لماذا ينتصر الضعيف على القوي؟

الكاتب والصحافي مالكولم غلادويل يمنح معنى مختلفا لقصة «ديفيد وغولايث»

لماذا ينتصر الضعيف على القوي؟
TT

لماذا ينتصر الضعيف على القوي؟

لماذا ينتصر الضعيف على القوي؟

يندفع الراعي ديفيد (داود) باتجاه المقاتل الضخم غولايث (جالوت). بخفة وسرعة يقذف ديفيد الحجر الذي أصاب المقاتل في مقدمة الرأس. يسقط غولايث بعد أن أصيب بالدوار. قبل أن يستوعب ما حدث له ينقض عليه الراعي الصغير. يسحب منه سيفه بسرعة ويجز رأسه ويعلن انتصاره. هذه باختصار تفاصيل القصة الدينية الشهيرة التي تحمل رمزية واضحة: انتصار الضعفاء على الأقوياء.. انتصار العدل حتى لو كان ضعيفا على الظلم حتى لو كان قويا.
لكن الصحافي والكاتب الشهير مالكولم غلادويل يرى في كتابه الصادر حديثا الذي يحمل عنوان «ديفيد وغولايث» القصة من زاوية مختلفة. ديفيد لم يكن ضعيفا تماما كما نتصور، وغولايث لم يكن قويا بتلك الصورة التي نتخيل. مع وجود العون الإلهي، فإن الراعي الشاب استغل أيضا نقاط ضعفه وحولها إلى قوة. أولا، اختار نمطا جديدا للمقاتلة يعتمد على المباغتة، والذي يختلف عن الطريقة التقليدية الشائعة وهي تشابك الخصمين. كان يدرك أن تشابكه مع ذلك المقاتل الضخم يعني موته المحتم. هذا هو الخطأ الذي وقع فيه غولايث الذي توقع المعتاد فأصيب بالمفاجأة. ثانيا ديفيد رفض أن يرتدي الخوذة والدروع النحاسية التي كانت ستعوق وتثقل حركته، لأنه فكر باستراتيجية مختلفة تماما. ثالثا ديفيد كان ماهرا في استخدام المقلاع الذي جعل منه سلاحا فتاكا ومميتا. غولايث بدوره كان تقليديا لكنه أيضا كان يعاني من ثقل في الحركة واضطراب في الرؤية. لهذا عندما رأى ديفيد ظن مخطئا أنه يحمل سيفا.
هدف الكاتب من رؤيته الجديدة والمختلفة للقصة رمزي أيضا: الضعفاء ينتصرون على الأقوياء إذا عرفوا كيف يستغلون نقاط ضعفهم. «الأقوياء» لا تعني فقط الخصوم في المعركة، بل الظروف القاهرة والمشاكل الصحية، والمستويات المادية المتدنية، والفصول الدراسية المزدحمة، وغيرها. كل هذه الحالات التي ربما نراها كعقبات أمام نجاحنا ربما تكون أحد مصادر قوتنا التي لا ندركها لأول وهلة.
بأسلوبه الصحافي المشوق يسرد العديد من القصص التي تؤكد مرة بعد أخرى على وجاهة فكرته. في ما يخص عالم المال، يذكر قصة أحد أشهر رجال الأعمال الناجحين في هوليوود، الذي دفعته ظروفه الصعبة في الطفولة إلى إلهابه بالطموح لتكوين ثروة هائلة. عندما كان صغيرا كان أباه يأتي بفواتير الكهرباء مرتفعة الثمن ويهزها أمام وجهه قائلا له «عندما تخرج من البيت تترك نور غرفتك شغالا، نحن ندفع الآن ثمن كسلك!». في مرة أخرى دعاه الأب للعمل معه في مهنته الشاقة التي تتطلب جهدا بدنيا كبيرا. العمل كان مرهقا ومتعبا ومقرفا. يقول عنه «كرهته جدا.. لكن أبي تعمد أن يجعلني أعيش هذه التجربة القاسية لأنه لا يريدني أن أعيش هكذا طيلة عمري». هذه الظروف الصعبة والحالة الفقيرة، تحولت من مانع إلى دافع. زرعت في الطفل الصغير الرغبة الجامحة في النجاح المادي مهما كان الثمن. قام بالمتاجرة في عمر صغير جدا. استمرت معه هذه العزيمة طوال عمره ودفعته ليكون أكثر الرجال ثراء. ولكن بعد ذلك وقعت المعضلة وهي: هو عاجز تماما عن خلق هذا الحافز داخل أولاده الذين يدركون أن أباهم يملك ثروة طائلة، لهذا لا يملكون الطموح ولا العزيمة ولا الصبر الذي يملكه هو. يقول «لا يمكنني أن أفعل كأبي وأهز فواتير الكهرباء أمام وجوههم. هذا غير منطقي إذا كانوا يرون سيارات الـ(لامبورغيني) مركونة في الجراج!». من هنا يلمس الكاتب بذكاء فكرته الرئيسة. هو الضعيف الذي قهر الظروف الأقوى منه، وأولاده الأقوياء الذين ستخنقهم الظروف المريحة. تنطبق هذه الفكرة على أولاد المهاجرين. الآباء يعملون بكد ويحققون ثروة كبيرة، والأولاد يصابون بالدلع والكسل ويبرعون في شيء واحد فقط وهو: تبديد هذه الثروة!
الكثيرون يعتقدون أن قلة عدد الطلاب في الفصل الدراسي أفضل من الفصول المزدحمة قليلا. يقول الكاتب إن هذه القناعة التي صدقها الآباء لدرجة الهوس غير صحيحة. الفصول التي تضم عددا قليلا من الطلاب لا تختلف عن الفصول المكتظة التي فيها 40 طالبا أو أكثر. أفضل الفصول هي التي تضم تقريبا 20 طالبا، أقل قليلا أو أكثر قليلا. لكن لماذا؟! في الفصول المكتظة لا يمنح المعلم الطالب الاهتمام الكافي، ولكن في الفصول الصغيرة يجد المعلم والمعلمة صعوبة أيضا في تقسيم الطلاب إلى مجموعات مختلفة كل مرة، وتضعف القدرة على البدء بحوارات علمية وثقافية تنعش مخيلة الطلاب الصغار، والسبب كما يقول أحد المعلمين «في الفصول الصغيرة يتصرف الطلاب كالأشقاء في المقعد الخلفي من مؤخرة السيارة. ببساطة، ليس هناك أي طريقة لتبعد الأولاد المشاكسين عن بعضهم». معلم آخر يقول إنه كان لديه فصل بتسعة طلاب فقط وكان ذلك أشبه بالكابوس. الحوارات لا تنتعش بسهولة في المجموعة الصغيرة من الطلاب، ومن الصعوبة القيام بألعاب بهدف التدرب على الكلمات والقواعد. كل هذا لا تجده في الفصول متوسطة العدد، فمن السهل تكوين مجموعات، والنقاشات تقدح بسرعة. وهناك سبب آخر مهم وهو أنه في الفصل متوسط العدد من المهم أن يعيش الطالب بين مجموعة من الطلاب لديهم نفس المعاناة والقلق من المواد الدراسية، لأن ذلك سيبعده عن الإحساس بالعزلة. أضف إلى ذلك أن عددا كبيرا من الطلاب سيطرحون باستمرار الأسئلة نفسها التي يواجه هو نفسه مشاكل معها، مما سيساعده في تحصيله العلمي. يستطيع الطالب في الفصل متوسط العدد - الضعيف في هذه الحالة - أن يتعلم أكثر من الفصل منخفض العدد - القوي في هذه الحالة - الذي ربما يضر الطلاب ويعزلهم أكثر مما ينفعهم.
لكن ماذا عن البعض ممن لديهم حالات صحية تعوقهم عن النجاح؟ يقول المؤلف إن هذا الوضع الضعيف قد يكون السبب الرئيس لنجاحهم وتفوقهم. يسمي العلماء هذه الحالة بـ«الصعوبات المرغوبة». ماذا يعني هذا؟ العديد من القصص تشرح ذلك. في واحدة من هذه القصص كان هناك شاب يعاني من عسر القراءة. المصابون بعسر القراءة ينسون أول الجملة إذا وصلوا لنهايتها، لذا فإن استيعاب ما يقرأون مسألة شديدة الصعوبة. قرر هذا الشاب بعد نهاية الدراسة الثانوية أن يشتغل كعامل بناء، ولكن بعد أن قدم ابنه الأول قرر أن عليه أن يلتحق بالتعليم العالي ليصبح محاميا ويكسب المزيد من المال لدعم عائلته. لكن كيف يمكنه أن ينجح في مواده الدراسية وهو عاجز تماما عن قراءتها؟ لم يكن أمامه إلا استراتيجية واحدة وهي أن يطور بقدر ما يستطيع مهارة السمع والقدرة على التذكر. بينما كان زملاؤه في الفصل الدراسي مشغولين بتسجيل بعض النقاط المهمة التي يضيع منهم بعضها بسبب انشغالهم في الكتابة، كان هو يستمع بإنصات شديد ويحاول بقدر ما يستطيع الاستيعاب. قبل الاختبارات كان يجلس مع أحد زملائه الذي يسرد له أبرز النقاط المتوقعة في الاختبار، بينما يكون هو غارقا في حالة من الصمت والاستماع المركز. نجحت استراتيجيته واستطاع أن يتجاوز الدراسة ويصبح اليوم أحد أشهر وأنجح المحامين المختصين في الدعاوى القضائية. قدرة الاستماع المذهلة والذاكرة الفولاذية التي طورها في دراسته ساعدتاه في نقاشاته مع المحامين الآخرين وفي استنطاق الشهود واقتناص الاعترافات. عسر القراءة تحول إلى الصعوبة المرغوبة التي دفعته ليضغط على نفسه ويخرج بحل ناجح لمشكلته.
شاب آخر كانت لديه المعضلة نفسها. بدل أن يطور القدرة على الاستماع طور القدرة على الإقناع. عقب أغلب الاختبارات التي يأخذ فيها درجة متدنية بسبب عدم قدرته على القراءة، يذهب ليجتمع مع الأساتذة محاولا إقناعهم بوجهة نظره وصوابية إجاباته. مع الوقت تطورت مهارة الإقناع لديه بشكل لافت واستطاع بعد جدل طويل مع الأساتذة أن يغير غالبية درجاته. الـF يحولها إلى D، والـD إلى C، والـC يحولها إلى B، وهكذا. هذه القدرة الفائقة على الجدل والإقناع ساعدته ليس في التخرج في الجامعة فقط ولكن جعلته اليوم واحدا من أكبر المنتجين في هوليوود. ذكرتني ملكة التفاوض والإقناع عند هذا الرجل بقدرة كبار وكبيرات السن في السعودية (على الأرجح هذا موجود في بلدان عديدة) على التفاوض وكسر الأسعار عندما يتعلق الأمر بالبيع والشراء. لا يظهرون أي ضعف عاطفي نحو السلعة التي يرغبون في شرائها حتى لا يستغله البائع كورقة للضغط عليهم، بل يتركونه في حالة جهل تام بنواياهم. لديهم قدرة كبيرة على التفاوض والأخذ والعطاء وكسر الأسعار والخروج بأفضل الصفقات. أعصابهم فولاذية، والنقاش يمكن أن يستمر لوقت طويل حتى لو كان الخلاف على ربع أو نصف ريال سعودي. لكن المسألة لا تتعلق بحجم بالمال ولكن بحق التفاوض والجدل نفسه. لكن من أين أتت هذه المهارة والقدرة المثيرة للإعجاب؟ لو طبقنا نظرية الكاتب يمكن أن نخرج بإجابة منطقية بعض الشيء، وهي أن الظروف الحياتية الصعبة التي عاشوها في صغرهم أجبرتهم على اكتساب هذه القدرة كأداة للصراع والبقاء ومن أجل توفير القليل الذي يعني الكثير بالنسبة لهم. مع مرور الوقت، تغلغلت هذه الملكة داخلهم حتى اندمجت في نسيج شخصياتهم. هذا التحليل يفسر لماذا لا يملك أبناؤهم أو أحفادهم القدرة ذاتها. الظروف المعيشية الأفضل لم تجبرهم لاكتساب هذه المهارة الضرورية، فأصبح من السهل على البائعين الجشعين أن يفترسوهم بسهولة.
يسرد الكاتب عددا من الحالات والقصص التي تؤكد مرة أخرى على منطقية فكرته الرئيسة. في الرياضة يذكر المؤلف قصة فريق ضعيف المستوى في كرة السلة تحول لأقوى الفرق بعد أن حول ضعفه لقوة. اختار مدرب الفريق أن يستخدم طريقة كرة القدم للعب السلة. في لعبة كرة السلة يمنح اللاعب المساحة الكبيرة والوقت الكافي حتى يتحرك ويقذف بالكرة، لكن المدرب طلب من اللاعبات أن يلاحقن ويحاصرن أي لاعب يمسك بالكرة، كما يفعل لاعبو كرة القدم، ويضيقن عليه حتى يخطأ في التصويب أو التمرير. نجحت الخطة ونجح الفريق في تخطي فرق أخرى رفيعة المستوى. في الفن يعود الكاتب إلى قصة الرسامين الانطباعيين في باريس في منتصف القرن الثامن عشر الذين رفضت أعمالهم من قبل الصالون الرسمي الذي كان يحدد معايير الفن الجيد والمحترم. بعد نقاشات طويلة في ما بينهم قرروا أن يعلقوا لوحاتهم في مبنى آخر، وبعدها اشتهرت أعمالهم. يقول الكاتب إن هؤلاء الفنانين فشلوا في الانتشار عندما فكروا بطريقة أن يكونوا «أسماكا صغيرة في أحواض كبيرة»، ونجحوا عندما قلبوا المعادلة، أي أصبحوا «أسماكا كبيرة في أحواض صغيرة»، لأنهم لفتوا انتباه الكثير من محبي الفن لأعمالهم المجهولة سابقا. بدا تصرفهم في البداية هزيمة وضعفا، لكنه تحول إلى أقوى مصادر قوتهم.
رسالة الكتاب لمن يعتقد أنه ضعيف وعاجز هي: لا أحد ضعيف إذا عرف كيف ينظر إلى مصادر عجزه ويحولها إلى مصادر قوته. أما الرسالة الموجهة للأقوياء فهي: حذار من القوة فقد تكون الحبل الذي يلتف على رقابكم!

«ديفيد وغولايث»
المؤلف: مالكولم غلادويل



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.