صناعة السيارات في الصين تعتمد خطة توسعية لا توازيها زيادة المشترين

توقعات بإنتاج يفوق نظيريه الأميركي والأوروبي مجتمعين

إعلان في مدينة غوانزو الصينية عن سيارة «كاديلاك» مغمورة في حوض تحت الماء مع أسماك الزينة (غيتي)
إعلان في مدينة غوانزو الصينية عن سيارة «كاديلاك» مغمورة في حوض تحت الماء مع أسماك الزينة (غيتي)
TT

صناعة السيارات في الصين تعتمد خطة توسعية لا توازيها زيادة المشترين

إعلان في مدينة غوانزو الصينية عن سيارة «كاديلاك» مغمورة في حوض تحت الماء مع أسماك الزينة (غيتي)
إعلان في مدينة غوانزو الصينية عن سيارة «كاديلاك» مغمورة في حوض تحت الماء مع أسماك الزينة (غيتي)

يعد مصنع سيارات «كاديلاك» الجديد، الواقع في ضواحي مدينة شنغهاي الصينية، من مزارات التصنيع الحديث الرائعة، وهو ذلك النوع من المصانع التي يحلم صناع السيارات في جميع أنحاء العالم ببناء مصنع مماثل له، ولكن نادرا ما يمكنهم تحمل التكاليف.
وتعمل المئات من الروبوتات، التي تقوم بمختلف المهام والأعمال بالمصنع، على تجميع الجسم الرئيسي لسيارة «كاديلاك» الجديدة طراز «سي تي 6». ويجري تجميع الجسم الخارجي للسيارة الجديدة المصنوع من معدن الألمنيوم خفيف الوزن باستخدام مثبتات الليزر، وهي أساليب حديثة للغاية في تجميع السيارات كانت شركة «جنرال موتورز» الأميركية أول من استخدمها في مصانعها بالولايات المتحدة. وتعمل روبوتات ياردلونغ الصينية، على غرار مثيلاتها الميكانيكية الأميركية في ولاية ألاسكا، على سحب عربات الأدوات التي يبلغ طولها خمسة أقدام إلى خط تجميع السيارات.
يقول بول بيوتاو، رئيس خط التصنيع لدى شركة «جنرال موتورز» في الصين، إن «خطوط الإنتاج تبدو على غرار خطوط تكنولوجيا صناعة الطائرات أكثر من كونها خطوط إنتاج سيارات تقليدية، حيث نرى هياكل السيارات المصنوعة من الصلب التي يجري تجميعها في موقع واحد».
ويأتي ذلك المصنع الجديد بوصفه جزءًا من خطة التوسع الجريئة للغاية التي اعتمدتها شركات صناعة السيارات في الصين، التي تعد أكبر سوق للسيارات الجديدة في العالم والأمل الأكثر إشعاعا لتلك الصناعة العملاقة خلال الـ15 عاما الماضية. لكن الاقتصاد الصيني يشهد تباطؤا كبيرا في الآونة الأخيرة، مما يترك لكثير من صناع السيارات عديدا من المصانع العاملة، وما لا يكفي من المشترين.
وتعتزم شركة «جنرال موتورز» افتتاح مصنع جديد في الصين، في مقاطعة ووهان، بتكلفة مليار دولار في مطلع العام المقبل. كما تخطط شركة «فولكسفاغن»، المنافس الرئيسي لشركة «جنرال موتورز» في الأسواق الصينية، لافتتاح مصانع كبرى لتجميع السيارات خلال العام المقبل إلى جانب مصانعها الحالية والموجودة في مدن فوشان، ونينغبو، وبيتشنغ، وتهدف إلى بناء مصنع آخر في مدينة تشينغداو بحلول عام 2018. وتخطط شركة «هيونداي» الكورية إلى استكمال تشييد مصنعها الواقع إلى جنوب العاصمة بكين بحلول شهر أكتوبر (تشرين الأول) ، وبناء مصنع آخر في مدينة تشونغتشينغ بحلول العام المقبل، بينما تدخل شركات صناعة السيارات الصينية مثل «غريت وول» و«تشانغان» على خط بناء مزيد من المصانع بقدرات تصنيعية كبرى.
وتتوقع مؤسسة «سانفورد بيرنشتاين» للأبحاث ارتفاع قدرات صناعة السيارات في الصين إلى مستوى 22 في المائة خلال العامين المقبلين، مما يزيد الطاقة الإنتاجية إلى 28.8 مليون من السيارات العادية، والسيارات الصغيرة، والسيارات الرياضية متعددة الاستخدامات على أساس سنوي. وتكاد هذه النسبة تقترب من مجموع ما تنتجه الأسواق الأميركية والأوروبية مجتمعة، وهي نسبة تفوق جميع التقديرات والتوقعات، التي تفيد بأن ترتفع المبيعات في الأسواق الصينية حتى مستوى 25 مليون سيارة خلال العام المقبل.
وتندفع شركات صناعة السيارات نحو التوسع والتمدد داخل السوق الصينية في الوقت الذي يشهد فيه النمو الاقتصادي في البلاد أدنى مستوى له منذ أكثر من ربع قرن من الزمان. وتعمل الصين في الوقت الراهن على إغلاق مناجم الفحم في مختلف أنحاء البلاد إلى جانب خطط أخرى بإغلاق مصانع الصلب. ويتجه منحنى الصادرات الصينية نحو الهبوط المستمر. وبدأت الوحدات السكنية الخاوية في الانتشار في كثير من المدن الصينية. ومن واقع القلق المتزايد حول التلوث والاختناقات المرورية المتكررة، تعمد كبريات المدن الصينية إلى الحد من عدد السيارات التي يجري تسجيلها سنويًا.
ولكن على سطح الأحداث، تبدو مبيعات السيارات في الصين متمتعة بقوة كبيرة؛ حيث صار لمزيد من العائلات الصينية المقدرة على شراء السيارات الجديدة ويتدفق كثير من المشترين على مختلف صالات العرض. ولقد ارتفعت مبيعات السيارات العادية، والسيارات الصغيرة، إلى جانب السيارات الرياضية متعدد الاستخدامات بواقع ثماني نقاط مئوية خلال العام الماضي ومنذ آخر ارتفاع مسجل تحققه في عام 2014.
وليس كل المشترين من فئة المثقفين والمتعلمين الصينيين أو من أصحاب الأعمال الرفيعة داخل البلاد، لكنهم كذلك من بين فئة المستفيدين من النمو، الذي تضاعف ثماني مرات، لأجور طبقة العمال الكادحين خلال السنوات العشر الماضية أو نحوها. ولقد كان تشو غينكاو، وهو من سائقي الشاحنات، يقف مؤخرا في أحد معارض شركة «فولكسفاغن» للسيارات انتظارا لسداد مبلغ 12.300 دولار لقاء سيارة «سانتانا» البيضاء الجديدة التي ابتاعها. ولقد فسر ذلك بأن حياته لا معنى لها من دون سيارة يمتلكها.
وأضاف السيد غينكاو قائلا: «نفعل ذلك حتى لا نضطر إلى المشي يوميا».

* تراجع الازدهار
هناك إشارات على تراجع الازدهار في مبيعات السيارات داخل الصين الذي استمر منذ عام كامل تقريبا. فعقب تراجع مبيعات السيارات عبر ثلاثة أشهر على التوالي، قررت الحكومة الصينية في سبتمبر (أيلول) الماضي خفض ضريبة المبيعات على السيارات بمحركات (1.6 لتر) أو أقل بواقع 5 نقاط مئوية، وذلك حتى نهاية عام 2016. ولقد كان المستفيدون الرئيسيون من ذلك القرار هم شركات صناعة السيارات الصينية المحلية، وأغلبها تابعة للحكومات البلدية أو حكومات المقاطعات، التي تعمل على تجميع مكونات السيارات الرخيصة مع المحركات الصغيرة.
وكان من شأن تخفيض مماثل على ضرائب المبيعات أن سبب ارتفاعا في مبيعات السيارات بين عامي 2009 و2010. ولكن القرار كان قد شجع المستهلكين على الشراء العاجل بالأساس. وعندما انقضى أثر التخفيض على ضرائب المبيعات، اعتدلت مبيعات السيارات بالأساس خلال العامين التاليين.
ومع تخفيض الضرائب على المبيعات، والمقرر له أن ينتهي قريبا، سوف يكون عام 2017 من الأعوام الكبيسة على صناعة السيارات، حيث لن تشهد نموا يذكر خلاله، كما يقول ييل تشانغ المدير التنفيذي لمؤسسة «أوتوموتيف فورسايت» الاستشارية ومقرها في شنغهاي.
وتركز شركات صناعة السيارات متعددة الجنسيات على القطاعات الأكثر ربحية، التي تنمو تلقائيا ومن دون الحاجة إلى مثل تلك الحوافز. لكنها تحاول الانتهاء من فورة بناء المصانع الجديدة التي بدأت قبل ثلاث سنوات، حينما كان الاقتصاد الصيني في وضع أفضل من الآن.
ويقول ماثيو تسين، نائب رئيس شركة «جنرال موتورز» الذي يشرف على أعمال الشركة في الصين: «نرى أن الصين تتحرك بوتيرة يمكننا وصفها بأنها نمو معتدل».
* توقعات النمو
وتتوقع شركة «فولكسفاغن» أن ينمو سوق السيارات في الصين بمعدل أسرع قليلا من نمو الاقتصاد الإجمالي خلال هذا العام، وبمعدل أدنى قليلا من الاقتصاد الإجمالي بالنسبة لبقية العقد الحالي. كما تتوقع شركة «جنرال موتورز» أن تنمو سوق السيارات الصيني بمعدل أدنى من خمس نقاط مئوية على أساس سنوي وحتى نهاية العقد الحالي، وهو ما يعادل الإضافة المحققة في سوق السيارات اليابانية، أو خمسة أضعاف سوق السيارات الأسترالية عن الفترة نفسها.
وتخطط الشركتان لموافاة أغلب النمو المتوقع باستكمال بناء المصانع التي شرعوا بالفعل في بنائها، أو التي سوف ينتهون من تشييدها بالكامل قريبا. ولكن إذا تراجع الاقتصاد الصيني بصورة كبيرة خلال الفترة نفسها، فقد تواجه صناعة السيارات الصينية مطبا اقتصاديا هائلا من حيث الكمية الكبيرة من فائض الإنتاج.
يقول بيل روسو، المدير التنفيذي السابق لشركة «كرايسلر» الصين، الذي يشغل منصبا استشاريا في الوقت الحالي: «هل سوف يواصل أصحاب شركات السيارات ارتداء النظارات التي تعكس الواقع الوردي أم تراهم يتعاملون مع الأمر الواقع؟ أرى أن أغلب شركات صناعة السيارات متعددة الجنسيات سوف تتعامل مع الواقع وتعمل على تخفيض القدرات الإنتاجية الجديدة. ولست على يقين من توجهات صناع السيارات المحلية، فلديهم أحلامهم الخاصة، وعقلية: اصنع السيارة وسوف يأتي من يشتريها لا محالة».
بينما يهون كبار صناع السيارات الصينية المحلية من تلك المخاوف. حيث يقول تسوي دونغتشو، الأمين العام لرابطة ركاب السيارات الصينية «إنهم يرون سوق السيارات الصينية الصغيرة مفعمة بكثير من القدرات والإمكانات».
* اقتصاد مستدام في مقابل النمط الاستهلاكي
ويحتاج الاقتصاد الصيني إلى القوة المستمرة في أسواق السيارات. في حين تريد الحكومة التحول إلى نموذج جديد وأكثر استدامة من النمو الذي يستند إلى إنفاق المستهلكين.
ومنذ عام 2009، والصين تعتمد بشكل هائل على الزيادة المطردة الكبيرة في القروض الاتحادية الموجهة إلى تشييد الطرق السريعة، وخطوط السكك الحديدية، وغير ذلك من استثمارات البنية التحتية في البلاد. غير أن تلك التوجهات أسفرت عن جبال من الديون، خصوصا بالنسبة للشركات المملوكة للدولة.
وساعدت المبيعات القوية للسيارات الصينية على تحقيق علامة فارقة وملحوظة خلال الشهور الأخيرة. ولقد تجاوز إجمالي مبيعات التجزئة للسلع الاستهلاكية الصينية مثيلاتها في الولايات المتحدة الأميركية، وفقا للبيانات الرسمية الواردة في هذا الصدد.
وإذا كانت المبيعات تشهد تراجعًا حادًا وكبيرًا، يكمن السؤال حول ما إذا كانت شركات صناعة السيارات المحلية ومتعددة الجنسيات سوف تحاول الشروع في زيادة التصدير من إنتاج المصانع الصينية، حيث تعد هذه المصانع من بين الأكثر تطورا في هذا المجال على مستوى العالم، ولأسباب ليس أقلها أنها الأحدث من حيث التشييد والبناء كذلك.
* معضلة التصدير
يمكن لشركة «جنرال موتورز» وغيرها من شركات صناعة السيارات الأخرى، من الناحية النظرية، محاولة تصدير مزيد من السيارات إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث إن الأسواق الأميركية هي الأخرى من الأسواق الصحية في المجال نفسها. وتتمثل إحدى العقبات المحتملة، رغم كل شيء، في أن الطاقة الإنتاجية الفائضة في الصين تكمن في السيارات الصغيرة أو «الثانوية»، التي لا يفضلها المستهلك الأميركي كثيرا.
وتستعد شركة «جنرال موتورز» بالفعل لشحن إحدى السيارات الرياضية متعددة الاستخدامات، موديل «بويك إنفيجين»، من مصانعها في شمال شرقي الصين إلى الولايات المتحدة. وسوف يكون وصول السيارة «بويك إنفيجين»، التي أنتجت بالكامل في الصين، وهي من كبرى أسواق مبيعات هذا الموديل حول العالم حتى الآن، أول طرح كبير لتلك السيارة المصنعة بالكامل في الصين داخل ثلاث صالات للعرض داخل الولايات المتحدة.
وتميل أفضليات المستهلكين الصينيين لأن تكون مختلفة عن مثيلاتها لدى المشترين الأميركيين. فالمستهلك الصيني، على سبيل المثال، يميل إلى الشكوى إذا ما كانت الأنسجة وغيرها من المواد داخل مقصورة السيارة ذات رائحة سيئة، وذلك وفقا لاستطلاعات الرأي التي أجرتها شركة «جيه دي باور وشركاه». ويقول كثيرون في صناعة السيارات إنهم سوف يراقبون ردود فعل المستهلكين الأميركيين على السيارة «بويك إنفيجين» المصنعة بالكامل في الصين. ويؤكد السيد بيوتاو، من شركة «جنرال موتورز»: «لسوف نراقب ذلك أيضًا من جانبنا».

* خدمة «نيويورك تايمز»



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.