رونالد كومان يبحث عن اللمسة الأخيرة والأهم في صفقات إيفرتون

ما زال المدرب في حاجة إلى سد فراغ رحيل لوكاكو هداف الفريق لبلوغ طموحاته

روني أحرز هدفاً في أول مشاركة له مع إيفرتون أمام جورماهيا مشابهاً للهدف الذي أحرزه أمام آرسنال عام 2002 (أ.ف.ب)
روني أحرز هدفاً في أول مشاركة له مع إيفرتون أمام جورماهيا مشابهاً للهدف الذي أحرزه أمام آرسنال عام 2002 (أ.ف.ب)
TT

رونالد كومان يبحث عن اللمسة الأخيرة والأهم في صفقات إيفرتون

روني أحرز هدفاً في أول مشاركة له مع إيفرتون أمام جورماهيا مشابهاً للهدف الذي أحرزه أمام آرسنال عام 2002 (أ.ف.ب)
روني أحرز هدفاً في أول مشاركة له مع إيفرتون أمام جورماهيا مشابهاً للهدف الذي أحرزه أمام آرسنال عام 2002 (أ.ف.ب)

من المنتظر أن يكسر إنفاق إيفرتون في صفقات شرائه لاعبين جدداً حاجز الـ150 مليون جنيه إسترليني، إذا ما التزم النادي نهاية الأمر بالمبلغ المطلوب لصانع لعب سوانزي، غيلفي سيغوردسون. ومع هذا، فإن تكلفة تحدي مجموعة الأندية التي اعتادت التأهل لبطولة دوري أبطال أوروبا قد تزيد، ذلك أنه حتى عودة واين روني إلى ليفربول، والهدف الذي سجله في تنزانيا أخيراً، لا يمكنهما تحويل الأنظار بعيداً عن الحاجة لإعادة بناء خط هجوم الفريق، في أعقاب رحيل روميلو لوكاكو. وعليه، فإن اللمسات الأخيرة على موجة صفقات شراء اللاعبين غير المسبوقة التي نفذها إيفرتون أخيراً قد تكون الأهم على الإطلاق.
من ناحيته، أعلن روني عن انتقاله الثاني إلى إيفرتون، الخميس، على نحو أثار في الأذهان ذكريات انتقاله الأول، بتسجيله هدفاً قوياً في شباك بونيفيس أولوتوش، حارس مرمى نادي جورماهيا الكيني، حمل أصداء هدف الفوز الذي سجله في وقت متأخر من المباراة في مرمى آرسنال عام 2002، لكن من دون هالة الدراما التي صاحبت الأخير.
جدير بالذكر أن روني قد شارك في مركز قلب الهجوم، وذلك خلال مباراة ودية في إطار الاستعدادات للموسم الجديد أمام بطل كينيا. ومن ناحيته، يعتقد مدرب إيفرتون رونالد كومان أن روني قد يترك التأثير الأكبر داخل الملعب من خلال هذا المركز تحديداً. ومع هذا، يحتاج المدرب إلى مجهود أكبر عند نقطة ارتكاز خط الهجوم عما يقدمه القائد السابق للمنتخب الإنجليزي، وكذلك ساندرو راميريز (22 عاماً) الذي يستعد للمشاركة في أول مواسمه في الدوري الإنجليزي الممتاز.
من ناحية أخرى، ترددت أقاويل حول احتمال انتقال المهاجم الفرنسي أوليفيه غيرو من آرسنال إلى إيفرتون، وإن كان الأخير يواجه منافسة شرسة على اللاعب من قبل بوروسيا دورتموند. ومن المعتقد أن سيغوردسون بمقدوره اللعب من خلف المهاجم الفرنسي، إلى جانب روني ولاعب آخر. وفي الواقع، من الممكن، بل وينبغي، أن يكون روس باركلي هذا اللاعب الآخر، لكن الشكوك تزداد يوماً بعد آخر حول مستقبله مع بقاء عقده دونما توقيع.
وبعد أن كانت الكلمة الشهيرة التي يركز عليها مدرب إيفرتون الموسم الماضي هي الأداء «المبهر»، فإنه حل محلها اليوم «الإنتاجية»، مع شكوى كومان المتكررة من غياب الإنتاجية عن أداء الفريق خلال الثلث الأخير من الموسم الماضي. ويعتبر لوكاكو اللاعب الوحيد الذي استثني من انتقادات المدرب على هذا الصعيد. وفي الواقع، لقد أصبح اللاعب البلجيكي الدولي أول مهاجم في صفوف إيفرتون منذ غاري لينيكر في موسم 1985 – 1986، يسجل أكثر من 20 هدفاً في موسم واحد من الدوري الممتاز. وقد بلغ إجمالي أهداف لوكاكو 25 هدفاً، بينهم أهداف في 5 مباريات متعاقبة على أرض النادي، ليكافئ بذلك الرقم القياسي في تاريخ النادي الذي حققه ويليام رالف «ديكسي» عام 1934. واليوم، أصبح العنصر المنتج في خط هجوم إيفرتون من نصيب مانشستر يونايتد، النادي الذي يسعى إيفرتون بدأب للتفوق عليه.
وفي الواقع، لا تعد أهداف لوكاكو الثغرة الوحيدة التي يتعين على كومان سدها من أجل تحويل الطموح المعلن لناديه إلى إنجاز على أرض الواقع. فبالنسبة لباركلي، فإنه احتل المرتبة الثانية بين هدافي إيفرتون الموسم الماضي، بتسجيله 5 أهداف فقط. أما المركز الثالث، فتقاسمه سيموس كولمان وكيفين ميرالاس بـ4 أهداف لكل منهما. وعن هذا، علق كومان بينما كان يجلس إلى جوار روني، الاثنين: «هذا ليس كافياً. أفضل أن يكون لدي كثير من اللاعبين الذين تتراوح أعداد الأهداف التي يسجلونها بين 10 و15، عن وجود لاعب واحد فقط يسجل 25 هدفاً. وأرى أن هذا تحديداً ما نحتاجه لتحسين أدائنا، وأعتقد أن روني بإمكانه إضافة عنصر الإنتاجية إلى هذا الفريق».
وخلال المناقشات التي عقدها مع روني، قبل انتقاله إلى إيفرتون، وكذلك أمام وسائل الإعلام هذا الأسبوع، أوضح كومان أن قائد مانشستر يونايتد السابق سيشارك في واحد من المراكز الأربعة المتقدمة، وأعرب عن اعتقاده أن «لاعباً في مستوى روني من الممكن أن يرتدي القميص 10 خلف رأس الحربة، أو الاضطلاع بدور حر إلى اليسار، أو اللعب في مركز صاحب القميص 9 أو 7 - تلك هي المراكز التي سيشارك روني في واحدة منها».
ويذكر أن جوزيه مورينيو سبق أن أعلن أمراً مشابهاً في مثل هذا الوقت من الموسم الماضي، وشدد على أن روني لن يجري تكليفه بمهام في وسط الملعب. إلا أنه في أعقاب الهزيمة التي تعرض لها مانشستر يونايتد أمام واتفورد، في سبتمبر (أيلول)، بنتيجة 3 – 1، بدأ مورينيو مرحلة عدم الاستعانة بروني في تشكيلة يونايتد الأساسية. وكانت تلك المباراة الخامسة لمانشستر يونايتد في الدوري الممتاز تحت قيادة مورينيو.
ومن جانبه، يصر مدرب إيفرتون على أنه في عمر الـ31 عاماً، فإن التخلي عن روني جرى قبل الأوان كقائد لخط الهجوم، سواء على مستوى النادي أو المنتخب، وإن الحديث الحالي حول تراجع مستواه مبالغ فيه، وأنه من الممكن دفعه نحو استعادة تألقه في إيفرتون، إلا أن كومان ليس الرجل الذي تحركه العواطف، الأمر الذي اصطدم به باركلي مراراً.
من ناحية أخرى، فإن استثمارات مالك إيفرتون، رجل الأعمال فارهاد موشيري، وجهود ستيف والش مدير كرة القدم، نجحت في إحداث تحول في صفقات انتقالات اللاعبين داخل إيفرتون هذا الصيف. وقد أبهرت السرعة التي أنجزا بها الصفقات الجميع، وكذلك التغيير الواضح في الطموح والموارد. وقد جرى تطوير مراكز حارس المرمى وقلب الدفاع وقلب وسط الملعب، عبر إضافة كل من جوردان بيكفورد ومايكل كين ودافي كلاسين، على الترتيب. كما تم ضم مدافع ساوثهامبتون السابق كوكو مارتينا إلى صفوف إيفرتون، في إطار صفقة انتقال حر، في وقت يتعافى فيه كولمان من تمزق مضاعف في الساق.
وفي خط الهجوم، ثمة كثير من المسؤوليات ملقاة على عاتق روني، بينما لا يزال ساندرو يخوض مرحلة التأقلم مع انتقاله من الدوري الإسباني، حيث سجل 14 هدفاً خلال 30 مباراة شارك فيها مع مالقة الموسم الماضي، قبل أن يفعل إيفرتون بند الشراء في تعاقده الذي ينص على 5.2 مليون جنيه إسترليني. ويعتبر ساندرو، الذي يشارك في صفوف المنتخب الإسباني أقل من 21 عاماً، واحداً من المهاجمين القلائل في فريق إيفرتون الذين يتميزون بالسرعة وإحراز أهداف بمعدلات كبيرة. كما أن بمقدوره التحرك عبر خط الهجوم، مما يمنح المدرب الهولندي مجموعة متنوعة من الخيارات. ومع ذلك، لا يزال كومان بحاجة لبديل للوكاكو وإسهاماته في الفريق.
المؤكد أن إيفرتون يملك موهبة هجومية ناشئة قوية، تتمثل في أديمولا لوكمان ودومينيك كالفيرت ليوين، وكلاهما يتطلع إلى البناء على المستوى الرائع الذي ظهرا به في صفوف المنتخب الإنجليزي أقل من 20 عاماً، خلال بطولة كأس العالم في كوريا الجنوبية. أيضاً، يضفي كيران دويل، أحد أفراد المنتخب الإنجليزي الناجح بقيادة المدرب بول سيمبسون، على إيفرتون حالة من الإبداع والابتكار بوسط الملعب، بشرط أن ينجح في إقناع كومان بتصعيده من فريق أقل من 23 عاماً بمجرد انطلاق الموسم الجديد للدوري الممتاز.
وفي ظل احتمالات عجز يونيك بولاسي عن العودة من إصابة الركبة الخطيرة التي يعانيها حتى بداية العام، تبقى الناحية اليسرى الهجومية من الفريق مفتقرة إلى السرعة والحركة، الأمر الذي لن يتمكن روني من علاجه، إذا ما اضطلع بالدور الحر الذي تحدث عنه مدربه. ومع هذا، من غير المثير للدهشة أن نجد كومان غير آبه للتحدي الكامن وراء جمع شتات مثل هذا الفريق فادح التكلفة. وعن هذا، قال: «ندرك جميعاً أننا نواجه هذه المرة ضغوطاً أكبر عن الموسم الماضي، لكنني أعمل بمجال كرة القدم منذ فترة بعيدة، ولست أذكر موسماً واحداً مر عليّ دونما ضغوط - وهذا أمر جيد، فإذا رغبت في الفوز ببطولات، عليك حتماً تعلم كيفية التأقلم مع الضغوط».
ومن جانبه، قال الحارس المنضم حديثاً جوردان بيكفورد إن إيفرتون قوي بما يكفي للمنافسة في الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم وأوروبا الموسم المقبل. وقال بيكفورد، الذي انضم إلى فريق المدرب رونالد كومان من سندرلاند، لموقع إيفرتون على الإنترنت: «يمكننا الذهاب لأبعد مدى؛ نملك فريقاً قوياً يزخر بالمواهب والإمكانيات، وهو أمر رائع سيفيدنا خصوصاً في الدوري الأوروبي، وكذلك من أسبوع إلى آخر في الدوري الممتاز».
وتابع: «يظهر النادي طموحاً كبيراً، وكان هذا أحد أسباب قدومي إلى هنا». وقال بيكفورد إنه يتوقع العمل مع روني، الهداف التاريخي لمنتخب إنجلترا، الذي يعود إلى «غوديسون بارك» بعد 13 عاماً مع مانشستر يونايتد، وأضاف: «عليكم أن تتخذوه مثلاً أعلى يحتذى؛ إذا أردت أن تصبح لاعباً لكرة القدم، فعليك السير على خطاه»، وتابع: «لكن الأمر لا يقتصر فقط على روني، فقد تعاقد المدرب مع كثير من اللاعبين المميزين هذا الصيف، إضافة إلى كثير من اللاعبين الرائعين في التشكيلة، ولذا أشعر بحماس شديد للوجود هنا».
وسيبدأ إيفرتون مشواره في الموسم الجديد أمام روزومبروك السلوفاكي، أو بران النرويجي، في الدور التمهيدي الثالث للدوري الأوروبي. وسيلعب فريق المدرب كومان على أرضه ذهاباً، في 27 يوليو (تموز)، على أن تقام مباراة العودة في الثالث من أغسطس (آب).



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.