سوريا.. صوم الجوع والبؤس تحت قاذفات الروس وحصار النظام وما يسمى «حزب الله»

سوريا.. صوم الجوع والبؤس تحت قاذفات الروس وحصار النظام وما يسمى «حزب الله»
TT

سوريا.. صوم الجوع والبؤس تحت قاذفات الروس وحصار النظام وما يسمى «حزب الله»

سوريا.. صوم الجوع والبؤس تحت قاذفات الروس وحصار النظام وما يسمى «حزب الله»

يتعاقب الموت والعنف على السوريين دون أن تلوح في أفق الأزمة بوادر حل تساهم في وقف آلة القتل التي تستمر في حصد أرواح الأبرياء واستباحة الدماء في شهر رمضان المبارك والأعياد، على غرار أيام السنة.
شهر رمضان الذي يعد فرصة للبحث عن سلام النفس والسكينة، حاولت قبله وأثنائه المنظمات الدولية والإنسانية، منذ بدء النزاع في سوريا، استغلال هذه المناسبة للتوصل إلى هدنة مؤقتة ربما تقي السوريين شر القتل والتشرد. إلا أن أشهر رمضان، التي مرت على السوريين وسوريا بعد الانتفاضة الشعبية التي سرعان ما تحولت إلى حرب أهلية بسبب قمع قوات النظام، لم تشهد أي تغيير على صعيد استمرار "حمام الدم" من جراء أعمال العنف.
فالعنف المتنقل في كافة المناطق السورية تقريبا، الذي ترتكبه القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها وفصائل المعارضة المسلحة والتنظيمات المتطرفة، لم يحترم "قدسية" هذا الشهر كما لم يحترم المناسبات الأخرى لكافة الأديان.
يموت في سوريا الآلاف جوعًا جراء الحصار المفروض عليهم من النظام السوري من جانب، ومليشيات تنظيم "داعش" المتطرف من جانب آخر، إضافة إلى ما يسمى "حزب الله".
الشعب السوري، فُرض عليه الإبادة والتشرد. ومن لم يُقتل بقاذفات النظام والمقاتلات الروسية وتفجيرات "داعش" وتجويع حزب الله، ينزح إلى المجهول داخل سوريا بحثًا عن "ملاذ آمن"، أو الهروب خارج البلاد، أو البحث عن اللجوء في دولة أوروبية، حيث يجد نفسه ضحية لمافيا التهريب وقوارب الموت في عرض البحر، أو الوضع المأساوي على الحدود الأوروبية.
قوات النظام السوري وحزب الله اللبناني، تحاصر مدن مضايا، وجيرود، والرحيبة، (شمال العاصمة)، والمعضمية، وداريا، والزبداني، (غرب دمشق)، ومناطق الغوطة الشرقية (كفر بطنا، وعين ترما، ودوما، وجوبر، في شرق دمشق)، ومخيم اليرموك، والحجر الأسود، وحي التضامن، وبلدة كناكر، (جنوب العاصمة)، إلى جانب مدينتي تلبيسة، والرستن ومنطقة الحولة، بريف حمص الشمالي، وحي الوعر بمركز حمص، كلها تخضع لسيطرة قوات المعارضة.
وتطوق قوات المعارضة بلدتي الفوعة، وكفريا، شمال شرقي إدلب، إلا أنها تسمح بدخول المساعدات إليها، فيما يحاصر تنظيم "داعش"، مركز محافظة دير الزور (شرق سوريا).
ويعيش 535 ألف شخص تحت الحصار، ويتوزع 50 ألفًا منهم في مضايا، و325 ألفًا في الغوطة الشرقية، و40 ألفًا في المعضمية وداريا، 60 ألفًا في مخيم اليرموك، والحجر الأسود (دمشق)، و15 ألفًا في حي الوعر (حمص)، و20 ألفا ًفي مركز دير الزور، و25 ألفًا في الفوعة وكفريا (إدلب).
وفي هذا الإطار قال يان إيجلاند مستشار المبعوث الدولي إلى سوريا، في تصريح سابق، إنهم تمكنوا من إيصال مساعدات إنسانية إلى 160 ألف مدني فقط في سوريا خلال مايو (أيار) الماضي، من أصل نحو مليون شخص يعيشون تحت الحصار.
ولفت إيجلاند، إلى أن الوضع الإنساني في كل من "داريا"، و"دوما"، و"المعضمية" (مناطق في ريف دمشق) حرج للغاية، مضيفًا، أن "الأطفال الذين يواجهون الجوع في المعضمية، سيموتون في حال لم نتمكن من الوصول إليهم".
وكان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة استيفان دوغريك، أعلن مطلع يونيو (حزيران) الحالي، عن وصول أولى قوافل الإغاثة الإنسانية إلى مدينة داريا، وذلك لأول مرة منذ نحو 4 سنوات، فيما لم يسمح النظام السوري بدخول الأدوية، والمواد الغذائية للأطفال، واللقاحات.
وسبق أن منعت قوات النظام السوري، في 12 مايو الماضي، دخول قافلة إلى داريا رغم وصولها إلى أطراف المدينة وحصولها على موافقة النظام.
وصرح المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، في 19 مايو الماضي، أنه "إذا لم يُسجل أي تطور بشأن توصيل المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة في سوريا حتى مطلع يونيو فإننا سنلجأ إلى تقديمها عبر الجو، كحل أخير".
وقال مساعد موفد الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا رمزي عز الدين رمزي، الخميس الماضي، "ننتظر موافقة النظام السوري، لإلقاء مساعدات جوا على مناطق محاصرة لم تصلها عبر البر"، فيما تحافظ إدارتا واشنطن وموسكو، على صمتهما بخصوص مسألة إنزال المساعدات جوًا.
وكان مجلس الأمن الدولي، اعتمد بالإجماع، في 27 فبراير (شباط) فبراير الماضي، قرارًا أميركيًا روسيًا، حول "وقف الأعمال العدائية في سوريا، والسماح بالوصول الإنساني للمحاصرين".
جولة محادثات جنيف الأخيرة بين النظام والمعارضة السورية، التي جرت في أبريل (نيسان) الماضي، لم تسفر عن نتائج، وأعلنت المعارضة حينها أنّ الانتهاكات المتكررة من قِبل النظام لـ"اتفاق وقف الأعمال العدائية"، الذي بدأ سريانه في 27 فبراير الماضي، أودت بالمحادثات إلى طريق مسدود.
وكانت هذه الجولة من المحادثات الرامية لإيجاد حل سياسي للحرب في سوريا، التي تعد الثالثة، انطلقت في 13 أبريل الماضي، لكنها تأزمت بإعلان "الهيئة العليا للمفاوضات" تعليق مشاركتها بها في 20 من الشهر ذاته، بسبب تصعيد قوات النظام وحلفائه للقتال، وعدم اتخاه خطوات على صعيد إطلاق سراح المعتقلين أو السماح بدخول المساعدات.
العديد من السوريين الذين تضرر اقتصاد بلدهم بشدة بسبب الحرب الأهلية الممتدة منذ أكثر من خمسة أعوام، يشتكون الأوضاع التي أصبحت أكثر صعوبة، بيد أن الكثير من السكان فقدوا القدرة على الإحساس بروحانيات شهر الصوم.
وقال أحد سكان دمشق ويدعى أبو أنس "بالمختصر بسط (فرحة) ما فيه. يعني من الناحية النفسية. ثانيا الحالة الاقتصادية ما عادت تسمح لا الواحد يجيب معمول ولا يجيب حلويات ولا يجيب الشغلات اللي كان يحتفل فيها الواحد، فالجو كله صار بشكل عام يختلف عن رمضانات السابقة".
وقال آخر يدعى محمد حلاوني، إن الناس أصبحوا يركزون أكثر على الاحتياجات الضرورية فقط. وأضاف: "الناس كانت بوضع مرتاح أكتر من الآن طبعاً، هلا الحمد لله على كل حال إحنا ما بنحكي على بلدنا بالخصوص هي رفقات كثير بره البلد الغلاء وين ما كان".
ولم يطرأ تحسن يُذكر على القوة الشرائية لليرة السورية.
وقال أحد سكان دمشق: "كل واحد بيحضر لرمضان على قد مستواه بينزل على السوق الفقير بياكل والغني بياكل والحمد لله: شلون بدك تفسرها فسرها".
وعلى الرغم من الانتشار واسع النطاق للدمار الناجم عن الحرب الأهلية والعقوبات الغربية المفروضة على سوريا، إلا أن مصرفيين قالوا إن العملة السورية نجحت حتى الآن في تجنب الانهيار التام ويرجع ذلك لضخ مساعدات هائلة من إيران الحليف الإقليمي لسوريا.
ويُعتقد أن إيران أودعت مئات الملايين من الدولارات في الاحتياطي السوري المنهك الذي كان يبلغ 17 مليار دولار قبل بدء الأزمة.
ووفقاً للمعطيات، فإن رمضان هذه السنة لن يكون مختلفاً عن سابقه، بل امتداد لمعاناة السوريين في ظل غياب أي مؤشرات لتسوية سياسية مازالت غير واضحة حتى الآن.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.