ماركس ونيتشه وما يجمعهما

تأثيرهما لا يزال ممتداً إلى زمننا المعاصر

نيتشه - ماركس
نيتشه - ماركس
TT

ماركس ونيتشه وما يجمعهما

نيتشه - ماركس
نيتشه - ماركس

في كتاب «نهاية التاريخ وخاتم البشر»، يقترح مؤلفه المفكر الأميركي فوكوياما مصطلحين مشتقين من اللغة الإغريقية: الميغالوثيميا والأيسوثيميا.
الميغالوثيميا هو النزوع نحو تحقيق التفوق على الآخرين، أو بصيغة أخرى النزوع لتحقيق المجد الشخصي. أما الأيسوثيميا، فهو النزوع لتحقيق المساواة مع الآخرين.
ومن الممكن أن تكون الميغالوثيميا ذات تأثير سلبي في المجتمعات التي لم تقيَّد بعد إرادة الفرد السياسية في الاستبداد وفرض إرادته على الآخرين، بحيث يحولهم بشكل أو بآخر إلى عبيد يتحكم بمصائرهم ومصائر أبنائهم، وبالتالي إشباع هذا النزوع بالتفوق على الآخرين عبر انتزاع السلطة، سواء عبر انقلاب عسكري، كما هو الحال في كثير من بلدان العالم الثالث، حيث الدولة فيها ما زالت في طور النشوء. وحال استلامه للحكم تحت شعار تحقيق الأيسوثيميا (النزوع لتحقيق المساواة بين المواطنين)، يبدأ بالتخلص من رفاق دربه الذين ينازعونه على حصة من المجد الشخصي، أو يشاطرونه في الميغالوثيميا.
لقد استطاعت المجتمعات التي اتبعت الخط الفكري السياسي الذي خطه المفكران الإنجليزيان توماس هوبز وجون لوك في القرن السابع عشر، عبر كتابيهما: «اللوياثان» و«مقالتان في الحكم»، أن تجسد مبادئهما في الحكم المدني، حيث وجود الحاكم لخدمة الرعية أولاً وآخراً، وحيث القيود المفروضة عليه، من تداول للحكم عبر الانتخابات إلى استقلالية القضاء إلى وجود مجلس تشريعي منتخب قادر على محاسبته، نزعت عن الحاكم قدرته على اللدغ، أو قدرته على تحقيق المجد الشخصي على المستوى الوطني، دون الحصول على موافقة المؤسسات المقيدة له. وقد جاءت الثورتان الفرنسية والأميركية لترسخا كثيراً من أفكار هوبز ولوك، ومن أعقبهما من مفكري عصر التنوير الفرنسيين. وتمثل ذلك في الدستور الأميركي، الذي ضمن تحقق المبدأين الأساسيين للثورة الفرنسية: الحرية والمساواة. والحريّة التي ضمنها الدستور تشمل حرية التعبير والاعتقاد، وحرية التملك، ومساواة الجميع أمام القانون والقضاء.
وانطلق هوبز من فكرة أن اللويثان، الذي هو كائن أسطوري مهول جاء ذكره في العهد القديم، يمثل الدولة القوية القادرة على نقل الإنسان ومجتمعه من المرحلة الطبيعية، حيث الإنسان مسؤول عن حماية نفسه وعائلته وملكيته بنفسه، إلى مجتمع مدني يتخلى فيها الإنسان عن هذا الدور للدولة. ومقابل هذا التخلي الذي يشمل التخلي عن الميغالوثيميا في مجال فرض إرادته على غيره، والقيام بدور القاضي والمنفذ للحكم ضد من يسعى إلى إيذائه أو التقليل من شأنه.
وينطلق هوبز ولوك في تبرير النظام الذي رسما ملامحه من مسلمة ترى أن القوة الأساسية التي تحرك الإنسان هو سعيه للحفاظ على حياته، وأن حياة الفرد مقدسة، لذلك فإن تخليه عن الميل للتميز وإشباع الميغالوثيميا المزروعة فيه لصالح النزوع للأيسوثيميا (النزوع إلى المساواة بالآخرين) يأتي مقابل ضمان حياته وحريته ومساواته بالآخرين، وبالتأكيد يكون ذلك من خلال القبول بسلطة الدولة المطلقة عليه، أو كما يسميها هوبز اللوياثان.
والتخلي عن المرحلة الطبيعية، والقبول بالمرحلة المدنية، هو التحول الأساسي الذي عاشه العالم الأنجليساكسوني أولاً، وتمثل في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا، ثم أعقبتها أستراليا ونيوزيلندا. كذلك جاءت الثورة الفرنسية لتنهي الأنظمة الأرستقراطية التي كانت سائدة في أوروبا، عبر إقطاعيات يحكمها أمراء ودوقات وكونتات، حيث الحرية والمساواة محصورة بالنخبة.
لقد عاش ماركس شبابه في منتصف الأربعينات من القرن التاسع عشر وهو يرى عضوية البرلمان البريطاني محصورة بأصحاب الأرض، والطبقة العاملة الأوروبية محرومة من كثير من الحقوق الأولية. ومن هنا، جاءت أطروحته «ديكتاتورية البروليتاريا»، بديلاً عن «ديكتاتورية البورجوازية»، إضافة إلى عدم الاكتفاء بمنح المواطنين فرصاً متكافئة للاغتناء، بل إن المساواة لن تتحقق إلا بنزع ملكية وسائل الإنتاج من يد أصحابها، ومنحها إلى العمال. فباقتراحه مصطلح فائض القيمة الذي «يسرقه» الرأسماليون من العمال، أصبح الأخيرون طفيليين يعيشون على السرقة، وبالتالي تم نزع الإطار الأخلاقي عنهم، ووفر الأرضيّة الأخلاقية للثورة المقبلة.
بالطبع، شهد ماركس في سنوات حياته الأخيرة تطوراً آخر في المجتمع لم يأخذ اهتماماً كبيراً في كتابه «رأس المال»، وأعني نمو الطبقة المتوسطة الذي بدأ بعد انتهاء الحروب النابليونية، وتوقيع اتفاقية باريس عام 1814، فتنامي ثروات كثير من البلدان الأوروبية، مع التطور الصناعي وتطور التكنولوجيا والتوسع الإمبريالي لبعضها، ساعد على توسع هذه الطبقة بشكل كبير، وبروز كثير من المهن والحرف خارج الإطار الكلاسيكي، المتمثل بالطبقتين الأساسيتين: الرأسمالية والبروليتاريا.
وإذا كانت أفكار ماركس تصب في تحقيق الأيسوثيميا بأقصى أشكالها، من خلال انتزاع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج من الرأسماليين، وتسليمها للطبقة العاملة (دون تحديد الآلية لتحقيق ذلك)، فإن نيتشه الذي برز في عصر آخر هو الآخر كان ضد النظام الرأسمالي الذي رسخ النمط الديمقراطي الليبرالي، والذي تحققت فيه الأيسوثيميا خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، على حساب اندثار الميغالوثيميا: الميل للتماثل والتساوي مع الآخرين، والاستمتاع بما حققه الرفاه الاقتصادي، والقبول بالقواعد السياسية والقانونية والإدارية التي فرضتها الدولة على مواطنيها. هذا المجتمع من وجهة نظره مجتمع يسود فيه العبيد. وكم تعكس أفكاره في كثير من كتبه ذلك الإعجاب بالمجتمع الروماني، حيث الحرية كانت كما يقول هيغل محصورة على الأقلية، تلك الأقلية المستعدة لأن تضحي بحياتها من أجل المجد الشخصي. وما تحقق في عصره هو تحقق آيديولوجيا العبيد المتجسدة بالمسيحية. ومن هنا، جاء هجومه العنيف على المسيحية. كذلك حملت كتاباته تنبؤاً باستيقاظ الميغالوثيميا مستقبلاً، لتفتح الباب أمام حروب كبيرة تضمن تحقق المجد لمن يخوضها.
كان كثير من الشباب الألماني متحمس لخوض الحرب، بعد اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرديناند عام 1914، على الرغم من أن ألمانيا لم تكن طرفاً في النزاع بين إمبراطورية النمسا - المجر وصربيا، لكنهم كانوا تحت تأثير تلك الأفكار التي طرحها نيتشه في كتبه بلغة نبوئية ساحرة. فمن وجهة نظره، ليس من الضروري أن يكون هناك هدف محدد في سعينا لتحقيق قوة الإرادة الساكنة فينا، التي يطلق عليها فوكوياما الميغالوثيميا.
ومع ذلك، فإن مبدأي الميغالوثيميا والأيسوثيميا ظلا فعالين بشكل إيجابي في كثير من جوانب الحياة الفنية والثقافية والعلمية وغيرها.
فوراء هذا النزوع لتحقيق التفوق على الآخرين في هذه المجال أو ذاك، كرس كثير من المبدعين القسط الأكبر من حياتهم، وبشكل دؤوب، لتحقيق ذلك على أرض الواقع. ومن هنا، تمكنت مدام كوري من أن تحصل على جائزة نوبل مرتين، وأن يؤدي تعاملها مع المواد المشعة إلى إصابتها بالسرطان. وبروحية مماثلة، حققت زها حديد إنجازاً متميزاً في فن العمارة، بكسر القواعد السائدة في هذا الحقل، وكذلك ما حققه بيل غيت وستيف جوبز من إنجازات غيرت من طرائق التواصل الاجتماعي تغييراً ثورياً منقطع النظير، وما حققه آلاف المبدعين الذين صاغوا ملامح عصرنا اليوم.
كذلك هو الحال مع الأيسوثيميا (النزوع للمساواة)، إذا نراها قد تحققت لصالح كثير من الأقليات عبر النضال السلمي، كما نراه في حركة الحقوق المدنية للسود في أميركا؛ ووصول أول رئيس أسود للولايات المتحدة كان دليلاً ملموساً على قطع شوط مهم في تحقيق أهدافها.
ولم يكن ممكناً تحقق كل هذه النجاحات إلا في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية.



شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.