نيوكاسل.. إدارة فاشلة قادته إلى المجهول

سقط الفريق في هذا المستنقع رغم إنفاق 80 مليون إسترليني على اللاعبين الجدد هذا الموسم

«لانطالب بفريق يفوز وإنما بإدارة تحاول».. هكذا انتقدت جماهير نيوكاسل مالك النادي («الشرق الأوسط»)    .. وباءت محاولات بينيتيز بالفشل (رويترز)
«لانطالب بفريق يفوز وإنما بإدارة تحاول».. هكذا انتقدت جماهير نيوكاسل مالك النادي («الشرق الأوسط») .. وباءت محاولات بينيتيز بالفشل (رويترز)
TT

نيوكاسل.. إدارة فاشلة قادته إلى المجهول

«لانطالب بفريق يفوز وإنما بإدارة تحاول».. هكذا انتقدت جماهير نيوكاسل مالك النادي («الشرق الأوسط»)    .. وباءت محاولات بينيتيز بالفشل (رويترز)
«لانطالب بفريق يفوز وإنما بإدارة تحاول».. هكذا انتقدت جماهير نيوكاسل مالك النادي («الشرق الأوسط») .. وباءت محاولات بينيتيز بالفشل (رويترز)

إذن كان جون كارفر على صواب رغم كل شيء. قبل ما يزيد قليلا على العام، زعم مدرب نيوكاسل المؤقت أن أي مدرب، ولو كان من الطراز العالمي، سيعاني في ملعب سانت جيمس بارك (معقل نيوكاسل)، ولا شك تماما بأن المدرب المؤقت الحالي رفائيل بينيتيز قد أكد هذه النظرية.
عندما تولى بينيتيز المسؤولية، قبل شهرين، خلفًا لستيف ماكلارين، كان أمامه 10 مباريات ليبقي نيوكاسل في الدوري الممتاز (البريميرليغ)، وكان يعتقد لسبب وجيه، أنه يمكن أن ينجح في هذا. لكن بعد 9 مباريات - فاز في اثنتين وخسر 3، وتعادل في 4 – هبط الفريق، غير أن هذا السقوط المدوي وبثمن باهظ إلى الدرجة الثانية (الأولى في الدوري الإنجليزي - تشامبيونشيب)، ليس خطأ المدرب الإسباني إلى حد بعيد. لقد أدى بينيتيز بشكل جيد جدًا في ظل هذه الظروف. يحافظ فريقه الذي تحسن كثيرا على سجله خاليا من الهزائم على مدار 5 مباريات، لكن عيوب الفريق ثبت أنها أكبر من ألا يهبط مدرب ليفربول وريال مدريد السابق على يد سام ألاردايس مدرب سندرلاند.
ولو كان تعيين بينيتيز جاء في وقت مبكر قليلا، لكانت اختلفت الأمور، لكن كما هو الحال، يفكر الرجل الآن فيما بين الاستعانة بشرط لفسخ تعاقده الممتد لـ3 سنوات والهروب، أو يستمر لموسم في الدرجة الثانية مع ناد وقع بالفعل فيما يشبه الغرام معه. بعدما حصل، على ما يبدو، على صلاحية اختيار الصفقات الجديدة وكذلك الضوء الأخضر لإصلاح أكاديمية الناشئين، والقسم الطبي، وملعب التدريب، تقول المؤشرات بأنه قد يقول «نعم» لمايك أشلي، مالك نيوكاسل.
وفي حال أصبح هذا الموقف واقعًا قبل مباراة اليوم التي يخوضها نيوكاسل على ملعبه أمام توتنهام هوتسبير، فإن أولئك المشجعين الذين خططوا للذهاب بأعداد كبيرة وأن يناشدوا بينيتيز ألا يرحل من خلال الهتاف باسمه على مدار الـ90 دقيقة، سيجدون ما يسكن ألم الهبوط. ومع هذا، ففي حال رحل الرجل، فسيتبخر الإحساس بأن الفريق سينتظر عاما واحدا فقط في الدرجة الثانية، من أجعل العودة من جديد للقتال على مكان في دوري أبطال أوروبا. من المتوقع أن يتصاعد الغضب إلى جانب حالة خيبة الأمل، بالنظر إلى أن المدرب الجديد - اسمه ستيف بروس مدرب هال سيتي ذكر بالفعل – يعتبر تقريبا خطوة كبيرة إلى الوراء.
وبالنظر إلى أن هذا هو الهبوط الثاني لنيوكاسل في 7 سنوات، فإن إخفاق مجلس النادي في إدراج بنود في عقود اللاعبين تخفض مرتباتهم بنحو 50 في المائة في حالة الهبوط، يبدو من قبيل الإهمال. وإذا كان هناك من يريد مثالا على الغطرسة، فلن يحتاج إلا أن ينظر إلى مجلس إدارة سانت جيمس بارك.
وتجعل الرواتب المرتفعة التخلص من الأفراد غير المرغوب فيهم أمرا أكثر تعقيدا. ومن الأمثلة على ذلك لاعب الوسط السنغالي هنري سايفت، الذي تم التعاقد معه في إطار سياسة التعاقدات القديمة لنيوكاسل، حين لم يكن للمدرب أي رأي حقيقي فيمن يأتي ومن يرحل، وكانت الفكرة هي التعاقد مع لاعبين في الـ25 من العمر أو أقل، ويتمتعون بقدرات من شأنها زيادة قيمتهم عند بيعهم. وكلف لاعب الوسط المدافع النادي نحو 5 ملايين جنيه، وهو يحصل على راتب قيمته 35 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع. لم يكن لماكلارين دور إلى حد بعيد في التعاقد معه، ولا يرى بينيتيز غير المقتنع بأدائه أنه يستحق مكانا على مقاعد البدلاء، ومن الصعب أن يكون هناك تنافس كبير من جانب الأندية على ضمه.
إن كل الأندية تقع في أخطاء فيما يتعلق بسوق الانتقالات، لكن نيوكاسل، في ظل تولي غراهام كار، كبير الكشافين، ولي تشارنلي، الرئيس التنفيذي، مسؤولية التعاقدات، ارتكب أخطاء أكبر بكثير من معظم الأندية. والأسوأ من هذا أن النادي يبدو غريبا على مفهوم بناء فريق، بسبب اقدامه جمع مجموعة من الأفراد المنفصلين وغير المنسجمين. كان هذان المسؤولان عن التعاقدات يتصرفان كمشترين يجمعون قطعا متنوعا من القماش الفاخر المكلف من أجل تفصيله، من دون أن يدرسوا ما إذا كانت هذه القطع متماشية مع بعضها بعضًا أو ما إذا كانت الألوان متناسقة، ولهذا فقد شكلا في نهاية المطاف النموذج المعاكس لليستر سيتي.
بماذا أيضًا تفسر هذا الواقع الصادم وهو أنه رغم إنفاق النادي 80 مليون جنيه على اللاعبين الجدد هذا الموسم - ليس هناك من أنفق أكثر من هذا الرقم سوى مانشستر سيتي - انتهى الحال بالفريق في هذه الفوضى.
في حين أنفق سام ألاردايس 15 مليون جنيه على المدافع الألماني يان كيرشوف والمدافع الدولي الإيفواري لامين كونيه ولاعب الوسط التونسي وهبي الخزري في يناير (كانون الثاني)، فقد أغدق كار وتشارنلي الأموال على فريق ماكلارين، من خلال إنفاق 30 مليون جنيه على سايفت، ولاعب الوسط جونجو شيلفي والجناح أندروس تاوسند، وكذلك على المهاجم الإيفواري سيدو دومبيا المعار من فريق روما الإيطالي. ومن بين هذا الرباعي، ليس هناك من يلعب أساسيا في عهد بينيتيز سوى تاوسند، أما دومبيا فلم يعد يسافر مع الفريق.
ومن الـ50 مليون جنيه التي أنفقت في الصيف، أعيد الجناح فلوريان توفين الذي تكلف التعاقد معه 12 مليونا، إلى مرسيليا على سبيل الإعارة، وما زال كل من لاعب خط الوسط الهولندي جورجينيو فينالدوم والمهاجم الصربي أليكساندر ميتروفيتش لم يقدما ما يستحق للحكم عليهما. ومع هذا فالإدانة الكبرى، هي بأن فريقا يعاني بالفعل من وجود عدد مبالغ فيه من اللاعبين الفرنكفونيين، كان مع هذا مليئا بالثغرات في هيكله. وخلال مبارياته الأولى مع الفريق اضطر بينيتيز إلى توظيف لاعبي وسط الملعب في مركز الظهير الأيسر.
وإذا لم يكن من قبيل المبالغة القول بأن النادي خسر وجوده في البريميرليغ بسبب افتقاره لظهير أيسر، فإن حماقة عدم التفكير في التعاقد مع لاعبيه في نهاية العشرينات من العمر فأكبر، تتضح من خلال الأداء البطولي لجيرمين ديفو، صاحب الـ33 عاما، مع سندرلاند. صحيح أن مهاجم منتخب إنجلترا لا يمثل قيمة عالية عند إعادة بيعه، ولكن بفضل نجاحه في تأمين البقاء لفريقه، فإن أهدافه تساوي 100 مليون جنيه على الأقل بالنسبة إلى سندرلاند.
إن قرار أشلي تفويض مسؤوليات كرة القدم إلى تشارنلي وكار، بينما يستعين بمستشاره للعلاقات العامة، كيث بيشوب، كوسيط بينهما، قد جاء بمردود عكسي للغاية. وإذا كانت هناك أسئلة لا بد وأن تطرح بشأن مستقبل تشارنلي كار - رغم أنه يعتقد بأن أشلي قد يعفي الأخير - فسيكون من عدم الحكمة أن يحاول مالك النادي وبيشوف أن يفرضا شروطهما على بينيتيز، فوراء هذا الوجه الودود للمدرب صاحب الـ56 عاما، مفاوض سياسي ماهر، ربما بنفس مستوى المدير الرياضي. وعلى خلاف ماكلارين أو الآن باردو، فإن بينيتيز ليس من النوع الذي من السهل ترويضه، وموقعه الإلكتروني يوحي بأنه قد يلقن بيشوب درسا أو اثنين في العلاقات العامة.
وعلى خلاف جاره سندرلاند، الذي أظهرت حساباته الأخيرة تعرضه لخسائر بلغت 35 مليون جنيه، فإن حسابات نيوكاسل الأخيرة تظهر أرباحا بـ32 مليون جنيه، وسوف يستفيد من أرباح الموسم القادم المقدرة بـ37 مليون جنيه، والتي تتوفر تلقائيا للأندية التي هبطت من البريميرليغ. كما ينتظر أن يحصل النادي على مزيد من الأموال نظير بيع لاعبين من أمثال موسى سيسوكو، فينالدوم، وبابيس سيسيه وتاوسند - رغم أن مسؤولي سانت جيمس قد يقاتلون للاحتفاظ بالأخير - وهو ما يضع نيوكاسل في وضعية جيدة لبناء فريق قادر على العودة مباشرة إلى أضواء البريميرليغ.
يريد شيلفي، القادم من سوانزي سيتي مقابل 12 مليون جنيه، أن يبقى ويمكن أن يكون مؤثرًا للغاية على مستوى الدرجة الأولى، لكن ما كان ينبغي أن يصل حال الفريق إلى هذا، خاصة بعد أن أنفق 80 مليونا في موسم واحد. ومع هذا، فما يهم الآن هو إقناع بينيتيز بطريقة أو بأخرى بالبقاء، قبل السماح له بتنفيذ عملية إصلاح واسعة النطاق. وعدا هذا، سيكون البديل مؤلما، بما يصعب تخيله.



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.