً، سيظل جزءاً من ذاكرتها وشاهداً على تاريخها.