كيف يموت الشعراء؟

من العربي أبي الطيب المتنبي إلى الإنجليزي توماس تشاترتون

لوحة «موت تشاترتون» 1856  للرسام هنري واليس
لوحة «موت تشاترتون» 1856 للرسام هنري واليس
TT

كيف يموت الشعراء؟

لوحة «موت تشاترتون» 1856  للرسام هنري واليس
لوحة «موت تشاترتون» 1856 للرسام هنري واليس

في أدبنا العربي القديم كتاب عن «مصارع العشاق». ولكن ماذا عن مصارع الشعراء؟ ليس هناك على قدر علمي كتاب عربي يتناول هذا الموضوع تناولاً وافياً، وإن انتشرت عبر القرون قصص متفرقة عن الطريقة التي مات بها أرباب الوزن والقافية: مصرع المتنبي على أيدي من ترصدوا له قرب دير العاقول، مصرع وضاح اليمن في صندوق خبأته فيه عشيقته قبل أن يدخل زوجها الغرفة، مصرع ابن المعتز بعد ليلة واحدة قضاها على عرش الخلافة، مصرع أبو القاسم الشابي وبدر شاكر السياب وأمل دنقل وحلمي سالم على فراش المرض (تعددت الأمراض ما بين مرض القلب والسرطان... إلخ، والموت واحد)، مصرع خليل حاوي منتحراً بطلقة رصاص، مصرع صلاح عبد الصبور بعد كلمات جارحة أصابته في مقتل إذ طعنت في وطنيته ونزاهته، مصرع صالح الشرنوبي تحت عجلات قطار في بلدته بلطيم، مصرع ملك عبد العزيز بعد أن سقطت عليها شجرة، مصرع يحيى الطاهر عبد الله (وأنا أدرجه في زمرة الشعراء لأنه كان شاعر القصة القصيرة بامتياز) في حادث سيارة. والأمثلة كثيرة لا يتسع لها هذا المقام.
واليوم ينضم إلى المكتبة الإنجليزية كتاب عنوانه «مصارع الشعراء» من تأليف الشاعرين والأستاذين الجامعيين البريطانيين بول فرلي ومايكل سايمونز روبرتس (الناشر: جوناثن كيب، لندن 2017، 414 صفحة).
Paul Farley and Michael Symons Roberts، Deaths of the Poets، Jonathan Cape، London 2017.
يقول المؤلفان في مقدمة كتابهما إن «الشعراء قد ظلوا دائماً يغامرون أو يقامرون من أجل الشعر. منهم من ضحى بصحته أو أسرته أو مستقبله أو بأمنه أو حتى بحياته. من هنا ارتسمت صورة خاصة للشعراء في الأذهان. من المسموح للروائي أن يكون عاقلاً خبيراً بأمور الدنيا ومتحكماً في تصرفاته. أما الشاعر فينتظر منه أن يكون مكتئباً محكوماً عليه بالهلاك ومدمراً لنفسه قبل أن يدمره الآخرون».
ترى متى بدأت هذه الصورة الرومانتيكية تتكون؟ إن الصلة بين الشعراء والفناء وثيقة، ونحن قد ظللنا دائما نهتم بآخر كلمات الشعراء على فراش الموت وكأنها تلخص تجربة حياتهم (قال جوته وهو يحتضر: «النور... مزيداً من النور»). لقد أخرج الناقد والمعجمي والشاعر الإنجليزي الدكتور صمويل جونسون في 1783 كتابه «سير أبرز الشعراء الإنجليز مع ملاحظات نقدية عن أعمالهم». تناول في هذا الكتاب اثنين وخمسين شاعراً بدءاً بإدموند والر وانتهاء بتوماس غراي. والأمر اللافت في هذه السير هو غلبة الحزن والكآبة عليها. فأغلب هؤلاء الشعراء الذين يتحدث عنهم جونسون قد ماتوا قبل تحقيق آمالهم أو أن هذه الآمال أحبطت. إنهم (لم يدرج جونسون أي شاعرة أنثى) يعانون من الفقر المادي أو استغلال الناشرين أو عدم التقدير من النقاد أو انصراف القراء أو كل أنواع الأمراض: النقرس، السل، انتفاخ الساقين، البرد، التهاب الرئتين.
وفي منتصف القرن الثامن عشر وجدنا المصور الإنجليزي وليم هو غارث يرسم لوحته المسماة «الشاعر المكروب» وفيها نجد شاعراً يجلس في انتظار الوحي في علية فقيرة. إحدى يديه تمسك بريشة الكتابة واليد الأخرى تهرش رأسه الفارغ وكأنها تبحث فيه عن فكرة أو عبارة. إنه يحلم بالشهرة أو بأن يصيب شيئاً من المال، وثمة بائعة لبن غاضبة تقف ببابه مطالبة بما يدين به لها. إن الشاعر في هذه اللوحة يبدو كأنه سجين شد وثاقه إلى مكتبه. وقد تسللت هذه الصورة وتناسخت في آداب أخرى: من هنا نشأت صورة «الشاعر الملعون» أو «الرجيم» في فرنسا القرن التاسع عشر: بودلير ورنبو وفرلين.
وكتاب فارلي وروبرتس قائم على سلسلة «رحلات حج» (على حد تعبيرهما) إلى الأماكن التي مات فيها الشعراء. وعلى هذا فهو أيضاً كتاب عن المكان وعن الرابطة بين الإنسان والبقعة التي تحركت فيها حياته.
يتناول المؤلفان عدداً من الشعراء البريطانيين والأميركيين منذ القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن العشرين. من هؤلاء الشعراء البريطانيين (إنجليز وويلزيين وآيرلنديين واسكوتلنديين): توماس تشاترتون، وديلان توماس، وبايرون، وفيليب لاركن، وستفي سمث، ولوي ماكينس، وكيث دوغلاس، وديفيد جونز، ويلفريد أوين، ر. س. توماس، وجون كلير. ومن الشعراء الأميركيين: وجون بريمان، وسيلفيا بلاث، وإليزابيث بيشوب، وفرانك أوهارا، ويليام كارلوس وليمز، وإميلي دكنسن، وروبرت لويل، وآن سكستون، ولاس ستفنز، وميريان مور، وروبرت فروست. وهناك شعراء تنقلوا بين الجنسيتين مثل و. ه. أودن وتوم عن.
سأقتصر هنا على وقفة قصيرة مع اثنين من هؤلاء الشعراء. ولتكن وقفتنا الأولى مع أقدم هؤلاء الشعراء زمناً وأصغرهم سناً، وهو الشاعر الإنجليزي توماس تشاترتون (1752 - 1770) الذي لقي مصرعه قبل أن يتم الثامنة عشرة من عمره وغدا منذ ذلك الحين أيقونة الحركة الرومانتيكية في إنجلترا وفرنسا على السواء.
ترك تشاترتون المدرسة في سن الرابعة عشرة وعمل متدرباً في مكتب محامٍ. تجلت موهبته في التأليف ومحاكاة كتاب الماضي في سن مبكرة مما أغراه بأن يرتكب عملية تزوير أدبي هي أن يؤلف قصائد من نظمه بأساليب شعراء العصور الوسطى ويدعي نسبتها إليهم (قارن قضية الانتحال في الشعر العربي التي أثارها المستشرق الإنجليزي مرجوليوث ومن بعده طه حسين). ادعى تشاترتون أنه اكتشف في برج كنيسة سانت ماري رادكليف في مدينة بريستول صندوقاً يحوي مخطوط قصائد من نظم راهب من القرن الخامس عشر يدعى توماس راولي (لا وجود لمثل هذا الراهب وإنما هو من تلفيق شاعرنا). انطلت هذه اللعبة في البداية على معاصري تشاترتون ومن يكبرونه سناً ومنهم الأديب هوراس والبول. وسافر الشاعر إلى لندن وملؤه آمال كبار في النجاح الأدبي والمادي بعد الثناء الذي أغدقه النقاد والأدباء والقراء على هذه القصائد. لكن عدداً من الدارسين مثل إدموند مالون كشفوا النقاب عن زيف هذه القصائد، وهنا قلب الجميع له ظهر المجن ووجد نفسه يتضور جوعاً في العلية التي يقيم فيها في ضاحية هولبورن في لندن، فتناول جرعة زائدة من الزرنيخ (لا نعرف أكان ذلك قصداً أم على سبيل الخطأ). هنا انبعثت موجة من العطف عليه (وحداثة سنه تغفر له ما فعل أو على الأقل تخفف من ذنبه) وأعلن المعجبون به أنه شهيد الأدب، وأنه ضحية مجتمع قاسٍ لا يرحم.
أشاد بذكره الشعراء الرومانتيكيون وردزورث وكولردج وشللي وكيتس. وألف عنه الشاعر الرومانتيكي الفرنسي ألفرد دي فيني مأساة «تشاترتون» في 1835. وأبدع المصور الإنجليزي هنري واليس لوحة عنوانها «موت تشاترتون» (1856) كانت موضع إعجاب الناقد الفني جون رسكين. وتصور اللوحة الفتى الشاعر طريحاً على فراشه بعد أن تناول السم. بشرته مرمرية ويده اليمنى تتدلى بلا حياة نحو الأرض حيث ثمة قصاصات ممزقة من قصيدة كان ينظمها. وقارورة السم على الأرض قرب فراشه بينما بصيص من نور الفجر يطل من النافذة المفتوحة.
شاعرة أخرى نتوقف عندها هنا هي الأميركية آن سكستون (1928 - 1974) التي انتحرت بعد حياة متقلبة عرفت الفرار من البيت والانخراط في علاقات جسدية والانهيار العصبي والطلاق ونوبات الاكتئاب والإقامة في مصحات نفسية وعقلية (من دواوينها ديوان يحمل عنوان «إلى مستشفى الأمراض العقلية والعودة جزء من الطريق» 1960). كانت قد حضرت مع صديقتها ومنافستها الشاعرة سيلفيا بلاث (وهي الأخرى ماتت منتحرة) في مدينة بوسطن فصولاً دراسية للشاعر روبرت لويل صاحب ديوان «دراسات من الحياة»، ورائد الاتجاه الاعترافي في الشعر الأميركي، وهو اتجاه يفصح عن تجارب صاحبه وأخطائه ومخاوفه ورغباته وذكرياته بكل صراحة كاشفاً النقاب عن أخفى دوافع الإنسان.
إن كتاب فارلي وربرتس يبتعث صوراً مؤلمة ومروعة للموت: جون كيتس الذي يعاني من داء الصدر في زهرة شبابه ينبثق الدم من شريانه ومعه تخرج أنفاس الحياة. ديلان توماس يسرف في شرب الويسكي حتى يفقد الوعي ويدخل في غيبوبة لا يفيق منها. هارت كرين يقذف بنفسه من على سطح سفينة في البحر الكاريبي حتى تبتلعه الأمواج. جون بريمان يرمي بنفسه من جسر إلى مياه نهر المسيسبي المتجمدة. سيلفيا بلاث وحيدة في شقتها بلندن بعد أن هجرها زوجها الشاعر تدهيوز من أجل امرأة أخرى تفتح موقد الغاز حتى تختنق. لكن المؤلفين قد حرصا (كما يقولان في خاتمة الكتاب)، على ألا يحيلاه إلى «مدينة للموتى»، مثل جبانة طيبة في مصر القديمة. هذه قصص موت حقّاً ولكنها أيضاً قصص عبقريات تغلبت على الموت حين بقيت ذكراها، و«الذكر للإنسان عمر ثانٍ» كما يقول أمير شعراء العربية في أوائل القرن العشرين أحمد شوقي.
قال الشاعر اللاتيني هوراس في القرن الأول قبل الميلاد إنه بنى بشعره صرحاً أبقى على الزمن من الرخام. ومنذ ذلك الحين والشعراء يحاولون أن يجعلوا شعرهم محصناً ضد الزمن. إنهم يسعون إلى «استعمار» الأجيال المقبلة، وذلك إذ يتحدثون (عبر ما سماه الشاعر فيليب لاركن «طول الزمن وعرضه») إلى مَن لم يُولدوا بعد. الشعر (إذا غيرنا الاستعارة) نسيج حي من المخ واللسان، وهو سلاحنا ضد الفناء.



الوجه الآخر لماريلين مونرو

ماريلين مونرو... جدارة فنية خلف بريق الإغراء (تونتييث سنتشري فوكس)
ماريلين مونرو... جدارة فنية خلف بريق الإغراء (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

الوجه الآخر لماريلين مونرو

ماريلين مونرو... جدارة فنية خلف بريق الإغراء (تونتييث سنتشري فوكس)
ماريلين مونرو... جدارة فنية خلف بريق الإغراء (تونتييث سنتشري فوكس)

في الحفل غير الرسمي المُقام حالياً على صفحات الإعلام، كثير من المقالات التي نشدت الاحتفاء بالممثلة ماريلين مونرو بمناسبة مرور 100 سنة على ولادتها. ليس من باب الانتقاد، لكن الحقيقة أنّ عدداً من هذه المقالات يُعيد نشر ما نُشر حول هذه الممثلة، اعتماداً على مصادر أجنبية بدورها تعمد إلى البحث عن ماريلين النجمة، وكيف عاشت طفولة صعبة ازدادت صعوبةً حين بلغت سنوات المراهقة، وكيف سعت إلى دخول السينما وفعلت ذلك مقابل تنازلات ومن دون ضمانات للنجاح.

أيضاً، إلى هذه التوليفة المعهودة، أضاف الاحتفاء الحالي بها سيرتها العاطفية واضطراباتها النفسية والرجال في حياتها وصولاً إلى وفاتها.

ماريلين مونرو كما بدت في آخر أفلامها «غريبو الأطوار» (سفن آرتس)

الفرصة الرائعة

الغائب هو التطرُّق بوضوح ودراية إليها ممثلةً وإلى أفلامها الـ31 على هيئة دراسة. بالتالي، كيف شقّت ماريلين طريقها بين امرأة تؤدّي أدواراً مُغرية لجمهور من الرجال المعجبين وممثّلة فعلية. هذا الجانب الثاني بقي خفيّاً لدى عديدين. تذكر ماريلين مونرو، فتجد أن ردّة الفعل الأولى عبارة عن كلمتين: «ممثلة الإغراء»، لكنها كانت أكثر من جسد تلتهمه الكاميرات وتُصدّره إلى الجمهور العريض. كانت موهوبة إلى حدّ لا يقل عن موهبة كيم نوفاك، وسوزان هيوارد، وغريس كيلي.

أحد أفلامها الأولى كان «غابة الأسفلت» (1950). لم يكن الأول -كما كتب البعض- بل سابع ظهور لها على الشاشة، مع الأخذ في الحسبان أنّ هناك 3 أفلام مثّلت فيها ولم يرد اسمها في قائمة الممثلين لصغر دورها (كومبارس) في «Green Grass of Wyoming» و«The Shocking Miss Pilgrim» (ما بين 1947 و1950).

حشد المخرج جون هيوستن لفيلم «The Asphalt Jungle» عدداً كبيراً من الممثلين المحترفين، من بينهم ستيرلنغ هايدن، ولويس كاليرن، وجيمس ويتمور، وجون ماكنتير ، وباري كيلي. وباستثناء هايدن، لم يكن أيّ من هؤلاء مشهوراً، لكنه كان صاحب عدد كبير ومتراكم من الأفلام. الممثلة الوحيدة التي كانت لا تزال في سنّ الحضانة السينمائية هي ماريلين مونرو، التي أدَّت دور عشيقة لويس كاليرن.

كان دورها صغيراً، مؤلّفاً من 3 مشاهد، لكن المفاجأة (بالنسبة إلينا على الأقل) أنه ما إن يُذكر الفيلم في حديث أو مقال حتى تنتقل الذاكرة إلى دورها ذاك. الفيلم بوليسي داكن عن عصابة تسرق ألماساً وتتعرّض لخيانة المشتري (كاليرن). وبما أنّ الفيلم من نتاج مرحلة لم يكن مسموحاً فيها بالمَشاهد الحميمية، فإن العلاقة العاطفية بين شخصية كاليرن وشخصية مونرو كان لا بدَّ أن تتجلّى عبر التمثيل. هذه المَشاهد القليلة التي مثّلتها مونرو في هذا الفيلم كانت فرصتها للإعلان عن أنها ليست مجرّد وجه جميل وجسد مثير، وإنما ممثلة تستطيع تجسيد الدراما التي يختزنها الفيلم في تلك المَشاهد.

مشهد من «السادة يفضّلون الشقراوات» (تونتييث سنتشري فوكس)

في أحد المَشاهد نراها مُستلقية على أريكة، مُغمضة العينين. أمام الأريكة يقف كاليرن الذي يكبرها بعشرات السنوات. ينظر إليها بحنان. يكبرها ويُحبها. تصغره وتحبّه، لكن لا أحد منهما يرى أنّ هذا الحبّ باقٍ أو سيؤدّي إلى نوع من الديمومة.

حين تفتح ماريلين عينيها تُعبّر نظراتها عن ذلك الحبّ، وعن تلك العلاقة بأكملها. هذا لا يحدث تبعاً لقراءة الدور كما هو مكتوب في السيناريو، وإنما تبعاً لمعرفة بالدراما ناتجة عن موهبة، وبكيفية المزج بين حركة الجسد النائم (بملابس كاملة) وبين المشاعر الآنية التي حان وقت انعكاسها حال فتحت الممثلة عينيها.

نموذج لسواها

يمكن لي المضي هنا في كتابة تحليل كامل عن مَشاهدها القليلة، وصولاً إلى ذلك المشهد الذي يُحاول فيه المحقّق سؤالها عمّا تعرفه عن عشيقها وعن عملية السرقة. هيوستن يمنحها الثقة في الانتقال بين مشاعرها قبل انتحار عشيقها وبعده. ليس هناك وقت للدموع، بل للمضي قُدُماً في لعب الدور بأفضل ما يمكن لها أن تعكسه في تلك المجموعة من المَشاهد المتباعدة والقليلة.

لا يغيب عن البال أنّ مونرو لم تكن مجرّد امرأة تطمح إلى التمثيل والوصول إلى مرتبة النجومية، وإنما إحدى اللواتي كنّ على علم بأن الطريق إلى ذلك يجب أن يمرَّ بدراسة التمثيل (على عكس ممثلات الإغراء في تلك الحقبة، ومن بينهن جين راسل وديانا دورس وجين مانسفيلد. نجاح مونرو سبق حضور الممثلات المذكورات في السينما، بل كان دافعاً لشركات هوليوود للبحث عن ممثلات تُسند إليهن أدوار إغراء).

من «غابة الأسفلت» (م.ج.م)

درست مونرو التمثيل قبل الإقدام عليه. درسته مسرحياً (عبر «مسرح الممثل المختبري» في لوس أنجليس)، وكانت على إلمام بمنهج المسرحي الروسي قسطنطين ستانيسلافسكي للتمثيل.

حقيقة أنّ هوليوود اختطفتها ممثلةً كوميديةً في أدوار خفيفة، من بينها ما نصفها بأدوار الإغراء، يجب ألا تجعلنا نتجاهل أنّ مونرو رغبت فعلاً في التمثيل على أنه فنّ وليس استعراضاً. عدم منحها الفرصة إلا لماماً مشكلة هوليوود أكثر مما هي مشكلتها الخاصة.

تبع «The Asphalt Jungle» بضعة أدوار صغيرة أخرى، مثل «تذكرة إلى توماهوك» (1950). هذا فيلم وسترن كوميدي أدَّت آن باكستر بطولته النسائية. بعده جاء «كلّ شيء عن إيف»، وهو اسم الدور الذي أدَّته أيضاً آن باكستر إلى جانب بيت ديفيس.

لعبت مونرو دوراً أكبر في «اشتباك في الليل» عام 1952. وكانت باربرا ستانويك بطلة الفيلم.

بعد 10 أفلام مثّلتها في عامين (1951 و1952)، فازت مونرو بأول بطولة نسائية مطلقة لها في «Niagara» عام 1953، وهو فيلم درامي من إخراج هنري هاثاواي. وفي العام عينه، تقاسمت البطولة مع جين راسل في «السادة يفضّلون الشقراوات»، ومع لورين باكول وبيتي غرابل في «كيف تتزوّجين مليونيراً». هذه الأفلام، بالإضافة إلى معظم ما مثّلته في الخمسينات وصولاً إلى «غريبو الأطوار» لجون هيوستن عام 1961، كرَّستها ممثلةً في أدوار كوميدية لا تطلب من الممثلين سوى تجسيد انطباعات وتأكيد التنميط الذي اشتهر به كلّ واحد منهم.

الفيلم الأخير

في النهاية، هناك 3 أفلام من بين كلّ أعمالها، المذكورة هنا وغير المذكورة، سمحت لمونرو بممارسة موهبتها درامياً على نحو يبرهن على جدارتها؛ هي: «غابة الأسفلت»، و«نهر بلا عودة» لأوتو بريمنغر، و«غريبو الأطوار». والأخير دراما يُذكر على أنه آخر أدوار كلارك غيبل، الذي توفي مباشرةً بعد تصوير الفيلم، وآخر دور لمونرو التي توفيت عام 1962.

القول إنها عانت انهيارات نفسية وعاطفية، ولم يكن لديها قدر كافٍ من الثقة، والحديث عن خلفياتها ومتاعبها السابقة، يجب ألا يُغفلا دور ذلك كلّه في تكوين حضورها السينمائي في وجهتيه الكوميدية والدرامية. في أفلام اللهو وأفلام الجدّ.

لم تكن أفلامها متساوية في جودتها، وهذا شمل محاولات هوليوود الدؤوبة لاستغلال ممثليها في أدوار نمطية مفيدة مادياً لها ومضرّة بالفنّ لدى الممثل نفسه.


مصر لترميم وإعادة إحياء مسجد المسبح في القاهرة التاريخية

المنطقة الأثرية بميداني القلعة والسيدة عائشة (رئاسة مجلس الوزراء)
المنطقة الأثرية بميداني القلعة والسيدة عائشة (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر لترميم وإعادة إحياء مسجد المسبح في القاهرة التاريخية

المنطقة الأثرية بميداني القلعة والسيدة عائشة (رئاسة مجلس الوزراء)
المنطقة الأثرية بميداني القلعة والسيدة عائشة (رئاسة مجلس الوزراء)

تسعى مصر لإبراز جماليات العمارة الإسلامية في المنطقة المواجهة لميدان السيدة عائشة (وسط القاهرة) من خلال ترميم وتطوير وإعادة إحياء المساجد والآثار الإسلامية بالمنطقة التي تدخل في نطاق القاهرة التاريخية.

وأكد رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، حرص الدولة على ترميم وإعادة إحياء المساجد القائمة، جنباً إلى جنب مع إنشاء المساجد الجديدة في مختلف مناطق الجمهورية، وذلك من أجل العمل على صون التراث الإسلامي، والحفاظ على المساجد والأضرحة ذات القيمة التاريخية، بما يُسهم في إبراز الوجه المشرق للعمارة الإسلامية في مصر.

أحد المساجد بالطراز الإسلامي المميز (رئاسة مجلس الوزراء)

وأضاف، في بيان عقب تفقده أعمال الترميم وإعادة إحياء مسجد المسبح والمنطقة المحيطة به، المواجهة لمنطقة السيدة عائشة بوسط القاهرة، السبت، أن «هذا الحرص يأتي في ضوء الاهتمام بإحياء التراث الإسلامي، والحفاظ على الهوية الحضارية المصرية».

وناقش مدبولي مع وزير الأوقاف ومحافظ القاهرة ضرورة وضع تصور متكامل يظهر القيمة الحضارية والتاريخية لهذه المنطقة؛ لتكتمل مع أعمال مشروع القاهرة التاريخية، مع مراعاة توفير منطقة خدمات متكاملة للمترددين على المنطقة والزائرين لها، وربطها مع شبكة المواصلات المتطورة، على أن يتضمّن هذا التصور الحديقة المقرر إنشاؤها بها.

وتعدّ القاهرة التاريخية من المواقع الأثرية والمقاصد السياحية المهمة في القاهرة، وتضم عواصم مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى العصرين المملوكي والعثماني والأسرة العلوية، ويحيط بها سور أثري هو سور القاهرة التاريخية، وأُدرجت القاهرة التاريخية ضمن قائمة «اليونيسكو» للتراث الإنساني عام 1979.

ترميم وتطوير المنطقة المحيطة بميدان السيدة عائشة (رئاسة مجلس الوزراء)

وأكد وزير الأوقاف، الدكتور أسامة الأزهري، تضافر جهود وزارة الأوقاف مع مؤسسات الدولة للنهوض بالمنطقة الكائن بها مسجد المسبح، وإحياء الوجه الحضاري لها، وفي القلب من ذلك العناية بالآثار المسجلة. وعدّ هذه الزيارة التفقدية لمسجد المسبح والعزم على استكمال ترميمه مع ما حوله من المآذن والقباب الأثرية ضمن جهود إحياء المنطقة ككل، وتقديمها بالشكل الحضاري اللائق بعبقها وتاريخها.

ووفق الأزهري يزيد عمر مسجد المسبح على خمسة قرون، وقد خضع لمرحلتَي ترميم، انتهت الأولى منهما وهي الأضخم؛ وتخللتها أعمال فك المئذنة للترميم وإعادة تركيبها، وتدعيم الأساسات، وفك ومعالجة الأسطح الخشبية لسقف المسجد، وترميم الواجهات الخارجية والأرضيات الحجرية واستبدال التالف منها، وكذلك ترميم الأعمدة الرخامية والمحراب والعناصر الجصية.

أعمال الترميم والتطوير مستمرة في القاهرة التاريخية (رئاسة مجلس الوزراء)

وأكد الوزير أن ذلك يأتي ضمن جهود الترميم الأوسع نطاقاً للمآذن المطلة على ميدان السيدة عائشة، والقباب والشواهد الأثرية في المقابر السلطانية، ومقبرة الإمام جلال الدين السيوطي، والمقابر والشواهد المجاورة أيضاً، بما يحافظ عليها ويعيد إليها رونقها، مع الحفاظ على طابعها التاريخي والأثري، وفق بيان مجلس الوزراء.

وتتمتع القاهرة التاريخية بتنوع وثراء مبانيها الأثرية والتاريخية، سواء كانت مباني دينية مثل الجوامع والمدارس والكنائس والمعابد، أو مباني خدمية مثل الحمامات والأسبلة، أو مباني تجارية مثل الخانات والوكالات والأسواق، أو منشآت حربية مثل قلعة الجبل وأسوار القاهرة، أو مباني جنائزية مثل الأضرحة.

Your Premium trial has ended


الديوهات الغنائية العربية تفرض حضورها في موسم الصيف

ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)
ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)
TT

الديوهات الغنائية العربية تفرض حضورها في موسم الصيف

ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)
ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

فرضت الديوهات الغنائية نفسها بقوة على خريطة الغناء العربي مع انطلاق موسم صيف 2026، بعدما شهد الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) الجاري وحده طرح نحو ستة أعمال مشتركة جمعت نجوماً من مختلف أنحاء الوطن العربي، في ظاهرة تعكس اتجاهاً متزايداً لدى المطربين للتعاون فيما بينهم بهدف تقديم تجارب موسيقية متنوعة، والوصول إلى شرائح جماهيرية أوسع.

وجاءت البداية مع أغنية «بحرية»، إحدى أغنيات ألبوم الفنان محمد حماقي الجديد «سمعوني»، والتي جمعته للمرة الأولى بالفنانة شيرين عبد الوهاب في ديو غنائي أثار جدلاً واسعاً منذ اللحظات الأولى لطرحه. ورغم الانتقادات التي تعرض لها العمل، فقد نجح في تصدر قائمة الأغنيات الأكثر استماعاً في مصر عبر منصة «يوتيوب» خلال الأيام الماضية، ليؤكد أن الجدل لم يمنع الجمهور من التفاعل معه.

وكشف الشاعر والملحن عزيز الشافعي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، كواليس الأغنية، موضحاً أنها كانت في الأصل مخصصة لمحمد حماقي ضمن ألبومه الجديد، قبل أن تبرز فكرة مشاركة شيرين عبد الوهاب في تقديمها كثنائي غنائي، وهو الاقتراح الذي وافق عليه حماقي فوراً، بهدف تقديم عمل خفيف ومختلف، ويحمل روحاً جديدة.

ديو الشاب خالد وجانا عمرو دياب (إنستغرام)

كما حقق ديو «القمر ديالي»، الذي يجمع الفنان اللبناني محمد فضل شاكر بالفنان المغربي سعد لمجرد، نجاحاً لافتاً منذ طرحه، بعدما تصدر قوائم الاستماع على عدد من المنصات الرقمية. ويعد العمل أول تعاون بين النجمين باللهجة المصرية، وهو من كلمات وألحان جمانة جمال، وتوزيع حسام الصعبي، فيما جرى تصويره في العاصمة الفرنسية باريس تحت إدارة المخرج المغربي أمير الرواني.

وأكد محمد فضل شاكر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الكيمياء الفنية التي جمعته بسعد لمجرد لعبت دوراً كبيراً في نجاح الأغنية، مشيراً إلى أن العمل قدم بإحساس صادق انعكس بوضوح على النتيجة النهائية.

وأضاف أن الأغنية شهدت تعديلات موسيقية عدة، تم خلالها المزج بين الإيقاع الحيوي والطابع الرومانسي، ما منحها هوية فنية مختلفة، مؤكداً إعجابه الكبير بإحساس سعد لمجرد، وأسلوبه في الأداء، قائلاً إنهما نجحا في الالتقاء عند نقطة فنية مشتركة أثمرت عن تجربة مميزة.

وفي مفاجأة فنية أخرى، اجتمع للمرة الأولى الفنان الجزائري الشاب خالد مع الفنانة الشابة جانا عمرو دياب في ديو غنائي جديد، بعد مرور نحو 27 عاماً على التعاون الذي جمع الشاب خالد بوالدها النجم عمرو دياب في أغنية «قلبي» ضمن ألبوم «قمرين» عام 1999.

ويتميز العمل الجديد بمزج ثلاث لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية، في محاولة للوصول إلى جمهور عربي وعالمي، حيث تدور فكرته حول الأمل، والمستقبل، والتمسك بالحب والذكريات رغم مرور الزمن من خلال إعلان دعائي لصالح أحد المنتجعات السياحية المصرية.

وشهد الموسم أيضاً تعاوناً جديداً جمع الفنان المصري تووليت بالفنان الفلسطيني سانت ليفانت في أغنية «نانو»، في تجربة تمزج بين الأساليب الموسيقية الحديثة والإيقاعات الشبابية.

وعلى صعيد الأغنية الخليجية، اجتمعت الفنانة السعودية داليا مبارك مع الفنان العراقي محمود التركي في ديو «شنو شنو»، وهو العمل الذي حمل توقيع الشاعر محمد الواصف، وألحان محمود التركي، وتوزيع عثمان عبود، وإشراف محمد درويش الزرعوني، فيما تولى إخراج الكليب المخرج بسام الترك.

وكشف بسام الترك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن التحضير للعمل استغرق أكثر من 15 يوماً للوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة، موضحاً أنه حرص على تقديم رؤية بصرية عالمية من خلال تصوير سينمائي باستخدام كاميرا «أليكسا»، مع فريق متخصص في الصورة والمونتاج وتصحيح الألوان.

وأضاف أن داليا مبارك تمتلك شخصية فنية متفردة، والكاميرا تعشق حضورها، فيما أبدى إعجابه بمحمود التركي في أول تعاون يجمعهما، مؤكداً أن النتيجة جاءت بإيقاع إيجابي، وروح شبابية قادرة على جذب مختلف فئات الجمهور.

كما شهد شهر يونيو طرح ديو «عايش لعيونك» الذي جمع الفنان السوري الشامي بالفنانة اللبنانية لين الحايك، وهو من كلمات الشامي وفادي مرجان، وألحان الشامي وأنس كريم.

وقالت لين الحايك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه التجربة تمثل محطة مهمة في مسيرتها الفنية، لأنها خاضت من خلالها لوناً غنائياً مختلفاً، واعتمدت لهجة جديدة، ما منحها فرصة للخروج من الإطار التقليدي الذي اعتاد عليه الجمهور، واستكشاف إمكانات فنية جديدة».

ديو محمود التركي وداليا مبارك ومعهما المخرج بسام الترك (إنستغرام)

ورغم الزخم الكبير الذي شهدته ساحة الديوهات الغنائية مع بداية الموسم الصيفي، يرى الناقد الموسيقي فوزي إبراهيم أن «معظم هذه الأعمال جاءت دون مستوى التوقعات»، مؤكداً أن «الأغنيات لم تحقق النجاح الاستثنائي الذي كان ينتظره الجمهور، خصوصاً ديو شيرين عبد الوهاب ومحمد حماقي الذي اعتبره كثيرون أقل من سقف التطلعات المرتفع الذي سبق طرحه».

وأضاف إبراهيم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «ظاهرة الديوهات أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة لتبادل الجماهير بين المطربين، بهدف توسيع قاعدة المستمعين لكل فنان، دون الالتفات بالقدر الكافي إلى القيمة الفنية للديو، أو الفكرة الإبداعية التي يقوم عليها»، مشيراً إلى أن «نجاح أي تعاون غنائي يظل مرهوناً بوجود رؤية فنية حقيقية تتجاوز الحسابات التسويقية».