سعداوي: علينا أن نعترف بأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا

استخدم شخصية فرانكشتاين رمزا يعبر عن مشكلات العراق الراهنة

أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
TT

سعداوي: علينا أن نعترف بأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا

أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر

تفجرت مشكلة الهوية الوطنية بصورة عنيفة ما بعد إسقاط نظام صدام حسين، إذ تلاشت الهوية الوطنية وفق الوصفة الإدماجية التذويبية التي اعتمدت على مدى قرن.
فرانكشتاين العراقي يطلب الثأر للضحايا، ولكنه مكون من ضحايا تابعين لفئات متعددة، وكل فئة ترى في الفئة الأخرى عدوا، لهذا سينتهي هذا الفرانكشتاين إلى قتل نفسه بنفسه، وهو التمثيل الحكائي لعملية قتل الجميع للجميع على أرض الواقع.
لم يكن مستغربا وصول اسم أحمد سعداوي إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2014 فالكاتب العراقي الشاب، 40 سنة، لفت الأنظار إليه بشكل ملحوظ بعد صدور روايته الثالثة «فرانكشتاين في بغداد» (2013، منشورات الجمل) التي تتناول ثيمة العنف، إحدى أكثر القضايا إلحاحا في الساحة العراقية اليوم وذلك بأسلوب غرائبي يتجاوز حدود الواقع مما «يوفر متعة أكبر للقارئ ويطل من زاوية غير معهودة».
فيما يلي نص الحوار مع أحمد سعداوي.
* ثيمة «فرانكشتاين» نجدها في الكثير من أفلام الرعب الأميركية وتعود أصلها إلى رواية «فرانكشتاين» للكاتبة البريطانية ماري شيلي. هل «فرانكشتاين في بغداد» هي استيحاء لتلك الثيمة وإسقاطها على الواقع العراقي؟
- في الرواية هناك إشارتان إلى فرانكشتاين بهذا الاسم الصريح، الأولى في تعليق الصحافية الألمانية على ما كان يرويه هادي العتاك في المقهى، حين أشارت إلى محمود السوادي بأن هذا الرجل يستوحي قصته من فيلم لروبرت دي نيرو، والمقصود به طبعا هو فيلم فرانكشتاين. والإشارة الثانية ما قام به رئيس تحرير مجلة «الحقيقة»، علي باهر السعيدي، بتغيير عنوان مقالة محمود السوادي من «أساطير من الشارع العراقي» إلى «فرانكشتاين في بغداد»، أما خارج هاتين الإشارتين فإن مجتمع المدينة الذي تعامل مع شخصية الوحش الغريب كان يسميه «الشسمه» أو «الذي لا اسم له»، ولربما لم يكن معنيا بأنه يشبه فرانكشتاين أو لا.
في كل الأحوال فإن فرانكشتاين بغداد فيه معالجة مختلفة عن فرانكشتاين ماري شيلي، وهو هنا رمز مكثف يعبر عن مشكلات العراق الراهنة، كما أن أجواء الرعب الفرانكشتاينية كانت حاضرة بقوة خلال الفترة التي جرت فيها أحداث الرواية.
* حدثنا عن شخصية «الشسمه» أو فرانكشتاين، تلك الجثة التي «لا تشير إلى شخص أو كائن محدد» وطبيعة «المهمة النبيلة» التي يقوم بها هذا الكائن ذو «الهيئة البشعة وفم كأنه جرح في الوجه»؟
- داخل العمارة الهيكل في حي الدورة التي اتخذها «الشسمه» مقرا له، يتم في واقع الأمر، وبطريقة تمثيلية سردية، التشريح الدلالي لرمزية الشسمه. فنرى أنه يحمل ثلاث قراءات، وكل قراءة أنتجها أحد المجانين الثلاثة. القراءة الأولى؛ أن هذا الشسمه بما أنه مكون من جذاذات عراقيين من مختلف الأعراق والطوائف والإثنيات فإنه العراقي الكامل، أو المثال النادر لذوبان الجميع في هوية واحدة، وهي المعضلة المزمنة التي ظل يعاني منها العراق على مدار تشكله منذ بدايات القرن العشرين إلى اليوم، وتفجرت مشكلة الهوية الوطنية بصورة عنيفة ما بعد إسقاط نظام صدام حسين. حيث تلاشت الهوية الوطنية وفق الوصفة الإدماجية التذويبية التي اعتمدت على مدى قرن.
القراءة الثانية؛ أن هذا الوحش هو المخلص، بما أنه يحمل رغبة الثأر لكل الضحايا، لذا فإن جلب العدالة للضحايا المتكاثرين في عراق اليوم يعني تحقيق الخلاص للجميع. وهنا نرى طيفا للرؤى الميتافيزيقية عن فكرة المخلص، وكيف أن الخلاص يلقى دائما، وفق هذه الرؤية، على عاتق شخص واحد. والرواية تشكك ضمنا من أن الخلاص يمكن أن يتحقق على يد شخص واحد، فهذه المطامح والآمال غالبا ما كانت مسارات تشكل الديكتاتوريات السياسية في بلداننا العربية والشرق أوسطية. وهي للأسف، عراقيا، ما زالت موجودة وفاعلة، ولم تنته بنهاية نظام صدام الديكتاتوري.
القراءة الثالثة؛ أن هذا الوحش هو قائد الخراب الشامل، وبدل تجرع الخراب بالتقطير وعلى شكل جرعات صغيرة فمن الأفضل أن يحل الخراب الشامل. وهنا يغدو الشسمه هو التجسد الدرامي لفكرة الخراب التي اشتعلت وظلت تتصاعد مثل كرة مسرعة على منحدر.
من هذه القراءات الثلاث يتشكل وجه فرانكشتاين العراقي، ليعكس هذا الوجه، في واقع الحال، جوهر ما كان يجري، وما زال، في أنفس المكونات والأعراق ونظرتها تجاه بعضها بعضا، ونظرة الجميع تجاه الخلاص، أو تجاه ما يمكن أن يكون هوية وطنية جامعة تشمل الجميع.
* ما يميز روايتك هو تناول المأساة العراقية من زاوية غرائبية، تختلف عن طرق السرد التقليدية في أعمال عدة تعاطت مع الموضوع العراقي نفسه. ففي «فرانكشتاين في بغداد» هناك شخصيات لا نصادفها في الحياة اليومية مثل «الساحر» و«السفسطائي» و«المجنون الصغير» و«المجنون الكبير» و«المجنون الأكبر». كيف تصف لنا هذه التجربة؟
- ظهرت هذه الشخصيات في الفصل العاشر الذي يتميز بأنه يجري على لسان الشسمه. وهي شخصيات رمزية جدا أكثر من كونها واقعية. ولكنها توحي بنماذج محورية وأساسية موجودة في الواقع العراقي. السفسطائي مثلا هو شخصية تقارب، داخل مجتمع الرواية، شخصية علي باهر السعيدي، وشخصية الساحر تشبه شخصية المنجم الكبير الذي يعمل في مكتب العميد سرور مجيد.
وبالإضافة إلى الحرية الأوسع في التمثيل والإحالة الرمزية الذي يوفره الإطار الفانتازي الذي جرت به معظم أجزاء الرواية، فإن الفانتازيا هنا توفر مساحة لمتعة أكبر في التناول والقراءة، والإطلالة من زاوية غير معهودة في النظر إلى واقع محتدم، كما أنه أعطى لمسة من المرح لطف القسوة الموجودة في الأحداث، ولمسة المرح هنا كأنها تريد أن تقول بأنه لا يوجد شيء نهائي. فالتناول شديد الميلودرامية والوصف الكئيب والجاد للمآسي يعطي إشارة مبطنة للقارئ بأن هذا واقع قدري دائم لا فكاك منه، وهذا منهج فيه ميل رومانتيكي غير واقعي. يعطي صورة مبالغ فيها للقارئ الغريب، ولا يمنح القارئ العراقي فرصة للتنفس، فيهرب من بشاعة يعرفها في الواقع ليراها معكوسة في النص الروائي مع إيحاءات بلا نهائية العذاب. وهذه قسوة كبيرة لا مبرر لها.
* في الفصل الثالث من الرواية وهو بعنوان «روح تائهة» تنتقل إلى عالم الأموات حيث أرواح الضحايا تبحث عن جثثها. هناك من يعتقد أن هذا قد يبعد العمل عن واقع العراق اليوم. ما تعليقك على ذلك؟
- هذا الفصل له وظيفة بنائية مع الفصول الأخرى، ويسرد كيف جاءت الروح التي حلت في «الشسمه»، كما أنه بشكل عام يعكس اعتقادات عامة تعتمل في أنفس الكثير ممن فقدوا أبناء وأحبة، ولم يعثروا على جثث كاملة لهم كي يدفنوها، فهم يتخيلون أن أرواح أبنائهم تظل محلقة تبحث عن جثثها. والصورة الأعمق أننا جميعا، خلال فوضى العنف، كنا نتحرك مثل أرواح تائهة، لا تعرف لحظة استقرار وشعور بالأمان.
هناك من القراء ممن تعاطف كثيرا مع هذا الفصل تمنى أن يكون أكثر طولا، وهو بالفعل أقصر فصول الرواية، وسبب هذا التعاطف هو المسحة الغنائية التي فيه. ولكني رأيت طوله مناسبا حتى لا تطغى المسحة الغنائية. وأن تبقى هذا اللمسة بالحدود المعقولة لتنوع الانفعالات الموجود في الرواية.
* هل العراق في هذا الزمن الذي يختفي فيه الكثيرون من دون سبب معقول بحاجة إلى فرانكشتاين يجسد ثقافة الثأر بكل معانيها؟
- بالتأكيد لا. وهذا ما أرادت الرواية إيصاله. فهذا الفرانكشتاين الذي ترى كل فئة نفسها فيه، يعكس في واقع الحال معايير خاصة جدا لمفاهيم العدالة والجزاء والثأر والقصاص، فمفهوم العدالة عند فئة حين يتم تطبيقه على الأرض يتحول إلى ظلم لدى الفئة الأخرى. وحين تسود المعايير الخاصة فإننا في الحقيقة سنعيش أجواء حرب أهلية.
فرانكشتاين العراقي يطلب الثأر للضحايا، ولكنه مكون من ضحايا تابعين لفئات متعددة، وكل فئة ترى في الفئة الأخرى عدوا، لهذا سينتهي هذا الفرانكشتاين إلى قتل نفسه بنفسه، وهو التمثيل الحكائي لعملية قتل الجميع للجميع على أرض الواقع. فرانكشتاين هنا يمثل التشخيص المرئي للأزمة الكبرى، ولا يمثل الحل.
* تقول إحدى الشخصيات «كل المآسي التي نمر بها لها مصدر واحد الخوف» إلى أي مدى يشغل الخوف عقول العراقيين اليوم؟
- أتذكر في الأيام الأولى للاحتلال وسقوط نظام صدام، كان الجيش الأميركي يقيم في معسكراته، ولا يقوم بشيء لحفظ الأمن العام داخل بغداد. كانت المدينة دون أي شرطي. وكذلك الأمر مع مدن عراقية أخرى، وظل هذا الحال لعدة أسابيع. كنا نعيش في لحظة تصفير غريبة جدا. وفي تلك الفترة كان من الممكن في الأحياء الشيعية أن يهتف شخص ما خلال الليل بشائعة ما لإشعال الأجواء بإطلاقات رصاص متلاحقة تستمر أحيانا حتى ساعات الفجر الأولى. وهذه الإطلاقات والأسلحة غنمها المسلحون من معسكرات الجيش العراقي السابق المتروكة. ولا يشغل أحد باله بالتحقق من حقيقة هذه الشائعة. لأن الخوف الشديد يجعلها حقيقة واقعة.
في الضفة الأخرى، أغلقت المحال التجارية في أحد أسواق مدينة الموصل أبوابها، مع شائعة قوية جعلت الجميع يغادر بسرعة، بأن الشيعة قادمون. ثم تبين لاحقا أنهم بضعة أفراد من الشيعة التركمان كانوا يسيرون في موكب عزاء حسيني. وتكمن المفارقة هنا أن الموصل تربض في الشمال في محيط سني وبعيدة تماما عن أي كثافة سكانية شيعية.
هذا الخوف الذي انطلق مثل مارد من القمقم ما زال يتحرك في أنفس العراقيين بأشكال مختلفة، وهو في الحقيقة ما جعل عراقيين كثر يسلمون قياد أمرهم إلى المسلحين والمتطرفين خلال أيام العنف الطائفي في 2006 - 2007 بحيث بإمكانك أن تسمع مثقفين علمانيين يدافعون عن الميليشيات الدينية لا لشيء إلا لاعتقادهم أن هذه الميليشيات تحميهم وعائلاتهم.
* يحفل عملك بمجموعة من الثنائيات المتناقضة مثل جسد «الشسمه» المكون من لحوم «ضحايا» و«مجرمين»، «الوجه الملائكي» للقديس كوركيس و«هيئته الحربية»، شكل هادي العتاك «المنفر» ومهمته «النبيلة». لماذا لجأت إلى هذه الثنائيات؟
- في القراءة التي تجعل ماركوركيس أحد مصادر تشكل الشسمه، فإن العجوز إيليشوا فهمت أن الوحش البشع جاء من الجانب الحربي من شخصية ماركوركيس. أما الجانب الملائكي فهو الذي جلب لها الحفيد دانيال. لذلك هي أخذت معها الوجه الملائكي من صورة القديس فقط حين سافرت وتركت بيتها.
أما قضية لحوم الضحايا والمجرمين، فهذا التناقض هو ما نعيشه في واقع الحال. فلا أحد يستطيع اليوم أن يدعي بأنه ضحية كاملة، وأنه لم يساهم، بشكل من الإشكال، في إدامة جو العنف وإنتاج الضحايا. هناك قصص كثيرة في الواقع اليومي، كتبت عن بعضها في الصحافة، تشير إلى حالات التشفي بالضحايا الذين يسقطون، لا لشيء إلا لأنهم من مكون وطائفة أخرى. وهذا المتشفي لا يمكن له أن يدعي أنه بريء من الدم أو على الأقل من المسؤولية الأخلاقية عن الدم. حتى الصامت والذي يحاول أن يقف على الحياد، فهو تخل عن إمكانية أن يقوم بدور إيجابي ما، مهما كان صغيرا، لإيقاف دوامة العنف. وإذا كان هناك درس بليغ ولحظة أخلاقية مهمة يمكن أن نقف عندها اليوم كعراقيين فهي هذه اللحظة؛ حين نعترف بأننا لسنا ضحايا كاملين، وأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا بشكل من الأشكال.
أما ما يتعلق بهادي العتاك فهو الذي ادعى أن مهمته نبيلة، بينما كان الشسمه الذي ولد على يديه يقول بأنه مجرد قناة لخلق أمر أكبر منه.
* ما المراحل التي مرت بها كتابة «فرانكشتاين في بغداد»، وما الجديد الذي أضافته على أعمالك الروائية السابقة «الزمن الجميل» و«إنه يحلم أو يلعب أو يموت»؟
- استغرقت كتابة الرواية نحو أربع سنوات، منذ تخلق الصورة الأولى عن الرواية وحتى اكتمالها كنص جاهز للطبع، ولكن تخلل ذلك توقفات كثيرة، واستغرقت وقتا ليس بالقصير في عملية البحث وإجراء مقابلات والتقاط صور وجمع معلومات كثيرة. لم أستخدمها كلها. وظهر أول مقطع من الرواية منشورا في موقع «كيكا» على النت في صيف 2008. ولكنه كان من المسودة الأولى، كما ظهر من هذه المسودة فصلان بالعربي والإنجليزي في أنطولوجيا بلومزبيري التي أعدتها لنصوص الفائزين في مسابقة بيروت 39 لأفضل الكتاب العرب دون سن 40 في أبريل (نيسان) 2011.
عمليا كتبت ثلاث مسودات للرواية، وصنعت جداول واستخدمت أقلام ماجيك ملونة في تحديد مسارات الشخصيات وكثافة حضورها داخل النص وأشياء كثيرة أخرى، وأنفقت وقتا في المراجعة والتدقيق، من أجل أن تخرج الرواية بشكل متكامل قدر الإمكان.
* ماذا يعني لك وصول ثالث رواياتك إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)؟ وهل كنت تتوقع ذلك؟
- أنا كنت أتوقع أن تحقق الرواية تأثيرا طيبا لدى القراء، وهذا ما تحقق، بحيث نفدت الطبعة العربية الأولى من الرواية حتى قبل ظهور نتائج البوكر في القائمة الطويلة. أما عن البوكر نفسها، فأنا لم أضع في حساباتي أنها ستشارك أو لا تشارك، فالقرار هنا عائد للناشر وليس المؤلف. وكنت سعيدا بالطبع حين دفعها الناشر إلى المسابقة رغم أني لم أفاتحه بذلك، ورغم ثقتي بالعمل الذي قدمته لكن من الصعب الادعاء بالتوقعات الممكنة، خصوصا مع الحجم الكبير للمشاركات (156 رواية) في هذه الدورة من البوكر العربية.
وصول الرواية إلى القائمة القصيرة هو حدث مهم، وهو بحد ذاته شهادة تضاف إلى الرواية، ووفر لها مساحة أكبر من الانتشار. أما إذا صارت هي البوكر 2014 فهذا ما سيكون حدثا مهما ليس على المستوى الشخصي فحسب، وإنما للرواية العراقية الجديدة بشكل عام.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».