«بريتبارت»... صعد مع ترمب ويدّعي «حمايته»

بانون يواصل معاركه السياسية عبره بعد مغادرته البيت الأبيض

ستيف بانون المدير التنفيذي الحالي لموقع «بريتبارت» خلال حفل تنصيب الرئيس دونالد ترمب في 20 يناير الماضي (أ.ف.ب) - عدد أمس لموقع «الصحافة الكبيرة» التابع لـ«بريتبارت»   («الشرق الأوسط»)
ستيف بانون المدير التنفيذي الحالي لموقع «بريتبارت» خلال حفل تنصيب الرئيس دونالد ترمب في 20 يناير الماضي (أ.ف.ب) - عدد أمس لموقع «الصحافة الكبيرة» التابع لـ«بريتبارت» («الشرق الأوسط»)
TT

«بريتبارت»... صعد مع ترمب ويدّعي «حمايته»

ستيف بانون المدير التنفيذي الحالي لموقع «بريتبارت» خلال حفل تنصيب الرئيس دونالد ترمب في 20 يناير الماضي (أ.ف.ب) - عدد أمس لموقع «الصحافة الكبيرة» التابع لـ«بريتبارت»   («الشرق الأوسط»)
ستيف بانون المدير التنفيذي الحالي لموقع «بريتبارت» خلال حفل تنصيب الرئيس دونالد ترمب في 20 يناير الماضي (أ.ف.ب) - عدد أمس لموقع «الصحافة الكبيرة» التابع لـ«بريتبارت» («الشرق الأوسط»)

جرت العادة أن يستثمر رجال الأعمال ومجموعات الضغط في صحف ومواقع وقنوات إخبارية للدفع بمصالحهم، سواء كانت سياسية أو تجارية. لكنه من النادر أن تنجح وسائل الإعلام في اقتحام الدوائر السياسية، ناهيك عن أقوى إدارة في العالم. ذلك ما نجحت شبكة «بريتبارت» الإعلامية في تحقيقه خلال فترة قصيرة نسبيا، بعد أن كانت منبوذة من طرف جزء كبير من النخبة السياسية في واشنطن لآرائها التي وُصفت بالمحرّضة على العنف والتفرقة. وتبوّأ ستيف بانون، الرئيس التنفيذي للموقع الإخباري، منصب مدير حملة دونالد ترمب الانتخابية، قبل أن يتسلم منصب كبير استراتيجيي البيت الأبيض لفترة لم تتجاوز 8 أشهر. وألهم بانون الكثير من شعارات ترمب الانتخابية وساهم في تحديد أولوياته الرئاسية، وهي الأولويات نفسها التي تبناها «بريتبارت» ودفع بها.
وبينما لا يتمتّع الموقع الإخباري اليميني بالشهرة، ولا المصداقية، التي تحظى بها وسائل إعلام أميركية أخرى مثل صحف «نيويورك تايمز» أو «واشنطن بوست» أو حتى موقع «بازفيد»، إلا أنه أصبح الموقع اليميني المحافظ الأكثر شعبية بعد تولي دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة الأميركية.
فما هو «بريتبارت»، وهل أصبح فعلا مقياسا لتوجهات الإدارة الأميركية؟ وهل يمكن اعتباره لسان البيت الأبيض غير الرسمي؟

فكرة إسرائيلية ونشأة أميركية
قرر أندرو بريتبارت، وهو إعلامي أميركي يميني اشتغل لصالح رواد المواقع الإخبارية مثل أريانا هافينغتون ومات درودج واشتهر بمساهماته الصحافية في صحيفة «واشنطن تايمز» وموقع «درودج ريبورت» وبآرائه النقدية للإعلام التقليدي، عام 2007 إنشاء شبكة إخبارية إلكترونية خاصة به.
وروى لاري سولوف، محامي أندرو والشريك المؤسس لموقع بريتبارت، في مقال رأي نشره عام 2015 أنه رافق أندرو في رحلة صحافية إلى إسرائيل عام 2007، وفاجأه الأخير ذات ليلة في القدس بفكرة إنشاء شبكة إعلامية «تدعم الحرية وإسرائيل».
وقال سولوف: «طلب مني (أندرو) الانسحاب من شركة المحاماة التي كنت شريكا بها والتي تعدّ 800 موظف، لأشارك معه في مشروع إعلامي». وتابع: «ربما كان ذلك تحت تأثير المكان التاريخي الذي كنا نوجد به، لكنني وافقت»، على حد تعبيره. وأضاف: «أتذكر أننا ناقشنا في تلك الليلة رغبتنا في إنشاء موقع يؤيد الحرية ويؤيد إسرائيل».
وأطلق أندرو بريتبارت، الذي أدرك أهمية الإعلام الرقمي، في البداية موقعا يقدم خدمة إخبارية عبر انتقاء وتجميع قصص صحافية من الوكالات وقنوات مثل «فوكس نيوز» وإعادة نشرها، قبل أن ينشئ في 2008 و2009 و2010 ثلاثة موقع إخبارية مرتبطة بالموقع الأم، لُقّبت بـ«الكبار الثلاثة»، هي «هوليود الكبير» و«الحكومة الكبيرة» و«الصحافة الكبيرة». وعكست هذه المواقع السياسة التحريرية لأندرو بريتبارت وشركائه، مع انضمام محررين وصحافيين يحملون توجهات سياسية معادية لليسار واليمين المعتدل والإعلام التقليدي.
اشتهر بريتبارت في 2010 و2011 بسلسلة من القصص الكاذبة، التي اعتمدت في حالات عديدة على تلاعب بمقاطع فيديو. واشتهر منها مقطع لمسؤولة في وزارة الزراعة الأميركية، تدعى شيرلي شيرود، تدلي بتصريحات عنصرية، ما أدى إلى طردها من الوزارة. وتبين بعد ذلك أنه تم التلاعب بالفيديو، وأنها كانت في الحقيقة تنتقد التصريحات العنصرية.
في المقابل، استعاد الموقع بعضا من ثقة قراءه، بعد أن فجّر فضيحة في عام 2011 حول النائب الديمقراطي عن نيويورك، أنثوني وينر، الذي استخدم موقع «تويتر» لإرسال صورة خادشة للحياء لسيدة في العشرينات من عمرها، ما دفعه إلى الاستقالة في 23 من يونيو (حزيران).

«هافينغتون بوست اليمين»
تحت إشراف مؤسسه، اكتسب بريتبارت مكانة بارزة في الإعلام الأميركي عبر نشره سلسلة من القصص والفضائح حول سياسيين ليبراليين وبيروقراطيين ومنظمات، كما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز». وأصبح الموقع منبوذا من طرف الديمقراطيين والوسطيين وبعض الجمهوريين الذين اعتبروا أنه يحرض على الانقسام السياسي والكراهية ويروج لقصص صحافية مضللة. في المقابل، يجد فيه قراؤه اليمينيون منصّة لمواجهة الإعلام التقليدي والليبرالي.
وسلط الضوء على بريتبارت بشكل أكبر مع التحاق المصرفي ستيف بانون بفريقه، وتصريحه بأنه سيجعل الموقع الإخباري «هافينغتون بوست» اليمين. ولم يبرز ستيف بانون، الذي يربط اسمه اليوم بالموقع الإخباري المثير للجدل، ضمن الفريق الإعلامي إلا بعد وفاة أندرو بريتبارت عام 2012 بسكتة قلبية. واصل بانون مشروع أندرو بإطلاق موقع محدث وشامل للثلاثة الكبار تحت اسم واحد. وعمل على توسيع فريق بريتبارت، وافتتح في 2014 مكتبا جديدا على رأس كل 90 يوما، وأصبح للموقع مكاتب بتيكساس وفلوريدا وكاليفورنيا ولندن والقدس والقاهرة.

بانون أو عرّاب «بريتبارت»
بدأ بانون مطلع الثمانينات خدمته ضابطاً في البحرية، وقضى 4 سنوات بصفة مهندس مساعد على متن مدمرة، ثم أصبح المساعد الخاص لقائد العمليات البحرية في وزارة الدفاع بالتزامن مع دراسته في جامعة جورج تاون، للحصول على شهادة في دراسات الأمن القومي. في الثمانينات، ونتيجة إعجابه الشخصي المتزايد بالرئيس رونالد ريغان، توجه بانون لدراسة إدارة الأعمال في جامعة هارفارد، وانتقل منها إلى مصرف «غولدمان ساكس»، أشهر المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة، قبل أن يغادره ويؤسس مصرفاً صغيراً للاستثمارات، حمل اسم «بانون وشركاه». واستحوذ على المصرف بنك «سوسيتيه جنرال» في عام 1998.
وغير بانون مسيرته المهنية بعد ذلك، وقرر الاستثمار في مجال الإعلام، متجهاً ناحية هوليوود. وسرعان ما أنتج وثائقيا يحمل اسم «في مواجهة الشر»، لتوثيق الأحداث السياسية التي شهدتها الولايات المتحدة تحت قيادة ريغان. وأنتج بعد ذلك أفلاما أخرى تعكس اهتماماته السياسية اليمينية، وشملت «حزب الشاي»، والسياسية المثيرة للجدل سارة بالين، وغيرها.
التقى بانون بأندرو بريتبارت في عام 2004، وتبلورت فكرة إنشاء «بريتبارت»، لكن بانون لم يتحمل مسؤولية الموقع إلا بعد رحيل مؤسسه. أدار بانون فريق عمل الموقع، الذي تحول إلى منبر لحركة «حزب الشاي» في نظر الكثيرين، خاصة عقب فوز باراك أوباما بولايته الأولى. وفيما نجح بانون في تطوير بريتبارت، إلا أن الكثيرين من فريق أندرو انتقدوا الرئيس التنفيذي الجديد، واعتبروا أنه ابتعد عن «إرث المؤسس». وقال بين شابيرو، صديق أندرو وأحد كبار المحررين بالموقع، إن «المؤسس (أندرو) كان يهدف لمواجهة المتنمرين في السياسة. وأنشأ موقع (بريتبارت) لمحاربتهم». وقدم شابيرو استقالته من هيئة تحرير الموقع، معترضا على التوجه الذي فرضه بانون على الموقع.

حماية الرئيس من «أعدائه»
أثارت عودة كبير مستشاري البيت الأبيض إلى حضن المؤسسة الإعلامية اليمينية جدلا واسعا في الساحتين الإعلامية والسياسية. وفيما عبّر سياسيون عن مخاوفهم من تداعيات التحاق بانون الذي شارك في اجتماعات بالغة السرية خلال عمله في البيت الأبيض بـ«بريتبارت»، رأى آخرون في ذلك فرصة لجس نبض اهتمامات الرئيس ترمب.
فبعد ساعات من مغادرته منصب كبير المستشارين في البيت الأبيض منتصف الشهر الماضي، التحق بانون باجتماع تحرير في موقع «بريتبارت» وأكّد في تصريح صحافي نادر أنه «سيحارب، مع الرئيس ترمب، أعداه»، في إشارة إلى «الإعلام الكاذب».
ويرى الكثيرون أن «بريتبارت» تقود الحروب الإعلامية التي لا يستطيع الرئيس الحالي قيادتها، حتى إنه يهاجم أحيانا المقربين من ترمب لتوجهاتهم «الغامضة» باعتباره. وقبل فترة قصيرة من إقالة بانون من منصبه، شن «بريتبارت» حملة ضد ابنة ترمب إيفانكا، وصهره جاريد كوشنر ولقّبهم بـ«ديمقراطيي» البيت الأبيض. كما هاجم الموقع استراتيجية ترمب في أفغانستان القاضية بتعزيز عدد الجنود الأميركيين بها، إلا أنه سرعان ما عاد لدعم الرئيس في معاركه في الكونغرس المتعلقة بتمويل جدار المكسيك الحدودي وإلغاء واستبدال نظام الرعاية الصحية «أوباماكير».
وفي تصريحات صحافية أذيعت في مقابلة تلفزيونية أمس، أعاد بانون تأكيده أنه سيواصل حماية الرئيس الأميركي من «أعدائه». وركز بانون على قضية الهجرة، في دفاعه عن قرار توجه الرئيس لإلغاء برنامج «الحالمين للمهاجرين الصغار، وهاجم الكنيسة الكاثوليكية واتهمها بدعم الهجرة بدافع «المصلحة الاقتصادية».
وبثت قناة «سي بي إس» مقتطفات من حلقة برنامجها الحواري «60 دقيقة» مع بانون (63 عاما)، الذي وصف نفسه بأنه «محارب شارع (...) أنا محارب، لذلك أنا ودونالد ترمب على اتفاق كبير». وأضاف مصرفي الأعمال السابق: «سأكون سندا له من الخارج على الدوام، لحمايته. هدفنا دعمه، لكي يعي أعداؤه أنه لن يكون هدفا سهلا».
واتخذ مثالا الجدل الذي أثارته تصريحات ترمب بعد أعمال عنف تخللت مظاهرة لليمين المتطرف، قابلها تجمع لمناهضي العنصرية في مدينة شارلوتسفيل وأسفرت عن مقتل امرأة، بعدما وضع اللوم على المعسكرين على قدم المساواة.
وقال بانون: «أنا الوحيد الذي تكلم محاولا الدفاع عنه. عندما يتحالف المرء مع أحدهم، فعليه البقاء إلى جانبه»، مضيفا: «إن كنتم ضعفاء فعليكم بالاستقالة»، في إشارة إلى كبير المستشارين الاقتصاديين لدى ترمب غاري كون، الذي صرح بأن الرئيس كان يمكنه اتخاذ «موقف أفضل» من أحداث شارلوتسفيل. وشدد بانون على إدانة منظمي هذا التجمع، مؤكدا أن «لا مكان في السياسة الأميركية... للنازيين الجدد والكونفدراليين (الجنوب الأميركي أثناء الحرب الأهلية) الجدد وجماعة كو كلوكس كلان» العنصرية، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
كما انتقد ممثلي الكنيسة الكاثوليكية الأميركية التي نددت بإلغاء ترمب لبرنامج «داكا» أو «الحالمين» الذي أقامه سلفه باراك أوباما لحماية نحو 800 ألف مهاجر شاب مهاجر من الترحيل، كانوا قاصرين عندما وفدوا إلى الولايات المتحدة مع أهلهم، ويجيز لهم الدراسة والعمل ولو مؤقتا. وقال إن «سلوك الأساقفة كان فظيعا»، مضيفا أنهم «يحتاجون إلى المهاجرين السريين لملء كنائسهم»، و«لديهم مصلحة اقتصادية في هجرة مفتوحة، هجرة غير مشروعة مفتوحة». وتابع: «أحترم البابا والكرادلة والأساقفة فيما يتعلق بالديانة، لكننا نتحدث هنا عن سيادة أمة، وفي هذا الموضوع ليسوا إلا أفرادا لديهم آراء».

حليف «مشروط» للبيت الأبيض
قفزت نسبة قراء «بريتبارت» من 2.9 مليون زائر في 2012 إلى 17 مليونا في 2016، وفق إحصائيات نشرتها صحيفة «واشنطن بوست»، ليصبح بذلك أكثر موقع محافظ أميركي قراءة. ويمكن إرجاع هذا الارتفاع الهائل في الزيارات إلى تميّز الموقع بمقابلات حصرية مع المرشح الجمهوري، آنذاك، دونالد ترمب، ومشاركاته المتكررة في برنامج ستيف بانون.
وبينما كسب الموقع الإخباري قاعدة قراء جديدة، إلا أنه واجه سيلا من الانتقادات اعتبرته «ناديا يتجمع فيه معجبو ترمب، على حد تعبير هيئة الإذاعة البريطانية، وابتعاده عن أسباب إنشائه. وهو ما أشار إليه شابيرو في انتقاد آخر لقيادة بانون، وكتب في مقال رأي نشره في موقع «ديلي واير» في أغسطس (آب) من العام الماضي أن «بريتبارت أصبح موقع ترمب الشخصي»، لافتا إلى أنه قرر الاستقالة في مارس (آذار) 2016 بعد أن أصبح واضحا أن ولاء «بريتبارت» لترمب يفوق ولاءه لموظفيه.
ورد رئيس تحرير «بريتبارت» على هذه الاتهامات في مقابلة مع «نيويورك تايمز»، قال فيها: «ولاؤنا ليس لدونالد ترمب، ولاؤنا لقرائنا وقيمنا». وتابع: «إذا تراجع ترمب عن القيم والوعود التي قطعها للناخبين والتي أدّت إلى فوزه بالانتخابات الرئاسية، فإننا سنصبح من أشد منتقديه».


مقالات ذات صلة

تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

العالم العربي تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

أظهر التقرير السنوي لحرية الصحافة لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، اليوم الأربعاء، أن تونس والسنغال كانتا من بين الدول التي تراجعت في الترتيب، في حين بقيت النرويج في الصدارة، وحلّت كوريا الشمالية في المركز الأخير. وتقدّمت فرنسا من المركز 26 إلى المركز 24.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم غوتيريش يندد باستهداف الصحافيين والهجوم على حرية الصحافة

غوتيريش يندد باستهداف الصحافيين والهجوم على حرية الصحافة

ندّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم (الثلاثاء)، باستهداف الصحافيين، مشيراً إلى أنّ «حرية الصحافة تتعرّض للهجوم في جميع أنحاء العالم». وقال في رسالة عبر الفيديو بُثّت عشية الذكرى الثلاثين لـ«اليوم العالمي لحرية الصحافة»، إن «كلّ حرياتنا تعتمد على حرية الصحافة... حرية الصحافة هي شريان الحياة لحقوق الإنسان»، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية. وأضاف أن «حرية الصحافة تتعرّض للهجوم في جميع أنحاء العالم»، مشيراً إلى أنّه «يتمّ استهداف الصحافيين والعاملين في الإعلام بشكل مباشر عبر الإنترنت وخارجه، خلال قيامهم بعملهم الحيوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم صحافي ليبرالي في الصين يواجه تهمة «التجسس»

صحافي ليبرالي في الصين يواجه تهمة «التجسس»

ذكرت جمعية تعنى بالدفاع عن وسائل الإعلام أن تهمة التجسس وجهت رسمياً لصحافي صيني ليبرالي معتقل منذ عام 2022، في أحدث مثال على تراجع حرية الصحافة في الصين في السنوات الأخيرة، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية». كان دونغ يويو، البالغ 61 عاماً والمعروف بصراحته، يكتب افتتاحيات في صحيفة «كلارتي» المحافظة (غوانغمينغ ريباو) التي يملكها الحزب الشيوعي الحاكم. وقد أوقف في فبراير (شباط) 2022 أثناء تناوله الغداء في بكين مع دبلوماسي ياباني، وفق بيان نشرته عائلته الاثنين، اطلعت عليه لجنة حماية الصحافيين ومقرها في الولايات المتحدة. وقالت وزارة الخارجية اليابانية العام الماضي إنه أفرج عن الدبلوماسي بعد استجو

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم العربي المغرب: أربعة من وزراء الإعلام السابقين يرفضون لجنة مؤقتة لمجلس الصحافة

المغرب: أربعة من وزراء الإعلام السابقين يرفضون لجنة مؤقتة لمجلس الصحافة

بدا لافتاً خروج أربعة وزراء اتصال (إعلام) مغاربة سابقين ينتمون إلى أحزاب سياسية مختلفة عن صمتهم، معبرين عن رفضهم مشروع قانون صادقت عليه الحكومة المغربية الأسبوع الماضي، لإنشاء لجنة مؤقتة لمدة سنتين لتسيير «المجلس الوطني للصحافة» وممارسة اختصاصاته بعد انتهاء ولاية المجلس وتعذر إجراء انتخابات لاختيار أعضاء جدد فيه. الوزراء الأربعة الذين سبق لهم أن تولوا حقيبة الاتصال هم: محمد نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب «التقدم والاشتراكية» المعارض، ومصطفى الخلفي، عضو الأمانة العامة لحزب «العدالة والتنمية» المعارض أيضاً، والحسن عبيابة، المنتمي لحزب «الاتحاد الدستوري» (معارضة برلمانية)، ومحمد الأعرج، عضو

«الشرق الأوسط» (الرباط)
المشرق العربي «الجامعة العربية» تنتقد «التضييق» على الإعلام الفلسطيني

«الجامعة العربية» تنتقد «التضييق» على الإعلام الفلسطيني

انتقدت جامعة الدول العربية ما وصفته بـ«التضييق» على الإعلام الفلسطيني. وقالت في إفادة رسمية اليوم (الأربعاء)، احتفالاً بـ«يوم الإعلام العربي»، إن هذه الممارسات من شأنها أن «تشوّه وتحجب الحقائق». تأتي هذه التصريحات في ظل شكوى متكررة من «تقييد» المنشورات الخاصة بالأحداث في فلسطين على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما في فترات الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».