مصممون عرب حولوا الحلم إلى واقع

أسماؤهم غزت الأسواق العالمية وخزانات نجمات هوليوود

TT

مصممون عرب حولوا الحلم إلى واقع

في حفل «غولدن غلوب 2015»، ارتدت جنيفر لوبيز زيّاً بلوني الأبيض والفضي حمل توقيع «زهير مراد»، وفي العام نفسه ارتدت فستاناً من «إيلي صعب» ذهبي اللون زادها تألُّقاً في حفل توزيع جوائز الأوسكار. افتتان جنيفر بالمصممين العرب لم يقف عند صعب ومراد وامتد إلى مصممين آخرين نذكر منهم اللبناني المقيم في الكويت شربل زوي، والسوري المقيم في دبي رامي العلي، والمصمم الكويتي يوسف الجسمي وغيرهم. وجنيفر، وإن لم تكن الوحيدة في هوليوود التي ترتدي تصاميم مبدعين من بيتنا، فإنها من النجمات اللواتي لا يخفين تقديرهن لقدراتهم على الإبداع وفهمهم لكل ما يزيد المرأة أنوثة وجمالاً.
اللافت في السنوات الأخيرة أنّ المصممين العرب أصبحوا الحاضر الغائب في المناسبات الكبيرة والمحافل العالمية، بما فيها عروض الأزياء العالمية. فكثير منهم أصبحوا وجوهاً مألوفة لا يكتمل الأسبوع الباريسي، تحديدا، من دونها. كما لا يمكننا أن ننسى أن ظهور نجمات عالميات بأي قطعة صاغتها أناملهم ومقصاتهم هي إشارة إلى أنهم وصلوا إلى العالمية وسجلوا حضورهم فيها. وطبعا الحديث عن كل هذا يأخذنا للحديث عن إيلي صعب، الذي يمكن القول إنه كان ممهّد هذا العبور.
فقد استطاع منذ العرض الأول الذي أقامه في «كازينو لبنان» عام 1982 أن يشد الانتباه إليه، ومنذ ذلك الحين هناك محطات مهمة في مسيرته شكلت اسمه وحفرته في محلات بديكورات بديعة وضخمة أو على قارورات زجاجية معبَّأة برائحة الورد والقرنفل والعود من دون أن ننسى فساتين تقطر بريقا. في العام 1996 بدأت علاقته مع النجمات ومناسبات السجّادة الحمراء. بعد ذلك بعام واحد، تلقّى المصمم الشاب دعوة من Camera Nazionale della Moda ليكون أول مصمم غير إيطالي يشارك في هذه المناسبة. كانت هذه الخطوة الأولى لتقديم عروضه في روما على مدى ثلاث سنوات متتالية. بعدها انتقل للعرض في عاصمة الموضة الإيطالية، ميلانو عرض صعب. وسرعان ما انتقلت تصاميمها من منصات ميلانو إلى القصور، بعد أن ظهرت الملكة رانيا العبد الله بفستان من توقيعه في عام 1999.
لكن رغم كل النجاح كانت باريس هي الحلم الذي راوده منذ البداية، لهذا كانت وجهته التالية، حيث عرض فيها لأول مرة تشكيلة خاصة بالأزياء الراقية «الهوت كوتير» خلال أسبوع الموضة في العام 2000 قبل أن يصبح عضواً مدعواً من قبل غرفة الموضة الباريسية، لاشومبر سانديكال للأزياء الراقية في عام 2002.
في العام ذاته، وفيما يمكن وصفه بضربة حظ لا تُقدَّر بثمن، ظهرت النجمة السمراء هالي بيري بفستان من تصميمه في عام 2002، وهي تتسلم جائزة الأوسكار كأحسن ممثلة في ذلك العام. ورغم شهرته والتقدير الذي كان يحظى به من قبل، فإن هذه المناسبة والصور التي تداولتها الصحف والمجلات جعلت اسمه ينتشر أكثر ويتساوى مع أكبر المصممين العالميين ويتفوق عليهم في كثير من الأحيان. في ذلك العام فاز هو الآخر بجائزة الأوسكار. وصفته في النجاح هي عدم تغييره من جلده أو أسلوبه، فقد بقي مخلصاً لأسلوب أنثوي رومانسي مطعم ببريق الخرز والترتر والكريستال، جذب له أنظار النجمات كلما أردن التميز.
زهير مراد اسم آخر يتردد بقوة على المستوى العالمي ويحظى بإعجاب المرأة عموما والنجمات خصوصا. هو ابن بعلبك الذي بدأ يرسم وهو في سن العاشرة. يقول: «لا أذكر يوماً مرّ في حياتي، والقلم ليس بين أصابعي». هواية الولد الصغير تحولت لاحقاً إلى احتراف، وكانت البداية الحقيقية لزهير مراد عام 1997، بعدما افتتح البوتيك الأول في بيروت حيث أرسى أقدامه. في عام 2001 توجه إلى باريس ليعرض فيها للمرّة الأولى تشكيلة من خط الـ«هوت كوتير». لفت سريعاً الأنظار وإعجاب نقاد الموضة العالميين. في عام 2005، توسع إلى الأزياء الجاهزة ليصبح اسما مألوفا ورسميا في برنامج الموضة الباريسي.
وبما أن الاعتراف الحقيقي لأي مصمم جديد يكون عندما تبدأ نجمات الدرجة الأولى الظهور بتصاميمه، فإنه نجح في استقطاب معجبات من هوليوود وأوروبا على حد سواء. فقد ظهرت عدة جميلات في مناسبات كبيرة بفساتينه التي تقطر تطريزاً. نذكر منهن إلى جانب جنيفر لوبيز، الممثلة الفرنسية جيسيكا تشستاين التي تألقت بتصميمه في الحفل الاختتامي لتوزيع جوائز الأوسكار، ولا يمكننا تجاهل فستان المغنية سيلين ديون الأخضر اللامع خلال حفل الغرامي، وفستان ليلي كولينز الزهري في «غولدن غلوب»، وفستان جيسكا ألبا الأسود القصير في حفل جوائز «بيل بورد».
المصمم جورج حبيقة عَلَمٌ آخر من أعلام الموضة العالمية، حيث وصل بأعماله التي تتميز بالأنوثة الرومانسية وبقدرته على تشكيل تصاميم هندسية إلى القلوب من أوسع الأبواب. الحرب التي شهدتها لبنان في ثمانينات القرن الماضي لم تُثنِه عن عزمه تحقيق أحلامه والسفر إلى باريس. فقد تدرّب في دار «شانيل» قبل أن يعود إلى بيروت ويفتتح بوتيكه الأول. في عام 2001 بدأ يعرض في باريس خلال أسبوع الـ«هوت كوتير». وشتان بين الأمس واليوم، فهو من الأسماء اللامعة التي تتسابق النجمات على ارتداء تصاميمه في المحافل الكبيرة. من هؤلاء النجمات نذكر إيفا لونغوريا، جوليان هوغ، آيشواريا راي، جنيفر لوبيز، سارة هايلاند وغيرهنّ.
المصمم جورج شقرا لا يقل إبداعا ونجاحا، إضافة إلى تاريخه الطويل في عالم التصميم، الذي يقارب الـ30 عاما. جمع شقرا حب الفن وعشق الرسم في تصاميمه. أهم ما يُميز فساتينه الطويلة أنها تحاكي اللوحات في جمالها وألوانها. بدأ مشواره في بيروت أيام الحرب اللبنانية. لإكمال دراسته سافر إلى كندا وبعد تخرجه أسس مشغلاً صغيراً ببيته، حيث بدأ برسم وخياطة الأزياء. في خريف عام 2002، وسّع جورج شقرا ورشة عمله إلى باريس لينضم إلى أسماء لبنانية أخرى استعملت العاصمة الفرنسية كنقطة انطلاق نحو العالمية. ومع مرور السنوات شعر بأن الوقت حان لكي يؤسس لخط أزياء جاهزة، وهو ما حصل في فبراير (شباط) من عام 2009. وللتفريق بينه هذا الخط والـ«هوت كوتير» ارتأى أن يعرضه خلال أسبوع نيويورك للموضة عوض باريس، وهو ما يمكن اعتباره خطوة ذكية من قبله، لأنه نجح في مخاطبة سوق جديدة وشرائح مختلفة من الزبونات. كانت ضربة الحظ بالنسبة له عندما ظهرت النجمة ميريل ستريب بتصميم منه في فيلمها الشهير «الشيطان يلبس برادا» The Devil Wears Prada ليثير اسمه فضول اسم عدد من نجمات هوليوود من مثيلات كايتي بيري، بلايك ليفلي، جنيفر لوبيز، صوفيا فيرغارا، كاري أندروود، الملكة لطيفة، وتيرا بانكس وغيرهنّ.
على العكس من الأسماء السابقة لا يزال شربل زوي أقل شهرة، ومع ذلك وصلت تصاميمه إلى العالمية بفضل نجمات عالميات نذكر منهن جنيفر لوبيز التي ارتدت تصاميمه في أكثر من مناسبة. في مهرجان «كان» السينمائي هذا العام كان له حضوره مع الفاشينيستا اللبنانية ليا مهنا، وفي حفل جوائز «Billboard» مع المغنية نيكي ميناج. وكان شربل قد عمل في دار إيلي صعب وجيفنشي قبل أن يطلق خطه الخاص ويفتتح محلاته الخاصة في عدة عواصم عالمية منها الكويت وباريس ولوس أنجليس.
مثل شربل زوي يعتبر محمد آشي من المصممين الذين بدأوا يرسخون خطواتهم بشكل واضح.
لم يكن من السهل على الشاب السعودي أن يجاهر بحبه لتصميم الأزياء في مجتمعه المحافظ ولم يكن طريقه محفوفاً بالورود. فرغم أن والدته كانت تشجعه ولم تمانع تخصصه، فإن والده اعترض بشدة. كان شغفه بالمهنة قوياً بدرجة منحته قوة للمقاومة والاستمرار. وبالفعل سنحت له فرصة لكي يتدرب في دار «جيفنشي» قبل أن يتوجه إلى بيروت لتأسيس معمل خاص فيها. هنا أيضاً واجهته بعض الصعوبات التي دفعته إلى أن يعود أدراجه إلى السعودية. وفي يوم من الأيام تلقى رسالة إلكترونية من رئيسة تحرير مجلّة «فوغ إيطاليا» الراحلة فرانكا سوزاني، غيّر حياته. فقد طلبت منه الحضور إلى ميلانو لكي يشارك مع مجموعة من المصممين الواعدين ضمن برنامج كانت تدعمه لمساعدة المبتدئين من المواهب. كانت فرصة لا تُعوض، وأثبت محمد تميّزه في هذه المسابقة، الأمر الذي حفزه للعودة إلى بيروت، والعمل بعزم أكبر. إذا كانت هالي بيري وجه خير على إيلي صعب فإن حفل زفاف جورج كلوني وأمل علم الدين كان محطة تاريخية في مشواره. فقد تكرر اسمه أكثر من مرة بعد اختياره لتصميم فساتين كل من والدة وأخت وابنة أخت أمل علم الدين.
بالنسبة للشابة عائشة رمضان فيمكنها أن تقول بفخر إنها جذبت جنيفر لوبيز وتشارليز ثيرون وتيري هاتشر وكارينا كابور وأريانا غراندي بأسلوبها العصري. وتعتبر رمضان، وهي لبنانية الأصل من المصممين الشباب الذين بدأت أسماؤهم تتردد بشدة في الآونة الأخيرة. دخلت عالم تصميم الأزياء بعد تخرجها في الجامعة الأميركية بدبي، وشاركت في عدة مسابقات وبرامج حصلت فيها على تمويلات خفيفة ساعدتها على الاستمرار والتوسع. في عام 2000 حصلت على جائزة «مصمم صاعد»، وفي عام 2009 اختارتها مجلة «أرابيان ويمن» من بين 30 امرأة ذات شخصيّة مؤثّرة في العالم العربي.

* عز الدين علايا... من أقوى الأسماء وأكثرها تأثيراً
قيل في مرّة: «لا ندري مَن كان محظوظاً أكثر، أهو عز الدين علايا الذي عرف العالمية في باريس، أم باريس التي استقبلت عز الدين». فالمصمم التونسي الآتي من بلاد المغرب العربي، عشق التصميم منذ الطفولة، فدرسه وعمل به في بلاده قبل أن يسافر إلى باريس في عام 1957 وعمره لا يتعدى الثمانية عشرة. تدرّب الشاب الموهوب في أهم بيوت الموضة العالمية، حيث أمضى خمس سنوات في دار «ديور»، قبل أن يلتحق بكل من «لاروش» و«تيري موغلر». في السبعينات استقل وافتتح مشغله الخاص، وبدأ يُبدع أزياء جاهزة تحمل بصمات غير مألوفة أثارت له الانتباه ولا تزال لحد الآن رغم شُح أعماله مقارنة بأقرانه.
منذ أن أطلق مجموعته الأولى في بداية الثمانينات بدأت الجوائز تنهال عليه، وفي عام 1984 تمّ اختياره «أفضل مصمم من وزارة الثقافة الفرنسية». كان لصحافة الموضة الفرنسية فضلها على عز الدين، لأنها دعمته بقوّة وحفزته على التوسع في أسواق أخرى مثل نيويورك وبيفرلي هيلز، الأمر الذي فتح له أبواب هوليوود. الآن ليست هناك نجمة لا تحلم بارتداء تصميم من إبداعه ولائحة من ظهرت بفساتينه لا تُحصى، من مادونا وجانيت جاكسون إلى ناعومي كامبل وشاكيرا وغيرهنّ.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.