مؤسس «ويكيبيديا»: أنصح الصحافيين بعدم الاقتباس من موقعنا... ولا نطمح أن نصبح مرجعاً أكاديمياً

جيمي ويلز قال لـ«الشرق الأوسط» إن المحتوى العربي أقل من المأمول

جيمي ويلز (رسمة: سمية العمري)
جيمي ويلز (رسمة: سمية العمري)
TT

مؤسس «ويكيبيديا»: أنصح الصحافيين بعدم الاقتباس من موقعنا... ولا نطمح أن نصبح مرجعاً أكاديمياً

جيمي ويلز (رسمة: سمية العمري)
جيمي ويلز (رسمة: سمية العمري)

قبل شهر، طلبت موعداً لإجراء المقابلة مع الشخص الذي جعل المعرفة والاستزادة عن كل شيء أمراً لا يكلفك سوى اتصال بالإنترنت. وكلّف الموعد إرسال 6 رسائل بريد إلكتروني وإلحاحاً حتى جاء الرد بأن الموعد الأقرب لإجراء لقاء مع جيمي ويلز مؤسس ورئيس موسوعة «ويكيبيديا» - أحد أهم 5 مواقع إلكترونية في العالم - سيكون في الثاني عشر من ديسمبر (كانون الأول) الساعة 11 صباحاً. الأسئلة المعدة كانت عن الموسوعة، ودقة المعلومات، وتدخل الحكومات. لكن حين طرحنا سؤالاً عبر «تويتر»، اعترف بعض المغردين بأن «ويكيبيديا» لها الفضل في الحصول على شهادة البكالوريوس أو الماجستير. وهذا ما لا يوده ويلز، ولا يطمح أن تصل الموسوعة الأشهر إلى هذا المستوى، لأنها لم تنشأ لأجل ذلك، حسب قوله.
تأخر ويلز عن الموعد 9 دقائق بسبب اجتماع آخر، لكنه منح للمقابلة 20 دقيقة إضافية. يرفض ويلز أن يوصف بالملياردير، ويتنقل في صالة تحرير صغيرة ضمن مساحة مخصصة لمشاريع رياديي الأعمال في أحد أبراج الحي المالي في لندن، ويعمل في صالة التحرير 9 صحافيين ورئيس تحرير يديرون مشروعاً جديداً هو صحيفة «ويكي تريبيون» التي من المتوقع أن تحدث ثورة شبيهة بـ«ويكيبيديا»، لكنه أشار وأكد أن الصحيفة منفصلة تماماً عن ويكيبيديا، وأنها مشروعه الخاص وهوايته الجديدة.
سألته: هل هو ملياردير، وهو السؤال الذي نفاه لصحيفتي «الغارديان» و«نيويورك تايمز»، ونفاه لي أيضاً، لكن بابتسامة. يقول إن «ويكيبيديا» مملوكة لصندوق خيري الآن رأسماله 100 مليون دولار، ويقوم على المتبرعين، وله مجلس إدارة يديره بشكل محافظ، ويعتبر ذلك رأسمالاً معقولاً وليس بالقليل، وهذا ما يعطيه قوة واطمئناناً من الإفلاس، والقدرة على إدارة وتمويل نفقات الموسوعة.
يعتبر ويلز المحتوى العربي أقل من المأمول، ولا يريد أن يضع سبباً لذلك لا يعرفه، لكنه يتمنى من العرب أن يضيفوا ما يمكن إضافته ويضيف للعالم وللقراء عبر «ويكيبيديا» ويقول: «المحتوى العربي لويكيبيديا أقل مما نريد للأسف، والمجتمع الخاص به قليل وما ينشر أو ما يتم تحريره قليل كذلك. اللغة العربية بها قوة وثراء لغوي، أيضاً هناك أمر مهم وهو عدد الدول الناطقة بها والتنوع الثقافي في هذه الدول، وهذا ما نود أن نحصل عليه، ونتمنى أن تتضاعف جهودهم لإثراء محتوى ويكيبيديا كما هو في اللغات الأخرى، لا أريد أن أخمن السبب، هل هو مرتبط بالترجمة وعدد الكتب الأكاديمية المترجمة إلى العربية أم سبب آخر. هل هو بسبب عدد الكتب المترجمة إلى العربية مثلاً؟ ليست وجهة نظري، لكن حسب بعض المتطوعين في ويكيبيديا يقولون إنه بسبب الاهتمامات للشباب العربي وكثير منها رياضي وليس أكاديمياً أو بحثياً، لكن هذا ليس سبباً حقيقياً وكافياً، فليس كل الناس في بريطانيا مثلاً أكاديميين! وهناك مقارنة قديمة عن الترجمة بين الألمانية والعربية أن مجموع ما يترجم يومياً إلى الألمانية يعادل ما يترجم سنوياً للعربية، وهذه أتوقع مقارنة قديمة. لكن أعتقد أن الاستثمار في التعليم مهم جداً للوصول إلى مقاربات قريبة فيما يتعلق بالتحرير وغيره. وأعتقد أن الشباب المتعلم هو الأساس والمفترض أن يكون هو العماد فيما يتعلق بالترجمة أو النهضة بالأوطان كذلك».
ويبتسم ويلز حين جاء الحديث عن سخرية الأفراد من بعضهم ببعض حين يكون هناك استعراض بالمعلومات أنها غير دقيقة، وأنه جاء بها من الهواء أو «ويكيبيديا»، ويرد: «في 2001 حين بدأنا الموقع لم يكن هدفنا أن نصبح مرجعاً أكاديمياً، لكن من المهم أن نسهم في إثارة التساؤلات لا أن نوجد الإجابة، وليس هدفنا كذلك أن نتحول لمرجع أكاديمي للباحثين في الكليات، قد يستخدم الباحث الموسوعة لقراءة معلومة معينة أو الاطلاع عليها، لكن ليس للجزم بها واستخدامها والاقتباس منا والإشارة إلينا في بحثه».
هل يعني هذا أن الموسوعة لا قيمة لها؟ يرفض ويلز التقليل من حجم العمل والجهد المبذول، ويقول إن القائمين عليها ومشرفي التحرير يسعون لأكبر قدر ممكن للوصول إلى الدقة والكمال والجودة، لكن لا يمكن القول إن الموسوعة مرجع أكاديمي أو بحثي.
الجامعات التي لا تعتبر ويكيبيديا مرجعاً، لديها صفحات بتفرعاتها على الموقع الأشهر، وسألته فيما إذا كانت الجامعات هي من تحرر صفحاتها، أم أن هناك متطوعين، فرجّح أن المتطوعين يقومون بذلك.
ويسهب في الحديث عن اقتباس بعض من يهاجمهم واستخدام المعلومات المنشورة: «مع كل هذا التشكيك، هناك من يستخدمنا مصدراً إلى حد معين، ولكن كمصدر لمقال علمي أو أكاديمي لا أظن أننا نسعى لذلك، وللصحافيين أقول إن ويكيبيديا هي المكان المناسب للعثور على الأسئلة لا الأجوبة وهناك أداة اسمها (حديث/ تالك) يستطيع الباحث أو الصحافي الضغط عليها وسيجد نقاشات القراء أو المجتمع الويكيبيدي حول المصادر، هنا بإمكانه البحث والتأكد أكثر».
وفي جو الحديث عن تحرير صفحات الجامعات، سألت ويلز فيما إذا كان هو من يحرر صفحته الشخصية، ضحك قبل أن يجيب، رفع حاجبيه ثم نفى بقوله: «أنا لا أحرر صفحتي في ويكيبيديا، يحررها مئات القراء مثلها مثل أي صفحة أخرى ولا أتحكم بها، وهذا ما يجعلني سعيداً بأنني أطبق ما يطبق على الآخرين في الموسوعة».
يرفض ويلز الحديث عن شأنه المالي، ويرفض كذلك أن يصنف في قائمة المليارديرات، وسألته رغم علمي المسبق بإجاباته لصحيفة «الغارديان» حين نفى أن يكون مليارديراً، لكن ليس على غرار «فيسبوك» و«سنابشات» و«تويتر»، فيبدو أن المعلومات والاستثمار الثقافي لا يجعلان من الإنسان صاحب ثروة طائلة، أو أن ويلز يفضل إخفاء ذلك. قال لي إنه سعيد بالموسوعة وبما وصلت إليه وإنه ليس مليارديراً، وأضاف: «لست مليارديراً، وويكيبيديا لا تخشى الإفلاس، ولن نقوم ببيع الصفحات الشخصية أو فرض رسوم أو تمكين الحكومات أو المسؤولين من ملكية الصفحات الخاصة بهم وتحريرها».
كثير من الحكومات ووزارات الخارجية في العالم تتواصل مع ويكيبيديا لتحرير صفحاتها، لكن بالطرق التقليدية المعروفة، ويرفض جيمي ويلز، تحت أي ظرف من الظروف، تمكين الحكومات من ملكية صفحاتهم في الموسوعة، ويبرر ذلك بقوله: «لأن ذلك ضد الفكرة الرئيسية من ويكيبيديا، وهي الفضاء والمجال المفتوح لسكان المعمورة للمشاركة، كما أنها ستتحول من صفحة معلومات إلى صفحة علاقات عامة».
لكن كيف تدير موسوعة الفضاء المفتوح الأشهر شأنها المالي؟ صندوق خيري رأسماله 100 مليون دولار، وهو ما يجعل ويلز واثقاً أن الإفلاس ليس وارداً ولا يقلقهم، ويبرر طلب الموقع تبرع القراء مالياً أن ذلك نوع من المشاركة لنشر المعرفة وليس للربح ويقول: «مالياً، نحن ندير صندوقنا الخيري بشكل حذر جداً ومحافظ، ولا يمكن أن نخشى من الإفلاس على الأقل هذه الفترة».
لكن كيف يمكن لويلز الحفاظ على المصداقية، والتأكد من خلو موسوعته الشهيرة من أخبار المغرضين، أو الأخبار المزيفة FAKE NEWS، ويوضح ذلك بقوله: «صحيح أن هناك قلقاً من الأخبار المزيفة، لكننا نسعى قدر الإمكان أن يكون هناك حذر فيما ينشر ويقوم مجتمع ويكيبيديا بالتعديلات اللازمة وتصحيح المعلومات المغلوطة. وهناك انتخابات داخل مجتمع ويكيبيديا للمشرفين كذلك، فليست بهذه السهولة. صحيح أنه فضاء مفتوح للجميع، وأدوات مفتوحة للتحرير ومتاحة للجميع، لكن هذا لا يعني. لا يمكن لأي شخص أن يضيف رابطاً كمصدر إذا كان هذا الرابط غير مرتبط، والجدل المستمر بين مستخدمي الموقع يمكننا من الوصول إلى الدقة إلى أكبر قدر ممكن. بإمكان أي شخص بلا شك أن يضيف محتوى مسيئاً، خصوصاً إذا كانت لديه أجندة معينة أو غيره، لكن في حال اكتشاف ذلك يتم حظر ذلك المستخدم من إمكانية التحرير على ويكيبيديا».
مجلة «ذي أتلانتيك» قالت إن مشروع جيمي ويلز الجديد، صحيفة «ويكي تريبيون»، سيقتل مهنة الصحافة ويقتل وظيفة الصحافي وسينهي مسألة أن الصحافي يجب أن يتقاضى راتباً نظير عمله. وتقوم فكرة الصحيفة، التي مضى على إطلاقها وقت إجراء المقابلة 29 يوماً فقط، ويرأس تحريرها بيتر بال، الصحافي النيوزيلندي الشهير الذي تنقل في العمل الصحافي بين مؤسسات كبرى ومنها «سي إن إن» و«فايننشيال تايمز» وأسس وعمل على إنشاء مواقع إلكتروني لأشهر الصحف ومنها «تايمز»، تقوم فكرتها على الاستفادة من جميع سكان المعمورة للإسهام في نشر الأخبار وتزويد الموقع بالصور والمقاطع المرئية للحوادث أو الأخبار في مختلف أنحاء العالم. ويخطط جيمي ويلز للتوسع التدريجي في اللغات بحيث سيشهد نهاية عام 2018 إطلاق اللغتين الألمانية والإسبانية للموقع، أما اللغة العربية فسيكون لها نصيب من الصحيفة الجديدة، لكن «ويكي تريبيون» ليست «ويكيبيديا» كما يقول ويلز، ولا يمكن إنشاء مواقع بجميع اللغات.
يدافع ويلز عن وليده الجديد، ويرفض ما قيل إنه سيقتل القيمة الحقيقية للصحافي وسيجعل الجميع صحافيين بلا أجر، ويقول: «لا يمكن لأي شخص أن ينشر مباشرة على ويكي تريبيون، هناك رئيس تحرير، وهناك صحافيون، وهناك إجازة للمواد والنشر بعد موافقة فريق التحرير. الفكرة هي في الاستفادة من جميع سكان المعمورة قدر المستطاع أن يشاركوا في نشر الخبر وتقديم المواد والصور وغيرها».
لكن هذا غير واضح؟ أي أن العمل الحقيقي يعتمد على المجانية، والصحافيون هم المواطنون، وستسهم فعلاً في قتل الصحافة الاحترافية، يقول: «لا أعتقد أن ذلك سيكون ممكناً، صحيفة ويكي تريبيون فكرتها مختلفة، لكن هناك صحافيين والمحررين الرئيسيين الذين يعملون عليها. عدا ذلك صحيح أنه بإمكان الجميع في أنحاء العالم أن يتطوعوا لإرسال الأخبار والتحقيقات، وهي تطبيق حقيقي لصحافة المواطن. لكن لا أظن أن الاتهام هو بهذه الدقة أن ويكي تريبيون ستقتل مسألة الصحافي الذي يتقاضى راتباً من عدمه. المسألة باختصار أننا نتيح الفرصة للجميع للمشاركة، هناك رئيس تحرير وهناك محررون. ومن خلال تطوع ومشاركة الناس بإمكاننا أيضاً معرفة من الذي لديه جودة عالية في جانب معين وبالإمكان أن يصبح مسؤولاً عن الملف أو الصفحة أو القسم الذي ينشط فيه بشكل مستمر ودقيق ومهني. هناك أزمة في الصحف المحلية في العالم بعضها أغلق تماماً وبعضها قام بتقليص الأعداد، لكن الصحف العالمية لا تزال تقاوم».
ويشير ويلز إلى أن الصحافي الذي يراسل الصحيفة باستمرار ويتخصص في شأن معين، بعد فترة من ملاحظته بالإمكان الاستعانة به محرراً أو مشرفاً على ما تخصص به، وضرب مثالاً على ذلك بالبيتكوين، وقال: «لدينا الصحافيون، وبإمكانهم أن يكونوا أعضاء أو متطوعين. لكن لن ينشر أي شيء حتى تتم إجازته من قبل المحررين، ولدينا بيتر بيل رئيس تحرير. وكيف سنعمل؟ مثلاً هناك من يتطوع دوماً ويكتب قصصاً عن البيتكوين وتقنياتها وما يحدث عنها، نركز عليه ونراقبه عن بعد أو بالأصح نراقب أداءه وبعد ذلك نستعين به».
يتحدث ويلز عن «ويكي تريبيون» بشغف، لكنني سألته عن التفاؤل، هل يتوقع أن تصبح قريباً من أهم المواقع في العالم على غرار مشروعه الأول «ويكيبيديا»؟ فرد أنه شخصية متفائلة، وحين بدأ موسوعوته الشهيرة في 2001 كان يطمح أن يكون ضمن أكثر 100 موقع زيارة، والآن أصبح ضمن أهم 5 مواقع في العالم: «أنا متفائل وسأظل متفائلاً دوماً، حين أدهشتني تقنيات المصادر المفتوحة في بداياتها تنبأت أن شيئاً ما يمكن فعله، كان الطموح أن أكون في قائمة الـ100، وتدريجياً أصبحت ضمن نطاق أصغر وأهم، وهو مع الخمسة الأوائل. وهذه الفكرة التي أجيب بها دائماً، أن الذي دفعني لترك عالم المال والأعمال والتفكير بويكيبيديا لم يكن الثراء أو المال، بقدر ما هو تحفيز Open source platforms وتقنياتها، والقدرة على جلب مبرمجين والتشارك في الفضاء المفتوح وهذا ما حدث، صحيح أنها مخاطرة لكنها نجحت».
يختتم ويلز حديثه بالتأكيد على أن الصحافي هذه الأيام يجب أن يكون عالماً بكل شيء، ومتسائلاً، ويقول إن على الصحافي ألا يستعين بـ«ويكيبيديا» فقط، بل عليه أن يستخدمها للتساؤل وإثارة الأسئلة والبحث عن المصادر بشكل أوسع وأدق.


مقالات ذات صلة

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

خاص صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، لا تزال الصحف الورقية في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

وجدان طلحة (الخرطوم)
إعلام مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة.

علاء حموده (القاهرة)
يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
أوروبا شعار «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي BBC) خارج مقر الشركة في لندن، 12 نوفمبر 2025 (أ.ب)

«بي بي سي» تعتزم إلغاء ألفَي وظيفة

أفادت وسائل إعلام بريطانية نقلاً عن مصادر الأربعاء، بأن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تعتزم إلغاء نحو ألفَي وظيفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي أشخاص يمرون أمام لافتة تعرض صور الصحافييَن فاطمة فتوني وعلي شعيب اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال مظاهرة في بغداد 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«رابطة الصحافة الأجنبية» تتهم الجيش الإسرائيلي بفبركة صورة لصحافي لبناني لتبرير قتله

هاجمت «رابطة الصحافة الأجنبية» الجيش الإسرائيلي بسبب صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي استخدمها لاتهام صحافي لبناني قتله الشهر الماضي بأنه عضو في «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».