شاكا.. قائد بالفطرة سيمنح آرسنال مزيدًا من الصلابة

تألق بشكل لافت مع مونشنغلادباخ ليقنعه فينغر باللعب في الدوري الإنجليزي

شاكا اكتاف لاعب جديد يتميز بالقوة والمهارة (إ.ب.أ)
شاكا اكتاف لاعب جديد يتميز بالقوة والمهارة (إ.ب.أ)
TT

شاكا.. قائد بالفطرة سيمنح آرسنال مزيدًا من الصلابة

شاكا اكتاف لاعب جديد يتميز بالقوة والمهارة (إ.ب.أ)
شاكا اكتاف لاعب جديد يتميز بالقوة والمهارة (إ.ب.أ)

كان مدرب بوروسيا مونشنغلادباخ المؤقت، أندريه شوبرت، يجول بناظريه في لاعبيه بحثا عن قائد لفريقه. كان قد خسر 5 مباريات متتالية في بداية موسم الدوري الألماني الماضي في وقت أبعدت فيه الإصابات قائدي الفريق، مارتن سترانزل وتوني يانتشكه.
كان الفريق يحتل قاع الدوري الألماني الممتاز «البوندسليغا»؛ إذ كان لا يزال يعاني جراء رحيل المدرب صاحب الشعبية الطاغية لوسيان فاف، الذي نجح في الوصول بالفريق إلى دوري الأبطال في الموسم السابق، واحتاج شوبرت إلى شخص يمكنه قيادة مونشغلادباخ.
كان بإمكانه أن يلجأ إلى الحارس السويسري الدولي، يان سومر، أو لارس ستيندل، الذي كان قائدا ملهما لهانوفر قبل رحيله في 2015، لكنه لم يلجأ إلى أي من هذين الخيارين، واختار بدلا من هذا لاعبا في الـ22 من العمر يحمل تاريخا حافلا بالبطاقات الصفراء والحمراء، وبقدر كاف من هذه البطاقات ليثير احتجاجات من البعض.
قال شوبرت: «هناك اثنان أو ثلاثة آخرون كان يمكن اختيارهم لقيادة الفريق بعد يانتشكه. لكنني اخترت غرانيت شاكا لأنه لاعب مهم بالنسبة لنا، لما يتمتع به من الكثير من الصفات الجيدة. غير أنه يعد كذلك شخصا عليه أن يتعلم أن يتحمل المسؤولية».
كانت هذه مغامرة كبيرة، لكنها مغامرة محسوبة. كان من الممكن تؤدي بالسلب على شاكا، لكن ما حصل أنه نضج بصفته لاعبا يتحمل المسؤولية. كانت أول مباراة يلعبها شاكا بصفته قائدا للفريق، على ملعبه ضد أوغسبورغ، نموذجا مصغرا بالنسبة إلى اللاعب: معدلات جري غير عادية، وعمليات مكثفة لاستخلاص الكرة عن طريق الزحلقة، وهدف، وتمرير رائع، ثم تبديله في الدقيقة الـ77 بعد حصوله على بطاقة صفراء، بعد أن تسبب بركلة جزاء، وأصبح مهددا بالطرد. لاعب مهم، لكن بقاءه في الملعب يمثل خطرا على فريقه كذلك.
كانت المباراة السادسة لشاكا في الدوري مع 3 إنذارات ينالها. وبحلول المباراة رقم 17 من الموسم، كان تعرض للطرد 3 مرات. كل ما هنالك أنه لم يملك أن يمنع نفسه من نيل البطاقات.
لكن ببطء، اعتاد شاكا على دوره بصفته قائدا للفريق، ونضج في الملعب، وبات قادرا على أن «يكون أكثر توازنا في أدائه»، وأصبح «أكثر هدوءا»، بحسب شوبرت. كان المدرب محقا. بعد الطرد الثالث، الذي جاء في 31 أكتوبر (تشرين الأول)، لم ينل شاكا إلا بطاقة صفراء واحدة بعد ذلك، وحتى نهاية الموسم. تعافى الفريق بقيادة شاكا من بدايته المخيفة وأنهى الموسم في المركز الرابع.
انضم السويسري الذي أكمل عامه الـ23 عاما هذا الأسبوع، إلى آرسنال مقابل 35 مليون جنيه، ليصبح ثالث أغلى صفقة في تاريخ المدفعجية، بعد مسعود أوزيل وأليكسيس سانشيز. كلف شاكا النادي 3 أضعاف مواطنه الدولي السويسري وزميله بالفريق شيردان شاكيري، عندما انتقل إلى ستوك في يناير (كانون الثاني).
قال أرسين فينغر: إن آرسنال تابع اللاعب بانتظام على مدار ما يزيد على عام، وأقر شاكا بأن الفرنسي كان سببا كبيرا لانضمامه إلى صفوف المدفعجية. قال شاكا لموقع بليك عن فينغر: «هو أسطورة. حصل أول تواصل بيننا قبل عام. اتصل بي هاتفيا. وكنت لا أكاد أستطيع أن أتحدث».
كان يمكن أن ينضم شاكا إلى أتلتيكو مدريد الموسم الماضي، لكن رغم حقيقة أن النادي الإسباني وصل إلى نهائي دوري الأبطال مرتين في 3 سنوات، فإن السويسري يثق بأنه قام بالاختيار الصحيح ببقائه مع فينغر (وهو ما يوحي بأنه، مهما يكن ما يفكر فيه أنصار رحيل فينغر، إلا أن الفرنسي ليس سيئا تماما).
وأضاف شاكا: «أبدى آرسنال اهتماما حقيقيا بي منذ وقت طويل، وأعتقد أنني مناسب للطريقة التي يلعب بها آرسنال. أنا لاعب كرة جيد، لكنني أحب الالتزام كذلك. ودائما ما كان يقدم آرسنال خلال السنوات القليلة الماضية كرة قدم رائعة وجذابة، وهذه خطوة كبيرة بالنسبة لي».
ومضى شاكا ليقول: إن حقيقة أنه كان يقود مونشغلادباخ من داخل الملعب في مثل هذه السن الصغيرة «لم تكن بالشيء العادي». لكنه شاكا ليس لاعبا عاديا كذلك. لقد اضطر هذا الشاب المولود في سويسرا لأبوين من كوسوفو، إلى أن يحطم الحواجز ليصل إلى حيث هو اليوم. في فترات ليست ببعيدة كان يعد المثال الأوفى على عملية الاندماج الناجحة في البلاد، لكن الأمر لم يكن بمثل هذه السهولة دائما.
سئل في 2012 عما إذا كان تعرض للتمييز بسبب خلفيته الألبانية، فقال لصحيفة «شويتز أم سونتاغ» (سويسرا اليوم): «نعم، بالتأكيد. لم يكن ينظر إلي أبدأ بجدية بصفتي شخصا سويسريا. ولطالما سمعت الناس يقولون أشياء من قبيل، هؤلاء الألبان الحقراء دائما، لكنني لم أدع مثل هذه الأشياء تنال من عزيمتي؛ لأنني كنت أعرف دائما أنها مجرد شعارات».
وتابع: «هناك كثير من المناسبات التي يتسبب فيها الألبان بمشكلات، لكننا كذلك شعب طيب جدا. والناس ينسون أحيانا أن هناك أشخاصا جيدين من البلقان كذلك. والفارق الأكبر بيني وبين أي شخص آخر مولود في سويسرا هو الاسم. هذا كل ما في الأمر. إذا ذهب ماكس مولر وفلامور بيريشيا إلى فترة التدريب المهنية نفسها فمن المرجح أن تذهب الوظيفة إلى ماكس مولر، وهو ما أراه شيئا غبيا».
نجح شاكا وشقيقه، تاولانت، الذي سيمثل ألبانيا في يورو 2016 في البقاء بمنأى عن المشكلات في سنوات عمرهما الأولى، حيث كرسا نفسيهما لكرة القدم. بدأ كلاهما لعب كرة القدم في فريق الناشئين في بازل وتدرجا في صفوف الفريق، وانتقلا إلى الفريق الأول في بداية موسم 2010 - 2011».
في 2012 انضم غرانيت إلى مونشغلادباخ، وسرعان ما أظهر أنه لاعب يتمتع بقدر كبير من الثقة في إمكاناته. بعد شهور قليلة، وعندما كان احتياطيا في غالبية المباريات، قال اللاعب صاحب الـ20 عاما للصحافة آنذاك إنه «سيتحدث إلى المدرب وسأثبت بالفعل أنني قادر على اللعب على أعلى المستويات».
لم تجد هذه التصريحات صدى طيبا لدى زملائه في الفريق أو المدرب فافر، لكنه رغم مغازلة نادي لاتسيو الإيطالي للاعب، فقد استمر مع غلادباخ. ولاحقا، عندما سئل عما تعلمه من خلال اكتساب الخبرة، قال شاكا: «أن أقلل من الكلام مع الصحافة» قبل أن يضيف: «لا ألوم الصحافيين، لكنني سأقول أشياء مختلفة من الآن فصاعدا. كنت أتحدث بشكل مباشر جدا. وما كان ينبغي لي أن أتحدث بمثل هذه المكاشفة عما أفكر به».
ومنذ ذلك الحين ترك شاكا لأدائه مسؤولية الحديث عنه، فأظهر تحسنا في كل من الأعوام الأربعة التي قضاها في غلادباخ. وليس هنالك شك بأنه سيكون ركيزة مهمة بالنسبة إلى آرسنال مع قرار فينغر أخيرا بأن يلجأ إلى مزيد من القوة في وسط الملعب بجانب كل المهارات الموجودة. ولا يعني هذا أن شاكا لا يتمتع بالمهارة، بل إنه يجمع بين مهارات الدفاع والهجوم، ففي لحظة تراه يقوم باستخلاص الكرة عن الطريق الزحلقة، وفي لحظة أخرى تجده يرسل عرضية، مثل تشابي ألونسو.
يواصل شاكا تطوير الطريقة التي كان يؤدي بها على مدار السنوات الأربع الماضية، وسيكون قائد آرسنال في المستقبل. وبحلول نهاية موسم 2014 - 2015، كان شاكا قد لعب 9 مباريات رغم تعرضه لكسر في أحد ضلوعه، حيث لعب أولا مستعينا بوسائل حماية خاصة ومسكنات، قبل أن يتخلى عن كل هذا ويلعب رغم معاناته من الألم. قال لصحيفة «دير إكسبرس»: «أحيانا يشبه الألم الجحيم، لكن كان هذا يحدث بالأساس عندما أكون مستلقيا على الأريكة في منزلي. لكن عندما كنت ألعب كنت أدخل في حالة من التركيز لدرجة لا تجعلني مهتما بضلعي المكسور. وقد كان علينا أن نتأهل لدوري الأبطال».
وربما كان هذا السلوك وتلبية نداء الفريق دائما هو ما ينقص آرسنال على مدار السنوات القليلة الماضية. لن يغير لاعب واحد عقلية فريق بأكمله، ولكن شاكا أثبت في غلادباخ أنه يستطيع إلهام زملائه بالفريق بحماسه ومعدلات عمله الكبيرة.
لقد كسب فينغر قائدا في الـ23 من العمر، وربما يحتاج إلى مزيد من اللاعبين من هذه النوعية ليفوز بلقب الدوري المراوغ، لكن على الأقل هي خطوة في الاتجاه الصحيح.



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.