ديفوك أوريجي... «عالم النفس» الذي تحول إلى لاعب كرة

مهاجم ليفربول يتحدث عن النجاحات والإخفاقات التي واجهته خلال مسيرته في عالم «الساحرة المستديرة»

أوريجي أحرز 10 أهداف لليفربول في الموسم الحالي  -  أوريجي أصغر لاعب بلجيكي يسجل في نهائيات كأس العالم («الشرق الأوسط»)
أوريجي أحرز 10 أهداف لليفربول في الموسم الحالي - أوريجي أصغر لاعب بلجيكي يسجل في نهائيات كأس العالم («الشرق الأوسط»)
TT

ديفوك أوريجي... «عالم النفس» الذي تحول إلى لاعب كرة

أوريجي أحرز 10 أهداف لليفربول في الموسم الحالي  -  أوريجي أصغر لاعب بلجيكي يسجل في نهائيات كأس العالم («الشرق الأوسط»)
أوريجي أحرز 10 أهداف لليفربول في الموسم الحالي - أوريجي أصغر لاعب بلجيكي يسجل في نهائيات كأس العالم («الشرق الأوسط»)

واجه مهاجم فريق ليفربول البلجيكي ديفوك أوريجي العديد من النجاحات والإخفاقات خلال مسيرته في عالم كرة القدم، على الرغم من أن عمره لا يتجاوز الثانية والعشرين، فقد شارك في نهائيات كأس العالم وانضم لقائمة منتخب بلاده المشاركة في كأس الأمم الأوروبية، ولعب دوراً بارزاً مع ليفربول قبل أن يتعرض لإصابة قوية، والآن أصبح أحد الركائز الأساسية للفريق تحت قيادة المدير الفني الألماني يورغن كلوب، وأسهم بقوة في وصول ليفربول للمراكز الأربعة الأولى في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز والمؤهلة لدوري أبطال أوروبا. ويؤكد اللاعب البلجيكي على إصراره على أن يكون مهاجماً من طراز عالمي.
يتحدث أوريجي أربع لغات، ويقول بتواضع: «هذا ليس سيئاً»، فقد تعلم اللاعب البلجيكي اللغتين السواحيلية والإنجليزية في منزل العائلة (لعب والده، مايك، 120 مباراة لمنتخب كينيا، وخاض مسيرة كروية ناجحة على مستوى الأندية في بلجيكا)، كما تعلم اللغة الفلمنكية في مدينة أوستند البلجيكية واللغة الفرنسية بعد انضمامه لنادي ليل وهو في الخامسة عشرة من عمره. يقرأ أوريجي ثلاثة كتب شهرياً (أحيانا باللغة الإنجليزية، وأحيانا باللغة الهولندية، ومعظمها عن علم النفس)، ويقول اللاعب البلجيكي الشاب: «ربما لو لم أكن لاعب كرة قدم لكنت طبيبا نفسيا».
يقول أوريجي: «أنا مهتم للغاية بمعرفة الكيفية التي تفكر بها عقولنا ومعرفة الأنواع المختلفة للشخصية. أجعل أصدقائي يقومون باختبارات شخصية وأرى أي نوع من الشخصية ينتمون إليه. وفي ليفربول، يمكنني القول من هو صاحب الشخصية الانطوائية ومن هو صاحب الشخصية المنفتحة، ولدينا في النادي النوعان. بدأت دراسة علم النفس لكنني توقفت عن ذلك عندما تم تصعيدي إلى الفريق الأول. ما زلت مهتماً بذلك، وأشاهد الكثير من مؤتمر تيد (تيد سلسلة من المؤتمرات العالمية التي تهدف لتعريف ونشر الأفكار الجديدة والمتميزة للعالم وترعاها مؤسسة سابلنغ الأميركية)، وهي مؤسسة غير ربحية خاصة شعارها (أفكار تستحق الانتشار)، حيث يعطى المتحدثون 18 دقيقة كحد أقصى للتحدث عن كيفية التواصل أو الموضوعات التي يدرسونها. ربما أعود إلى ذلك عندما تنتهي مسيرتي في عالم كرة القدم، لا أحد يعرف ماذا سيحدث».
لا يتطلب الأمر الاستعانة بطبيب نفسي لكي نعرف ماذا يدور في عقول لاعبي ليفربول في أعقاب التعادل السلبي يوم الأحد الماضي أمام ساوثهامبتون. وتعرض خط هجوم ليفربول لانتقادات شديدة بسبب فشله في اختراق دفاعات ساوثهامبتون والفشل في تحقيق الفوز في ثلاث مباريات على التوالي على ملعبه. ومن الواضح للغاية أن غياب نجم خط وسط الفريق ساديو ماني بسبب إصابته في الركبة قد أثر كثيرا على سرعة وسلاسة الأداء في الثلث الأخير من الملعب، وتلقى أوريجي النصيب الأكبر من الانتقادات نظرا لأنه هو من يلعب بديلا للاعب السنغالي.
وقد عاد دانيل ستوريدج لمستواه القوي، وهو ما يهدد دخول أوريجي في القائمة الأساسية للفريق في مباراته المقبلة أمام وستهام يونايتد اليوم. ولكن يجب أن نضع في الحسبان أن اللاعب البلجيكي قد قضى معظم فترات الموسم حبيساً لمقاعد البدلاء، في الوقت الذي كان يقود فيه ماني والبرازيليان فيليب كوتينيو وروبرتو فيرمينيو هجوم الفريق ونجاحهم في الدخول ضمن المربع الذهبي لجدول الترتيب، ولذا فمن الصعب للغاية أن تدفع بأوريجي في التشكيلة الأساسية مرة واحدة وتنتظر منه تقديم أداء قوي.
يقول أوريجي: «الأمر ليس صعباً، لكنه مختلف، فخلال معظم فترات الموسم كان الفريق يلعب بنفس العناصر الثلاثة في الخط الأمامي، وكان الأمر سيختلف لو كنت ألعب معهم. أنا محظوظ لأنني ألعب إلى جوار كوكبة من اللاعبين الرائعين والأذكياء الذين يمكنهم الدخول في عمق الملعب والاستحواذ على الكرة والتمرير بسلاسة وتسجيل الأهداف، لكن الأمر مختلف. اعتقد أنني قدمت أداء جيداً في بعض المباريات وأداء أقل في مباريات أخرى، ومن المهم بالنسبة لي أن أواصل اللعب وأنا أشارك باستمرار، فكلما تلعب أكثر مع اللاعبين الآخرين كلما يزداد التفاهم بينك وبينهم بصورة أكبر، وهذا مهم للغاية».
ويضيف اللاعب البلجيكي: «عندما تكون لاعب كرة قدم فأنت تأكل وتنام وتتنفس كرة القدم. لو تدربت بشكل سيئ في أحد الأيام يمكنني العودة إلى المنزل والقيام بكل ما يحلو لي، لكني أشعر بحالة من الفراغ، فالشيء الذي يحتاج إليه أي لاعب هو اللعب باستمرار وبشكل جيد. وبعد أي تدريب لم تظهر خلاله بالشكل الذي تريده، فأنت تعود إلى المنزل وتنام، لكنك لا تستيقظ في اليوم التالي بالحالة التي كنت عليها، لأنك قد لعبت بشكل سيئ وأصبحت تشعر بحالة فراغ. ومع ذلك، أشعر أن الفترة التي لا ألعب خلالها بشكل جيد تجعلني أقوى من ذي قبل، لأنني أحلل الأشياء التي لم أقم بها بشكل جيد، وأركز بصورة أكبر على الأشياء التي يمكنني أن أقوم بها بشكل أفضل، وهو ما يجعلني أدفع نفسي لتحسين مستواي باستمرار».
ويحتل ليفربول المركز الثالث في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز بسبعين نقطة متقدماً على كل من مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وآرسنال، لكن جمهور النادي شعر بخيبة أمل كبيرة بعد التعادل في المباراة الأخيرة أمام ساوثهامبتون. ولعب أوريجي مع ليفربول خلال الموسم الحالي 41 مباراة في جميع المسابقات، ليتفوق على جميع لاعبي الفريق من حيث نسب المشاركة، كما سجل 10 أهداف، وهي المرة الثانية التي يحرز فيها اللاعب البلجيكي عشرة أهداف أو أكثر منذ انضمامه لليفربول قادماً من ليل الفرنسي عام 2015.
وقال أصغر لاعب بلجيكي يسجل في نهائيات كأس العالم: «عندما كنت في ليل، لعبت موسماً واحداً كمهاجم صريح يقود الفريق في الخط الأمامي، وكان ذلك وقتاً صعباً، ثم لعبت في دور الثمانية بكأس العالم كمهاجم أساسي، وأنا في التاسعة عشرة من عمري، ولعبت مباريات كبيرة في الدوري الأوروبي، كما واجهت لحظات كنت فيها أقل في المستوى وتعرضت لإصابات، وانضممت لصفوف المنتخب في نهائيات كأس الأمم الأوروبية ولم ألعب - كل هذه الأشياء تتجمع الآن مع بعضها البعض وتعطيني الدافع للعودة بقوة».
ولم تمر سوى 13 شهراً منذ أن فرض أوريجي نفسه بقوة على تشكيلة المدير الفني الألماني يورغن كلوب وأصبح لاعباً لا غنى عنه في الفريق بفضل الأداء القوي الذي قدمه في المباريات، ولعل أبرزها مباراتي الذهاب والعودة أمام بروسيا دورتموند الألماني في دور الثمانية للدوري الأوروبي. وغاب أوريجي عن المباراة النهائية للدوري الأوروبي مع فريقه وعن كأس الأمم الأوروبية مع منتخب بلاده، بسبب تعرضه لإصابة قوية في مباراة ليفربول أمام إيفرتون. وخسر ليفربول المباراة النهائية أمام إشبيلية، وبالتالي خسر التأهل المباشر للنسخة الحالية من دوري أبطال أوروبا.
ويقول أوريجي عن تلك الإصابة: «بالنسبة لي، كان الأمر صعباً للغاية في ذلك الوقت. لقد بذلت مجهودا كبيرا داخل وخارج الملعب، وكنت أظهر بمستوى جيد في المباريات - مباراة ستوك سيتي ومباراة بروسيا دورتموند ومباراة الديربي. في بعض الأحيان تكون في حاجة إلى الحظ، وفي ذلك الوقت كان يتردد كلام في بلجيكا عن أنني سأكون المهاجم الأول للمنتخب في نهائيات كأس الأمم الأوروبية. وكان موعد المباراة النهائية للدوري الأوروبي يقترب أيضاً، وكنتُ على وشك تحقيق شيء مهم للغاية، لكنني تعرضت للإصابة، وهذه أشياء لا يمكنك أن تتوقعها».
وأضاف: «كنتُ أريد أن أفعل أي شيء من أجل اللحاق بالمباراة النهائية، لكني كنت لا أزال أعاني من مشكلات في الركبة. لم تكن الركبة سليمة تماماً عندما انضممت لصفوف المنتخب في نهائيات كأس الأمم الأوروبية، وكنت بحاجة إلى بعض الوقت من أجل التعافي، لكن الأشخاص المقربين مني كانوا يدعمونني بكل قوة. أنا أيضاً شخص متمسك بالتعاليم الدينية، وهذا ساعدني كثيراً على أن أكون أقوى. وإذا نظرت إلى الخلف، أعتقد أنني لستُ بعيداً عن الوصول إلى المستوى الذي كنت عليه مرة أخرى. أنا أعتقد أنني أقوى مما كنت عليه الموسم الماضي لأنني أملك خبرة أكبر الآن. وبالنسبة للنادي، فإنه لشيء محبط أن تصل للمباراة النهائية مرتين وتخسر البطولة، لكننا بدأنا الموسم الحالي ونحن نعرف أننا سنخوض مباريات أقل ونعمل على استغلال تلك الميزة ونحاول التأهل لدوري أبطال أوروبا. لدينا جميعاً طموح كبير كلاعبين، ونادي ليفربول دائما يفكر في الوصول إلى أعلى مستوى. وسوف نبذل قصارى جهدنا من أجل الفوز في المباراتين المقبلتين وضمان التأهل لدوري الأبطال».
وتُعَد المشاركة في دوري أبطال أوروبا هي الخطوة المقبلة في مراحل تطور ليفربول تحت قيادة كلوب. أما على المستوى الفردي، فيقول أوريجي: «بالنسبة لي، أنا أود أن أكون مهاجماً من طراز عالمي. أعرف أن الطريق صعب، لكنني بالفعل في نادٍ كبير، وأعرف كيف تسير الأمور، وهذا هو الموسم الثاني لي مع الفريق، ولدي خبرة اللعب في كأس الأمم الأوروبية وكأس العالم. لقد قدمت أداء جيداً في مباريات كبيرة، وقدمت مستوى أقل في مباريات أخرى، ولدى خبرة في اللعب في مركز المهاجم الصريح مع ليفربول، وأعرف جيداً قيمة اللعب في نادٍ كبير، والضغوط التي نتعرض لها. أنا ما زلتُ في الثانية والعشرين من عمري، وسوف تساعدني جميع اللحظات التي عشتها على الوصول لهدفي النهائي».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.