الانقلابيون يفرضون مبالغ كبيرة على تجار العاصمة اليمنية

تحسر وسط قيادات صالح على ذهاب السيولة المطبوعة في روسيا إلى عدن وليس صنعاء

الانقلابيون يفرضون مبالغ كبيرة على تجار العاصمة اليمنية
TT

الانقلابيون يفرضون مبالغ كبيرة على تجار العاصمة اليمنية

الانقلابيون يفرضون مبالغ كبيرة على تجار العاصمة اليمنية

تزامن إحياء ذكرى «ثورة 26 سبتمبر» (أيلول)، التي أنهت الحكم الإمامي في اليمن، العام الحالي، مع تطورات سياسية وعسكرية واقتصادية أضرت كثيرًا بالميليشيات الانقلابية، مما جعلهم يتخبطون في طريقة إحياء الذكرى، واتخاذ إجراءات عقابية ضد المواطنين.
وكان لافتًا أن المخلوع علي عبد الله صالح ألقى كلمة عشية المناسبة تلقاها المواطنون بشيء من الاستغراب والاستهجان، خصوصا في ظل سيطرة مسلحي الحوثي على مؤسسات الدولة في العاصمة صنعاء التي غادرتها شعلة العيد، التي كان يجري إيقادها سنويا في شارع التحرير وسط صنعاء، إلى مدن أخرى تسيطر عليها السلطة الشرعية.
وقال الإعلامي غمدان الشريف لـ«الشرق الأوسط» إن احتفاء صالح بذكرى «26 سبتمبر» ما هو إلا مراوغة منه أمام «المؤتمر الشعبي العام»، «الذي يوجد بين صفوفه من دافع عن الثورة والجمهورية، وكانت لهم بصمات في تحقيق الثورة وأهدافها المجيدة». وأشار إلى أن صالح وبعد تحالفه مع الإماميين الجدد (الحوثيون)، تحالف ضد الثورة وأهدافها ومكاسبها.. «وهو تحالف يرفض قيام دولة اتحادية من عدة أقاليم، علاوة لانقلابه على مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية». ولفت إلى أن «رفض قادة ميليشيات صالح والحوثي يدل على أن مشروعهما واحد ومصالحهما المشتركة واحدة، جعلتهما يتوحدان اليوم لمناهضة مشروع الدولة اليمنية الحديثة». واستغرب الشريف «إطلالة صالح في ذكرى (26 سبتمبر) التي يحسب لها الإطاحة بنظام إمامي كهنوتي أراد المخلوع إعادته إلى السلطة يوم 21 سبتمبر 2014»، مشيرا إلى أن صالح ربما ما زال يعتقد أن الشعب لم يكشف حقيقة مكره وخداعه.
في المقابل، لاحظ يمنيون أن تجاهل الحوثيين مؤشر ودليل على أن هذه الجماعة ما جاءت إلا للانقلاب على قيم ومبادئ الجمهورية. وفيما كان عبد الملك الحوثي زعيم الحوثيين قد ظهر عبر خطاب متلفز للاحتفاء بانقلاب 21 سبتمبر 2014، وأفردت وسائل الإعلام الخاضعة لهم مساحات واسعة لقياداتهم للحديث عن «يوم النكبة» كما يسميه اليمنيون، غاب أي حديث سواء من القيادات أو أفراد الحوثيين عن ثورة «26 سبتمبر».
وقال همدان العليي، الكاتب السياسي اليمني، إن «جماعة الحوثي تعتبر (ثورة 26 سبتمبر» انقلابًا على الإمامة، وبالتالي عملت على مدى 50 عامًا عبر مؤسسات الدولة والتغلغل في الأحزاب على تهيئة انقلاب 21 سبتمبر 2014». وأضاف: «في السابق كان أغلب الحوثيين وربما جميعهم لا يتحدثون عن (ثورة سبتمبر) بهذه الطريقة العدائية، لأنهم كانوا يخشون نقمة الشارع، أما اليوم فكثير منهم يتحدثون بكل صراحة ويصفونها بأنها انقلاب على الإمامة، لأن الحكم باعتقادهم يجب ألا يخرج عن (البطنين)، بحسب نظريتهم العنصرية».
أما الجزء الآخر من الحوثيين وقياداتهم، بحسب العليي، فلا يظهرون عداءهم لثورة «26 سبتمبر» بشكل مباشر، لكنهم في مجالسهم الخاصة يقولون إن ما حدث هو انقلاب، وأنهم اليوم استعادوا ما أخذ منهم في السابق. ورأى الكاتب اليمني أن «انقلاب (21 سبتمبر) وما تلاه من أحداث، كشف للشعب اليمني زيف الحوثيين الذين جاءوا لاستعادة الحكم». وتابع: «أعتقد أن كل ذلك كشف للناس بوضوح لماذا قامت ثورة (26 سبتمبر) في ذلك الوقت وما هي سلبيات الإمامة وطموحاتها».
وجاءت ذكرى «26 سبتمبر» هذا العام وسط تطورات اقتصادية صعبة أمام الميليشيات الانقلابية، مما دفعها إلى الإقدام على فرض مبالغ مالية طائلة على أصحاب المحلات التجارية الكبرى ومحلات الذهب وغيرها من الشركات والمؤسسات الأهلية في العاصمة صنعاء، والتي تم إجبارها على دفع تلك المبالغ دعما للبنك المركزي.
وذكر عدد من الأهالي في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الميليشيات المسلحة فرضت مبالغ كبيرة تراوحت بين مائتين وألفي دولار على كل صاحب محل ومتجر، لافتة إلى أن محلات الذهب فرض عليها بقوة السلاح مبلغ نصف مليون ريال يمني (ألفا دولار) عن كل محل، فيما المحلات التجارية الكبيرة دفعت مائة ألف ريال يمني (400 دولار)، بينما المحلات التجارية الصغيرة فرض عليها مائتا دولار عن المحل الواحد.
وليست هذه المرة الأولى التي تجبر فيها الميليشيات القطاع الخاص في المدن اليمنية الواقعة تحت سيطرتها على دفع المال تحت سطوة السلاح؛ إذ سبق لها أن فرضت على كبار رجال المال والأعمال مبالغ كبيرة تحت اسم «دعم المجهود الحربي».
وحث زعيم جماعة الحوثي أنصاره على التبرع للبنك المركزي اليمني في صنعاء، في خطوة ومحاولة رد جديدة منه إزاء قرار الرئيس الشرعي هادي، بشأن نقل إدارة وصلاحيات البنك المركزي من العاصمة صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن، الأسبوع الماضي.
ودعا الحوثيون أنصارهم إلى الاستمرار في التبرع للبنك في محاولة منهم لتوفير السيولة النقدية التي تسببت أزمتها بوصول البنك إلى حافة الإفلاس والانهيار الشامل، مما أدى بالسلطة الشرعية إلى اتخاذ قرارها الصادم للميليشيات الانقلابية التي أقدمت مؤخرا على فرض مبالغ مالية ودعوة أتباعها والمواطنين عامة للتبرع سواء من خلال الاستقطاع من المرتبات أو بإضافة مبالغ رسوم إلى قيمة الفواتير المحصلة نظير الخدمات الأساسية. وقالت إحدى الرسائل التي بثها الحوثي على الجوال: «للمشاركة في الحملة الوطنية للتضامن مع البنك عبر رسائل SMS، أرسل من أجل التبرع بـ100 ريال يمني أو 500 ريال أو 1000 ريال».
وكان زعيم الجماعة الحوثية طالب في خطاب له بثته قناة موالية للجماعة، قبل أيام، المواطنين بالتبرع بخمسين ريالا يمنيا، أي ما يقل عن ربع دولار أميركي، مما أثار عليه سخط وتهكم اليمنيين الذين قابلوا دعوته بالسخرية والهزل وفي مختلف وسائل التواصل الاجتماعي. وتواصلت حملة ناشطة في مواقع التواصل وبشكل واسع النطاق، هازئة وساخطة من مطالبة عبد الملك الحوثي، زعيم المتمردين الحوثيين، لأنصاره بالتبرع للبنك المركزي اليمني.
إلى ذلك، قال القيادي الموالي لصالح، أحمد الحبيشي، رئيس المركز الإعلامي للمؤتمر الشعبي العام، إن العملة اليمنية التي تمت طباعتها في روسيا، وتحدث عنها عدد من وسائل الإعلام منذ شهرين، ذهبت إلى البنك المركزي في عدن.
وأشار رئيس صحيفة «14 أكتوبر» سابقا، إلى أن الكمية التي طبعت تم طباعتها بمذكرة رسمية وجهت من محافظ البنك المركزي اليمني الأسبق، محمد عوض بن همام، إلى شركة روسية، في مقاطعة سان بطرسبورغ بجمهورية روسيا الاتحادية. ولفت إلى أن الطباعة تمت بالتنسيق مع رئيس حكومة هادي، أحمد بن دغر ووزير المالية في الحكومة ذاتها، موضحا أنه وبموجب المذكرة تمت طباعة 14 مليار ريال يمني (نحو 600 مليون دولار)».
وأكد الحبيشي في منشور له في صفحته على موقع «فيسبوك» أن قيمة الطباعة حولت بالدولار من حسابات البنك المركزي اليمني بتوقيع بن همام، مشيرا إلى أن الكمية المطبوعة وصلت إلى فرع البنك المركزي اليمني في «عدن». وأوضح الحبيشي، أن بن دغر، بادر بتوجيه البنك المركزي في عدن إلى تعزيز مؤسسة كهرباء عدن بمبلغ 4 مليارات ريال يمني (نحو 16 مليون دولار) من هذه الكمية، لتحسين أوضاع الكهرباء، وصرف الرواتب المتراكمة منذ عدة أشهر لعمال وموظفي قطاع الكهرباء في المحافظات الجنوبية.
ويأتي كشف الحبيشي عن تلك النقود عقب تيقنه من قادة الانقلاب بأن تلك المبالغ ذهبت إلى العاصمة المؤقتة للبلاد «عدن» وليس إلى العاصمة صنعاء مثلما كان مزمعا لها أن تذهب قبل اتخاذ السلطة الشرعية قرارها بنقل إدارة البنك وتحويل أي إيرادات أو مساعدات أو قروض أو سيولة نقدية جديدة إلى وجهتها الجديدة وبعيدا عن سلطة الميليشيات الانقلابية التي يتحدث عنها القيادي الموالي لصالح.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».