ليبيا... «داعش» ينشط من جديد

غيَّر تكتيكاته واستقدم عناصر من العراق وسوريا

ليبيا... «داعش» ينشط من جديد
TT

ليبيا... «داعش» ينشط من جديد

ليبيا... «داعش» ينشط من جديد

دفعت ضغوط محلية وإقليمية تنظيم داعش، ومعاونيه من الجماعات المتطرفة في ليبيا، إلى تغيير تكتيكاته، حيث نفّذ عملية دموية في «بوابة الفقهاء» ضمن نطاق محافظة الجفرة، في وسط البلاد، يوم الأربعاء الماضي. وبعد هزيمة التنظيم المتطرّف في مدن سرت وبنغازي ودرنة، وعجزه عن تثبيت أقدامه في العاصمة طرابلس، فرَّ عدد كبير من مقاتليه إلى الجنوب الصحراوي الواسع. وتزامن ذلك مع هزائم «داعش» في العراق وسوريا، والعمليات المحمومة لنقل مقاتليه الفارّين - وهم من مئات من جنسيات مختلفة - من هناك إلى ليبيا. ولقد قابلت دول الجوار الليبي هذه التطورات بتشديد إجراءات تأمين الحدود، والوقوف ضد الدول الداعمة للجماعات المسلحة. وبعد أن اتهمت مصر قطر بذلك، قرّرت تشاد، في أحدث تحرّك، قطع علاقتها بالدوحة، للسبب نفسه.
قتل في هجوم الأربعاء الماضي على «بوابة الفقهاء»، نحو عشرة عسكريين من الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر، بيد أن تنظيم داعش، الذي أعلن مسؤوليته عن الحادث، زعم أن عدد القتلى 21.
وعلى كل حال، أثارت الواقعة الدامية ردود فعل غاضبة، محلية وإقليمية ودولية. وجدَّدت القلق بشأن استمرار الانقسام السياسي في هذا البلد الغني بالنفط، والذي يعاني من الفوضى والاقتتال منذ رحيل نظام معمر القذافي في أواخر عام 2011.
ويذكر أن تنظيم داعش ظهر في ليبيا لأول مرة عام 2014، إلا أن القوات التابعة للمشير حفتر، والأخرى التابعة للمجلس الرئاسي الذي يقوده فايز السراج، تمكنت، دون أي تنسيق فيما بينهما، من طرد عناصر التنظيم، والكثير من الجماعات المسلحة التي تعمل على أرضيته ذاتها، من مناطق واسعة من البلاد، منذ أواخر العام الماضي، كان أبرزها في بنغازي وسرت. لكن يبدو أن التنظيم عاد لينشط من جديد بطرق مختلفة، مستغلا حالة الانقسام والنزاع على السلطة بين ثلاث حكومات وقوى أخرى عدة. وتشير التحقيقات التي تجريها السلطات الأمنية الليبية، عن هجوم «داعش» على «بوابة الفقهاء»، إلى وجود آثار لأصابع قيادات متطرفة، من بينها أسماء وردت في لائحتي الإرهاب اللتين أصدرتهما الدول العربية الأربع (المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات والبحرين) خلال الشهرين الماضيين. كذلك، تلفت التحقيقات إلى تشابك العلاقات وتبادل المصالح بين متطرفين ومسلحين من مشارب مختلفة، من بينهم مصريون وتونسيون وجزائريون وأفارقة، إضافة إلى قيادات ليبية متطرفة لها نشاط عابر للحدود.

قُبيل الساعة الرابعة من فجر يوم الأربعاء الماضي، وبعدما استيقظ لأداء الصلاة، لاحظ قيادي محلي في بلدة سوكنة، التابعة لمحافظة الجفرة بجنوب ليبيا، التي تقع في نطاقها «بوابة الفقهاء»، أن شبكة الهاتف المحمول لا تعطي أي إشارة.
هذا أمر يحدث في بعض الأحيان، في مثل هذه المنطقة النائية، وبالتالي، لم يجُل في خاطر الرجل أن غياب الشبكة، هذه المرة، يحمل وراءه خطراً كبيراً. وتقع «الفقهاء»، وهي تجمع سكني صغير يضم عشرات البيوت، قرب وادٍ وجرف صخري، وتكمن أهميتها في كونها محطة للعابرين الذين يفضلون التحرك بعيدا عن الأنظار. وتتقاطع في مساحة تبلغ ألوف الكيلومترات المربعة، شبكة طرق بعضها مرصوف، وبعضها الآخر مجرد دروب ترابية وعرة، وواحات صغيرة فيها ينابيع مياه، وذلك ضمن مسالك كثيرة في عمق صحراء محافظة الجفرة. ويقول الدكتور إسماعيل الشريف، النائب في البرلمان الليبي عن هذه المحافظة، لـ«الشرق الأوسط»: الجفرة هي صُرّة ليبيا. ومنها تستطيع أن تصل إلى مكان في عموم البلاد.
ويوضح مسؤولون في الجيش الليبي أن جماعات مسلحة من «داعش» وغير «داعش»، فرّت إلى الصحراء الليبية الجنوبية، وبخاصة تلك التي تقع بين مدينة سبها، التي تعد بمثابة عاصمة لإقليم فزّان القاحل، وبين سرت شمالا، مرورا بمحافظة الجفرة، وأن هؤلاء المسلحين يحاولون الاستفادة من كبر مساحة المنطقة، واستغلال الموارد الشحيحة التي تساعد على استمرار الحياة، مثل ينابيع المياه الجوفية، والنخيل في واحات صغيرة عدة.
من جانبه، يوضح الدكتور الشريف قائلا إنه «بعد اندحار داعش، أصبح له بقايا تتمركز في بعض الجبال البعيدة، مثل جبل الهروج والمناطق الوعرة، وتتحرك أحيانا على فترات متباعدة، لعمل استيقافات على الطرق»، مشيرا إلى وقوع حوادث في السابق مماثلة لتلك التي جرت فجر الأربعاء الماضي، ومنها مجزرة على طريق الشويرف ضد عناصر من الجيش، وأخرى على بوابة أمنية على طريق بلدتي ودان - سرت. ويضيف: «قبل نحو شهر أو شهرين قام المتطرفون بعملية مفاجئة على الطريق بين منطقتي زلة وودان، وهي إحدى الطرق المؤدية إلى الجفرة».

- رواية رسمية محلية

ووفقا لرواية المسؤول المحلي المشار إليه في بلدة سوكنة، لم تعد شبكة الهواتف المحمولة للعمل إلا بعد الساعة السابعة صباحا. ويضيف «من خلال الاتصالات عرفت أن هناك مذبحة وقعت في الجوار. كانت صدمة. هذا أمر محزن ومؤلم». وبحسب شهادات من مصادر عسكرية ليبية، فقد سبق هجوم الأربعاء الدامي على «بوابة الفقهاء»، رصد لتحركات مريبة من جماعات متطرفة، كان من ضمنها تسيير طائرة المراقبة الصغيرة التي يحترف «داعش» استخدامها لاستطلاع المنطقة.
وتقول انتصار محمد، مسؤولة المكتب الإعلامي لـ«غرفة عمليات سرت الكبرى» التابعة للجيش الليبي لـ«الشرق الأوسط»: إن المنطقة التي وقع فيها الهجوم «شاسعة والعملية كانت عبارة عن هجوم مباغت. نحو 12 سيارة هاجمت البوابة من ثلاثة محاور. يبدو أن العملية كانت مدروسة، ويبدو أيضا أنه جرى تنفيذها بكل دقة».
ولاحظ سكان محليون في المنطقة أن سيارات تابعة لتنظيم «سرايا الدفاع عن بنغازي» كانت من بين عربات الدفع الرباعي التي تخص الجماعات المتطرفة، والتي ظهرت، قبل تنفيذ الحادث بأيام، على الطرق الترابية المبعثرة من سبها إلى سوكنة ومن سمنو إلى «الفقهاء». وتقول انتصار محمد: إن عناصر من «سرايا الدفاع عن بنغازي» كانوا بالفعل يطوفون بسياراتهم في تلك المنطقة.
وتقع «بوابة الفقهاء» شمال شرقي سبها بنحو مائتي كيلومتر، وإلى الجنوب الشرقي من سوكنة بمسافة أقل بقليل. وكان الضباط والجنود في البوابة من النخبة، واجتاز بعضهم دورات متقدمة في العمل العسكري منذ عهد القذافي. ولم يستسلم هؤلاء، وقاموا بالتصدّي للمجموعة المهاجمة في وقت قياسي، رغم التوقيت الذي وقع فيه الحادث. وتمكنوا من الدفاع عن البوابة حتى آخر طلقة.
وحول هذه النقطة، توضح مسؤولة المكتب الإعلامي لـ«غرفة عمليات سرت الكبرى»، قائلة إن «المجموعة العسكرية التي كانت موجودة في بوابة الفقهاء، كانت ذات تدريب غير عادي، والاشتباك مع المهاجمين استمر لأكثر من ساعة. كانت النيران كثيفة، وظلوا يقاومون إلى أن نفدت منهم الذخيرة».
وكان المتحدث باسم الجيش الليبي، العقيد أحمد المسماري، قد قال: إن ضحايا عملية «بوابة الفقهاء» كانوا 11، من بينهم ثلاثة مدنيين، وإن من قام بتنفيذ الهجوم مسلحو تنظيم داعش، وأن الضحايا «قتلوا ذبحا، ووجدت رؤوسهم مفصولة عن أجسادهم». وتقول المصادر العسكرية إن القتلى من منتسبي كتيبة تابعة لـ«غرفة عمليات سرت الكبرى». وصرح أبو بكر نصر، مدير مستشفى العافية، في مدينة هون التابعة للجفرة، أن أغلب الضحايا الذين وصلوا إلى المستشفى قُـتلوا رميًّا بالرصاص، مشيرا إلى وجود آثار حروق على بعض الجثث.
وللعلم، تقع محافظة الجفرة إلى الجنوب من مدينة سرت، وهي المدينة الساحلية التي كان «داعش» قد أسس فيها معقلا له، قبل أن تطرده قوات «البنيان المرصوص» التابعة للسراج، منها، أواخر العام الماضي. كما تقع الجفرة أيضا إلى الجنوب الغربي من الساحل الذي يحوي موانئ التصدير لنحو 60 في المائة من النفط الليبي، حيث تمكن الجيش بقيادة حفتر من طرد ميليشيات مرتبطة بـ«داعش» من تلك المنطقة.

- استغلال الانقسامات

وجاء حادث «بوابة الفقهاء» ليعبر عن استغلال المتطرفين للخلافات السياسية، ولانقسام قوات الجيش الذي كان موحدا في عهد القذافي، ما بين العمل تحت سلطة السراج وسلطة حفتر، أو العمل بشكل منفرد، وفقا لتوجهات قبلية، في بعض الأحيان، وبخاصة في مناطق تقع في الغرب والجنوب. وبعدما دخلت قوات السراج إلى سرت، وقوات حفتر إلى بنغازي والموانئ النفطية، فرّت جماعات من المتشددين إلى المناطق الصحراوية في جنوب البلاد وفي غرب سرت، مع تحركات محمومة لجمع الصفوف وتوزيع من ينجح في الوصول من العراق وسوريا على قوات للمتطرفين في كثير المواقع الهشة أمنيا.
ويقول الدكتور الشريف، إن «الجفرة تعد منطقة مهمة استراتيجياً وعسكرياً، حيث كانت تتمركز فيها حاميات عسكرية للانطلاق لأي بقعة أخرى في ليبيا، والوصول إليها في أسرع وقت». ويشير إلى وجود نطاق للتماس بين كل من قوات «البنيان المرصوص» وقوات الجيش الوطني الليبي، وإنه لهذا السبب تعد هذه المنطقة هشة أمنيا. ويقول أيضا إنه من الشريط الساحلي، وفي الاتجاه ناحية عمق الصحراء جنوبا، ما زالت توجد بعض بقايا الجماعات المتطرفة التي تتحرك فيها، وبعض العصابات كذلك.. «وما حدث يوم الأربعاء عملية دنيئة تم فيها الذبح وحرق السيارات والبوابات».
وتقول انتصار محمد: إن تنظيمي «سرايا الدفاع عن بنغازي»، و«مجلس شورى ثوار بنغازي» اللذين جرى تصنيفهما، مع جماعات وشخصيات أخرى، في لائحة الجماعات الإرهابية المرتبطة بقطر، ما زال لهما تحركات في ليبيا، وهما يعملان على نشر الفوضى. وتضيف مسؤولة المكتب الإعلامي لـ«غرفة عمليات سرت الكبرى» قولها «أعتقد أن قطر لها يد في هذه الفوضى»، لافتة الانتباه إلى أن تحرك تشاد، قبل يومين، بقطعها للعلاقة مع الدوحة، يؤشر إلى وجود حراك قطري في الجنوب الليبي وشمال تشاد... «هناك مجموعات من المعارضة التشادية كانت تمولها قطر».
من جانبه، يوضح الدكتور الشريف أن قطر «دأبت على عدم الاستقرار في ليبيا... ويبقى أن الدور القطري قد ساهم في تفتيت اللحمة الليبية، وساهم في نشاط الكثير من الأعمال التخريبية ومع بعض المنظمات المتطرفة».
ولأسباب تتعلق بنشاط الجماعات المتطرفة في جنوب ليبيا، والمرتبطة بجماعات المعارضة التشادية المسلحة، قامت تشاد بطرد السفير القطري من أراضيها. وأصاب هذا الأمر قيادات متشددة في ليبيا بالاضطراب. وتبادل عدد من هؤلاء القادة الاتهامات حول تسريبات عن نشاط المعارضة التشادية المسلحة، انطلاقا من الأراضي الليبية، وعلاقة كل ذلك بقطر.

- المعارضة التشادية المسلّحة

وكان أبرز ظهور للمعارضة التشادية المسلحة في ليبيا، أثناء اجتياح الجيش لمناطق الجفرة وسبها. ويقول النائب الشريف «نعم... كانت توجد قوات معارضة تشادية، واشتبكت معهم في بلدة ودّان خلال شهر رمضان الماضي. إنهم يتحركون في بعض المناطق الوعرة، وفي بعض المشاريع في الصحراء، بدعم أو موالاة من جانب بعض الجهات المتطرفة، ونحن الآن بصدد تقييم هذا الموضوع. لقد تواصلنا مع كل المؤسسات لمعرفة ما يجري حول هذا الأمر».
ويقول أحد مصادر التحقيقات: إنه تبين أن قيادات شديدة الخطورة، بينهم مصري ينتمي إلى تنظيم «أنصار بيت المقدس»، أشرفت على تنفيذ العملية، وجلبت مقاتلين محترفين من الحدود الليبية التونسية إلى بلدة صبراتة الليبية القريبة من الحدود، وتم توجيه ثمانية منهم إلى نطاق بلدة الجفرة، للانضمام إلى المجموعة التي قامت بالهجوم، مستخدمين قذائف «آر بي جيه» ورشاشات سريعة الطلقات.
وتضيف التحقيقات، أن المصري ويدعى «خ. س.»، كان في مطلع هذا العام يشارك، مع قيادات ليبية وتونسية، من «داعش»، ومن «سرايا الدفاع عن بنغازي» في الحرب ضد الجيش في الموانئ النفطية. وتابعت، أن المصري انتقل، بعد تصدي الجيش للهجوم على الموانئ النفطية، إلى جنوب ليبيا مع القيادي الليبي «أ. ح.»، والمرتبط بـ«داعش» والذي ورد اسمه في لائحة الرباعي العربي عن الشخصيات والكيانات الإرهابية المرتبطة بقطر.
وتابعت التحقيقات، أن المصري كان يقود مجموعة من المنتمين إلى جماعة «أنصار بيت المقدس» ممن فروا من سيناء خلال العامين الماضيين، وعدد من التونسيين من جبل الشعانبي، ثم تجمع عشرات عدة من هؤلاء على تخوم بنغازي، قبل أن يفروا إلى مدينة الخُمس القريبة من طرابلس، ثم إلى الجنوب، حيث توجد مناطق صحراوية شاسعة تشبه القارة الخالية، وتكثر فيها المرتفعات والوديان.
ويشرح ضابط في الجيش «لقد توجه غالبية مقاتلي الجماعات المتطرفة، بغض النظر عن اسم كل مجموعة على حدة، من درنة وبنغازي ومن مدن الشرق، ومن الخُمس إلى الجنوب، حيث يقومون منذ ذلك الوقت باستكشاف المناطق الصالحة للحياة، مثل عيون المياه الجوفية، وخطوط كهرباء الضغط العالي. ويشير الضابط إلى أن الكثير من هذه المجموعات وجدت مقار للإقامة في مناطق ما يعرف باسم المشاريع الزراعية التي كان يقوم بتنفيذها نظام معمر القذافي، وهي مشاريع لزراعة النخيل والأشجار المقاومة للعطش، ومبعثرة على حواف الطرق السريعة والدروب، مثل الطرق والمسالك الطويلة الواصلة بين الكُفرة وسبها جنوبا إلى شمال البلاد مرورا بالعديد من البلدات والواحات، ومنها «سوكنة» و«الفقهاء» وودان.
ويضيف الضابط، أن مقار هذه المشاريع أصبحت مهجورة منذ الاضطرابات التي بدأت مع عام 2011، وأنها مع ذلك ما زالت تتميز باحتوائها على مقار للسكن وعلى مصادر للمياه الجوفية، وعلى خطوط كهرباء، وأن من أشهرها مشاريع «الوادي الفارغ» الذي يقع ما بين الكيلومتر تسعين، والكيلومتر مائة وثلاثين، على طريق إجدابيا – أوجلة (بشرق ليبيا). ويقول: «سبق للجيش أن أرسل طائرات لقصف تجمعات المتطرفين، من الليبيين والتونسيين والتشاديين والمصريين، في مشروع الوادي الفارغ، إلا أن ضعف تسليح الجيش حال دون تحقيق النتائج المرجوة».
ووفقا لمعلومات أخرى حصلت عليها «الشرق الأوسط» من مصادر على علاقة بجماعات متطرفة في شرق ليبيا، فقد كان آخر ظهور للمصري «خ. س.»، قد جرى رصده في بلدة الجغبوب الليبية الواقعة على الحدود في مقابل واحة سيوة المصرية. وتضيف، أنه «حاول هذا الرجل العودة إلى مصر مع جماعته التي كانت قد تعرضت للهزيمة في سيناء، إلا أن تشديد الجيش المصري للرقابة على الحدود، صعَّب من مهمة المجموعة المتطرفة، وفي الوقت نفسه لم تتمكن من العودة إلى بنغازي التي كان الجيش الليبي قد سيطر عليها، وبالتالي، توجهت المجموعة التي كانت تضم نحو ثلاثين مقاتلا، إلى الخُمس، وانضمت بعد ذلك لقوافل مسلحين فارين من شمال ليبيا، ومنهم عشرات من دواعش جبل الشعانبي التونسي، وآخرون ليبيون، وعناصر من سرايا الدفاع عن بنغازي، ومقاتلون من المعارضة التشادية، ومن جماعة بوكو حرام النيجرية.
ويبدو أن فلول المتطرفين الفارين من مناطق مختلفة من الشمال الليبي تمكنوا من رص صفوفهم من جديد وتغيير التكتيكات، حيث التقى غالبية هذا الخليط في بلدة الكُفرة أولا، ومنها تم اتباع مسارات في الصحراء تؤدي إلى مدينة سبها التي تعد عاصمة للجنوب، ومن محيط سبها بدأ تحرك هذه المجاميع لتنفيذ عمليات خاطفة ضد قوات الجيش الوطني الذي كان قد بدأ في بسط نفوذه في تلك المناطق المترامية الأطراف.
ومثلما اتخذت مصر إجراءات لمنع تسلل المتطرفين إلى أراضيها، قامت تشاد بالمثل، إلا أنه يبدو أن صبرها نفد، حين اتهم وزير خارجيتها، إبراهيم حسن طه قطر، يوم الأربعاء الماضي، بأنها تأوي جماعات معادية لتشاد وقوله، على قناة «أون لايف» التلفزيونية المصرية، إن العناصر الإرهابية التي تتسلل من ليبيا إلى تشاد «مدعومة من قطر». إلا أن قطر اتهمت تشاد، في المقابل، بالانضمام إلى ما وصفته بـ«حملة ابتزاز سياسي». وقررت هي الأخرى إغلاق السفارة التشادية في الدوحة.


مقالات ذات صلة

«داعش» يزعم استهداف آلية في الرقة وصهريج نفط بريف دير الزور

المشرق العربي الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

«داعش» يزعم استهداف آلية في الرقة وصهريج نفط بريف دير الزور

أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن هجومين منفصلين في ريفي محافظتي الرقة ودير الزور استهدفا آلية تابعة للحكومة السورية في شمال الرقة، وصهريج نفط في ريف دير الزور.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة وزعتها وزارة الداخلية لعنصرَي «داعش» (سانا)

ضبط خلية لـ«داعش» شمال سوريا «متورطة في شنّ هجمات إرهابية»

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الخميس، القبض على خلية تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي متورطة في تنفيذ عدة هجمات شرق حلب بشمال البلاد. وأوضحت أن ذلك جاء خلال عملية…

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أفريقيا رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية والجيش قال الضربة دقيقة وليست عشوائية والسوق مركز لوجيستي لـ«داعش» و«بوكو حرام»

الشيخ محمد (نواكشوط)
المشرق العربي الولايات المتحدة أنجزت عملية نقل أكثر من 5700 سجين من المشتبه بانتمائهم إلى «داعش» من سوريا إلى العراق (أرشيفية - رويترز)

العراق يسلم فنلندا والولايات المتحدة متهمَين لم يثبت انتماؤهما إلى «داعش»

أعلن القضاء العراقي، اليوم (الثلاثاء)، تسليم متهمَين اثنين لفنلندا والولايات المتحدة بعد ثبوت عدم انتمائهما إلى تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.