علاقة الزعتر بالشجاعة والمحاربين

العشبة التي تمنع الكوابيس عن النائمين

علاقة الزعتر بالشجاعة والمحاربين
TT

علاقة الزعتر بالشجاعة والمحاربين

علاقة الزعتر بالشجاعة والمحاربين

يعرف الزعتر أحيانًا باسم المدسنة أو المنطقة التي جاء منها واشتهر بها، مثل الزعتر الأردني، الداكن اللون نسبة إلى الأردن، والزعتر النابلسي نسبة إلى مدينة نابلس، والأشهر بالطبع الزعتر الحلبي نسبة إلى مدينة حلب السورية العريقة.
وقد عرفت هذه المدينة الجميلة والعريقة في مأكلها ومذاقاتها بزعترها الذي توزعه على جميع محافظات وسوريا والعالم العربي والعالم بشكل عام منذ مئات السنين. وعادة ما يكثر في حي الكلاسة والأسواق القديمة وقنسرين وباب الفرج. وهو عادة أحمر اللون مخلوط بالبهارات والمكسرات لتحسن طعمه القوي ومنحه نكهة أخرى، كما يحصل مع خلطات القهوة. ومن الإضافات التي يستخدمها أهل حلب على الزعتر الأخضر المجفف هو السماق والسمسم والكمون والقضامة والشمرة واليانسون وأحيانًا حب الرمان المجفف والفستق السوداني والفستق الحلبي والكزبرة واللوز والبندق المطحونين، وهو ما يعرف عادة باسم «حوايج الزعتر».
وهناك من أنواع الزعتر ما لا تضاف إليه الحوايج، كالزعتر الملوكي الذي يعرف به الأردن، والذي لا يعتمد على إضافات سوى الأساسيات، أي السمس والسماق.
ولأن معظم الحرف في حلب كانت تجارات ومصالح عائلية فقد عرف الزعتر الحلبي بأسماء العائلات، التي تنتجه مثل عالات الناصر والقبرصي وبازر باشي وكسحة كما يقول محمد درويش.
ويقال إن ياسر السرمين أحد تجار الزعتر الحلبي كان «يحمص الزعتر يوميًا قبل أن يبيعه ليشتريه الزبون طازجًا تمامًا، مثل تحميص البن اليومي، ولديه محمص كامل يشتري منه الناس زعترًا محمصًا. وكان هناك شخص من آل قبرصي يلبس لباسا شعبيا مع طربوش وكان يبيع يوميا 20 كيلوغرامًا، من الزعتر ولا يقبل بيع كمية أكبر حتى يبقى محافظًا على جودته وشهرته».
ويقول إسلام الشوملي في هذا الإطار إن «الزعتر البلدي ومصدره عمان وإربد يتميز بأوراقه الكبيرة وله نكهة حارة٬ شأنه شأن الزعتر اللبناني الذي يختلف بأوراقه الصغيرة في حين يتميز الزعتر السوري بحجم ورقته المتوسطة ونكهة أقل حرارة من الزعتر البلدي أو اللبناني».
تاريخيًا، تقول الموسوعة الحرة إن استخدام الزعتر يعود إلى آلاف السنين، إذ كان المصريون القدماء أو الفراعنة يلجأون إلى استخدامه في عمليات التحنيط التي عرفوا بها في الوقت الذي كان يتمتع به أهل اليونان القدماء كبخور يحرق في الحمامات والمعابد لاعتقادهم بأنه يمنح الشجاعة للأفراد. ولهذا السبب أيضًا كانت النساء تعطي الزعتر للفرسان أيام الحروب في أوروبا كهدايا.
ويبدو أن الفضل في انتشار الزعتر في أوروبا وأنحاء المعمورة يعود إلى الرومان الذي استخدموا الزعتر لتنقية الغرف وإضافة النكهات الطيبة إلى أجبانهم وكحولهم. وكما يحصل الآن مع الخزام أو ما يُعرف بالإنجليزية بالليفاندر، كان الأوروبيون في القرون الوسطى يضعونه تحت وسائدهم لحمايتهم من الكوابيس وإبعادها عنهم.
وتضيف الموسوعة أن الناس استخدموا الزعتر أيضًا «كبخور، وكان يوضع في التوابيت أثناء الجنائز، إذ اعتقدوا أنه يضمن العبور الآمن إلى الحياة الآخرة»، أي أنه كان مرغوبًا من الذين كانوا يبحثون عن الاطمئنان في الحياة الآخرة وضمانه.
تعتبر نبتة الزعتر المعمرة من النباتات القوية والمقاومة للبرد والحر. ومع هذا يفضل أن تتم زراعته في الربيع من الفصول وفي المناطق المشمسة والحارة وذات التربة الخصبة الجيدة التصريف. ويمكن زراعته إما عن طريق البذور وإما عن طريق الشتل أو القطع، وأحيانًا عبر الجذور.
وأفضل أنواعه ما يُعثر عليه في المناطق المرتفعة والجبلية أو ما يُطلق عليه المناطق البرية، مثل جنوب لبنان وسوريا والجليل في فلسطين وجنوب أوروبا، مثل المناطق الساحلية المتوسطية الجنوبية الوعرة. وعادة ما تكون التربة في هذه المناطق خصبة وممتازة لتربية وإيجاد الأعشاب والنباتات الصحية والطيبة مثل الزعتر والمريمة أو الجعساس والطرخون وغيره من النباتات التي يتم تجفيفها والاستفادة منها طيلة العام للمآكل وشتى أنواع العلاجات الطبية.
يمكن تناول الزعتر أخضر وطازجًا وهو الأفضل من أنواع الزعتر، وعادة ما يعثر عليه في فصل الصيف إما على شكل ضمم صغيرة أو على شكل ضمم طويلة. وفيما يمكن العثور عليه في لبنان وبعض الدول العربية والأوروبية في محلات الخضار التقليدية والسوبر ماركت، عادة ما يأتي به الفلاحون وسكان الريف أو البدو القريبون من البرية والمناطق الجبلية إلى المدن، يطرحونه على الرصيف لبيعه للسكان كما يحصل في العاصمة اللبنانية بيروت. وبالطبع مع وجود المزارع الزجاجية يمكن العثور عليه على مدار العام، إلا أن المغرمين بالزعتر يفضلون الأصل منه الذي ينمو في البرية والمناطق الصخرية ذات التربة الغنية والخصبة. وعادة ما يتناول الناس الزعتر الأخضر الطازج، وهو أنواع كثيرة، في السلطة أو بالخبز مع اللبنة والزيت والبندورة والجبنة. وتعتبر سلطة الزعتر الأخضر بالبصل والحامض من أشهر السلطات وأطيبها مذاقًا. ويعرف من هذه الأنواع الطيبة الزعتر الفارسي الرفيع والمشابه للرشاد الأخضر. ويلجأ الفلسطينيون واللبنانيون والسوريين وأهل بعض الدول العربية الأخرى إلى شراء الزعتر وتجفيف أوراقه الخضراء بكميات كبيرة للتمون. وبعد تجفيف الأوراق يبقي بعض الناس على العيدان أو السيقان الجافة وطحنها لاستخدامها في الطبخ كبقية البهارات. وتقول الموسوعة الحرة إنه «يمكن نزع الأوراق من السيقان عن طريق كشطه بالجزء الخلفي من السكين أو عن طريق نزعه بالأصابع أو بأسنان الشوكة». وبعد تجفيف الأوراق يتم فركها أو طحنها وإضافة السمسم المحمص والسماق المطحون إليها للحصول على ما يعرف بالزعتر الجاف. وبعد ذلك تكون الإضافات مسألة ذوق إذ إن الكثير من الناس يستخدمونه من دون سمسم، والكثير من الناس كما سبق وذكرنا في حلب، يضيفون شتى أنواع البهارات والمكسرات والمطيبات كاليانسون والحبة السوداء، للحصول على خلطة ذكية وعبقة الرائحة ولذيذة الطعم. وبعد الحصول على خلطة الزعتر الجاف، عادة ما يستخدم الناس الخلطة لتناوله إلى جانب زيت الزيتون حيث ينقعون الخبز بالزيت قبل إضافة الزعتر إليه. ويفضل الكثير من الناس أن يكون مصاحبا للبنة والشاي الساخن وعادة ما يعتبر من مواد الفطور التي يحبها الفقراء من الناس. والأهم من هذا، أن الزعتر الجاف ينتج لإنتاج ما يعرف بالمناقيش، والمناقيش بالزعتر التي يعرف بها اللبنانيون والفلسطينيون هي عبارة عن خليط من الزعتر الجاف مع السمسم والسماق مع زيت الزيتون الذي يوضع على عجينة رقيقة كما هو الحال مع البيتزا وخبزها بالفرن لعدة دقائق. وبكلام آخر فإن المنقوشة سريعة التحضير وطيبة المذاق ورخيصة التكلفة.
وتعتبر المنقوشة أو المناقيش من أشهر الأطباق اللبنانية الصباحية التي يتناولها الناس، العمال والطلاب عند الصباح، وتوجد مطاعم خاصة بها إلى جانب مناقيش من نوع آخر مثل مناقيش الجبنة والاوارما واللحم بعجين وغيره. وعادة ما يتناول البعض منقوشة الزعتر مع النعناع والبندورة والزيتون والخيار.
وهناك الكثير من الناس وخصوصًا الأرمن يتناولون الزعتر مغليًا مع الشاي لفوائد طبية.
علميًا ينتمي الصعتر إلى جنس الصعتر (Thymus) من عائلة النعناع أو ما يعرف بالفصيلة الشفوية (Lamiaceae) التي تضم 210 من الأجناس وأشهرها النعناع والخزامى.
ومن أنواع الزعتر التي تذكرها الموسوعة الحرة الزعتر الهجين (Thymus citriodorus)، وهو خليط من زعتر الليمون الحامض وزعتر البرتقال. وهناك زعتر الكراوية (Thymus herba - barona) الذي يستخدم خصيصا للطبخ «ويفرش في الأرضية وتظهر فيه رائحة الكراويا القوية نتيجة وجود عنصر الكرفون الكيميائي. وهناك أيضًا ما يطلق عليه الزعتر الصوفي (Thymus pseudolanuginosus) الذي لا يستخدم للطبخ. كما يوجد زعتر ثيمس فيلجاريس (Thymus vulgaris) أو ما يعرف بالزعتر الإنجليزي أو الفرنسي أو زعتر الصيف أو الشتاء أو زعتر الحدائق. ويستخدم هذا النوع من أنواع الزعتر للطهي على نطاق واسع وللغايات الطبية. وهو من أنوع الزعتر المعمرة التي يعثر عليها في مناطق البحر الأبيض المتوسط، ويحب التربة الخصبة والأجواء الحارة والمشمسة. وهذا النوع هو الذي يستخدمه الناس عادة في الدول العربية.
ومن الأنواع المهمة أيضًا الزعتر البري أو ما يطلق عليه اسم الزعتر الزاحف (Thymus serpyllum)، الذي يعتبر من أهم أنواع مصادر رحيق نحل العسل.. ويحب هذا الزعتر التربة الصخرية وتنمو في جنوب أوروبا، ويعرف به اليونان وجنوب أفريقيا ومناطق بيركشاير وجبال الكاتسكيل في الولايات المتحدة الأميركية. ويستخدم هذا النوع من الزعتر أيضًا لتزيين الممرات.
وعلى الرغم من كثرة أنواع الزعتر، فإن المردقوش الشائع أو المردقوش الافريطي الذي يعرف باليونان والعالم باسم الأوريغانو (Oregano)، يعتبر أفضل أنواع الزعتر من ناحية المذاق والفوائد الطبية.
فالأريغانو يحتوي على مادة الكارفاكرول (Carvacrol) التي تقاوم الفيروسات التي تسبب التهاب المعدة والأمعاء.
وحول الاستخدامات الطبية الجمة لهذا النوع من أنواع الزعتر الذي جاء ذكره في الطب العربي باسم الصعتر، يذكر موقع «الطبي» على شبكة الإنترنت، أنه «من أقوى المطهرات ومبيدات البكتريا. وقد استخدمه الأطباء العرب قديمًا لعلاج مجموعة واسعة من الأمراض»، وكان يعتبر ذا مزاج حار يابس. وتضمنت استخداماته لديهم استخدامه كعلاج لغالب السموم والرياح والمغص. كما كان يدرج لهذا السبب في تركيب المسهلات المختلفة. وكان يستخدم مطبوخًا مع التين لعلاج الربو والسعال وعسر النفس، ومع ماء الكرفس للحصى وعسر البول، وكذلك لدفع التخم بعد الوجبات الثقيلة وإخراج الديدان وزيادة الشهية، وتهييج الباه، وعلاج اليرقان كما كان يستخدم موضعيًا مع العسل لتخفيف آلام النساء، والمفاصل، وأوجاع الوركين والظهر. وفي أوروبا، خلال القرون الوسطى، كان يعتبر من النباتات المفيدة وقد زرع في حدائق الأعشاب الخاصة بالرهبان، وكان يستخدم حينها خارجيًا لعلاج الآلام. وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر توسعت استخداماته لتشمل تقوية المعدة والرأس وإزالة القروح المعدية والسعال والسل، وطرد السموم، وعلاج العضات السامة، وكدواء مدر للطمث والبول، وشاف لعجز الطحال والاستسقاء واليرقان.
وفضلاً عن احتواء الزعتر على مضادات الأكسدة التي تحارب الشيخوخة، فإنه يحتوي على نسبة مهمة من مادتي الكافيكول والثيمول اللتين تساعدان «على التخلص من التشنجات العضلية والعصبية» ولذا «ينصح بتناوله لمن يعاني التوتر والأرق». ويساعد الزعتر أو مشروبه على التخلص من الإرهاق واستعادة الحيوية والنشاط الجسدي.
ويستخدم البعض زيت الأوريغانو لمداواة ألم لسعات الحشرات، وتستخدم أوراقه أيضًا «للتخلص من رائحة العرق في القدمين عن طريق وضع القليل من أوراقه داخل الحذاء قبل ارتدائه».
وباختصار يمكن القول إن الزعتر ليس من أطيب النباتات فحسب بل أكثرها فائدة للصحة بشكل عام، ولطالما اعتقد الناس من قديم الزمان أنه مقوٍّ للذاكرة يساعد الطلاب على تحصيلهم العلمي.



الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
TT

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأن ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمر بالشكل الذي يستحقه».

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل في إحدى تجاربه، لم يقدّم طبقاً تقليدياً، بل صنع مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: من نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميه «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحول إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة». في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ كشيء سريع وعابر... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاتة (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أن التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحول إلى تجربة أو منتج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدّمه عمر السيف لا يتوقف عند حدود الطبخ، بل يفتح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟


من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز
TT

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

ورغم بساطته، فإن الأرز يحمل حضوراً كثيفاً يتكرر معه مشهد «الكمية المتبقية» التي قد لا تجد طريقها إلى طبق جديد بالنسبة للكثيرين؛ حيث تتراجع إلى الثلاجة لبضعة أيام قبل أن تنتهي في سلة المهملات، وسط اعتقاد راسخ بأن بقايا الأرز فقدت قيمتها، ولم تعد صالحة لأي استخدام.

غير أن هذا الاعتقاد، كما يؤكد الطهاة، يبدد فرصة مدهشة لإعداد أطباق شهية ومشبعة يمكن أن تغير ملامح مائدة كاملة من دون تكلفة أو جهد يُذكر.

وهو ما دفع بعض الطهاة المصريين نحو تقديم أفكار مبتكرة متنوعة، تعيد تقديم الأرز المتبقي باعتباره عنصراً مساعداً على صنع وجبات لذيذة ومنزلية الطابع، من تلك الوصفات التي تحمل دفء البيوت وذكريات الجدات، أو قد تكون مستلهمة من أطباق عالمية

الشيف المصري وليد السعيد (الشرق الأوسط)

الأرز بطبيعته قادر على امتصاص النكهات، وعلى حمل التوابل واحتضان المكونات الجديدة، بحيث يتحول مع كل لمسة بسيطة إلى طبق يولد من جديد، وفق الشيف وليد السعيد، مشيراً إلى «أن هذا هو ما جعل كثيراً من المطابخ العالمية تنظر إلى (الأرز البايت) أو الأرز المتبقي من طبخة حضرت قبل يوم أو أكثر، باعتباره مادة خاماً جاهزة لابتكار وصفات لافتة، تعكس ذوقاً جديداً وروحاً مختلفة».

وتنسجم هذه الرؤية مع موجة عالمية تدعو إلى التقليل من الهدر، والنظر إلى فائض الطعام بوصفه جزءاً من مطبخ واعٍ لا مجرد بقايا منسية.

وبالنسبة للشيف المصري، فإن الأرز لا يبدو مجرد طبق جانبي بقدر ما هو مكون مرن يصلح أن يكون أساساً لوجبة كاملة، كما يمكن أن يتحول إلى عنصر ثانوي يضبط توازن النكهات داخل الطبق. ويرى «أنه لا حاجة لتكرار الطهي يومياً، ولا مشكلة في طهو كمية إضافية عمداً من الأرز لاستخدامها خلال الأسبوع».

في السلطة يلعب الأرز دور المساحة العازلة بين الحموضة والملوحة والبهارات

ويرجع ذلك إلى أن الخبرات المنزلية تؤكد أن أفراد الأسرة غالباً لن يتعرفوا إلى أن الوجبة الجديدة خرجت من بقايا الأمس، طالما منحتها لمسة نكهة مشرقة تعيد إليها الحياة. وقد تكون تلك اللمسة عصرة ليمون، أو رشة زيت زيتون، أو بعض الأعشاب الطازجة، أو بهارات غير مألوفة.

ومع ذلك، يبقى الالتزام بمعرفة حدود سلامة الطعام أمراً مهماً؛ فإذا بقي في الثلاجة فترة طويلة أو ظهرت عليه علامات التلف، فالسلامة أولى من التجربة.

سلطة التاكو أو الكوب

ويرى الشيف أن كثيراً من وصفات الشارع الآسيوي والعربي، خصوصاً تلك التي تعتمد على المقلاة الساخنة، صُممت أصلاً لتناسب الأرز المطهو مسبقاً، ويلفت إلى أن «الحيلة الذهبية» تكمن في طرح السؤال التالي قبل أن يصل «الأرز البايت» إلى نهاية عمره في الثلاجة: إلى أي طبق يمكن أن ينتمي بعد تعديلات بسيطة؟

هنا يبدأ الشيف بأبسط الأفكار وأكثرها نجاحاً، وهي إضافته إلى السلطات؛ فمن خلال توزيع قليل من الأرز على طبق السلطة، يتحول الطبق من مقبلات إلى وجبة متكاملة، خصوصاً إذا أضيف إليها بروتين موجود في الثلاجة مثل الدجاج المشوي المفتت، أو قطع اللحم المتبقية من اليوم السابق.

ويمكن أيضاً الاعتماد على السلطة اللاذعة مثل سلطة التاكو أو الـ«كوب»؛ حيث يلعب الأرز دور «المساحة العازلة» بين الحموضة والملوحة والبهارات؛ فيمنح الطبق تماسكاً وتوازناً مطلوبين.

ثم ينتقل السعيد إلى طبق آخر يجد فيه الأرز المتبقي فرصة لظهور جديد، وهي العصيدة أو الكونغي، وهو طبق دافئ يمكن تحضيره في دقائق، ويقترحه دائماً لمساءات العطلات.

ويقدم وصفة سريعة، وهي طهي بقايا الأرز مع الماء أو المرق حتى يبدأ في التفتت، ويتحول إلى مزيج كريمي، ثم تضاف إليه مكونات تمنحه طابعاً شرق آسيوي أو عربياً بحسب الرغبة. مع إضافة بعض الخل، والصويا الخفيفة، وزيت الفلفل الحار، والبصل الأخضر، والفول السوداني المطحون، وربما نقانق أو بواقي دجاج أو بيضة نصف مسلوقة.

ويؤكد السعيد أن «الكونغي» من الأطباق التي تتسع لأي إضافة تقريباً؛ فحتى الخضراوات المطبوخة مسبقاً أو بقايا اللحم يمكن أن تتحول إلى لمسة قيمة بداخله.

وصفات تقدم الأرز المتبقي في وجبات لذيذة ومنزلية الطابع من شيف وليد السعيد (الشرق الأوسط)

«ياكي أونيغيري» اليابانية

وفي مساحة أخرى من مطبخ السعيد، يظهر الأرز المقرمش، ويقدم طريقته قائلاً: «بوضع الأرز في مقلاة مدهونة بالزيت، وضغطه على هيئة طبقة واحدة، ثم تركه حتى يبرد ويتماسك». ويتابع: «يتحول عبر القلي الخفيف إلى كعكات ذهبية مشابهة لـ(ياكي أونيغيري) اليابانية، ويمكن تقديمها مع شرائح السلمون أو التونة النيئة المتبلة، أو حتى الأفوكادو، مع رشة صويا أو زيت فلفل حار».

ويشير إلى أن «تناسب هذه الطريقة أيضاً إضافته للسلطات على هيئة (فتات مقرمش) يمنحها ملمساً مختلفاً ورائحة جوزية خفيفة».

أما الأرز المقلي بنسخه المتعددة، فهو الوصفة الأكثر انسجاماً مع بقايا الأرز، كما يوضح السعيد، ومنها أرز السلمون بالكيمتشي، وأرز الدجاج، أو النسخ النباتية التي تعتمد على التوفو والخضراوات فقط.

ويرى أن سر نجاح الأرز المقلي هو أن يكون الأرز (بارداً) ومتروكاً لليلة داخل الثلاجة؛ فذلك يمنع تلاصقه مع باقي المكونات، ويمنحه قدرة على القرمشة عند ملامسته لحرارة المقلاة.

ويختتم السعيد أفكاره بوصفة «الحشوة» التي يستثمر فيها الأرز ليصبح جزءاً من مزيج سميك غني بالنكهة، موضحاً: «إضافة الأرز إلى حشوات الخضراوات أو الدواجن تمنحها ثراءً وقواماً ممتلئاً».

بقايا الريزوتو فرصة ثمينة لتحضير الأرانشيني

«الأرانتشيني الإيطالية»

أما الشيف عصام راشد، فيميل إلى المزج بين المذاق الشرقي والمتوسطي، ويرى أن الأرز المتبقي يصلح لأن يكون مادة خاماً لأطباق غير متوقعة.

ويبدأ بما يسميه «الوجبة الكاملة في مقلاة واحدة»؛ إذ يُحمّر الثوم والحمص في قليل من الزيت، ثم يُعاد الأرز نفسه إلى المقلاة حتى يصبح مقرمشاً ومليئاً بنكهة التحمير، قبل أن يُخلط مع خليط الحمص والثوم.

وتُضاف إليه فواكه مجففة مثل التمر أو المشمش أو الكرز، مع الكاجو المحمص، وينتهي بطبقة من الزبادي الكثيف مع عصرة ليمون.

ويرى أن هذا الطبق «يجمع بين الشرق والغرب في وصفة واحدة»، كما يناسب الوجبات السريعة التي لا تتطلب وقتاً أو إعداداً معقداً.

ويشير راشد إلى أن الريزوتو من الأصناف التي يصعب الاحتفاظ بها لليوم التالي؛ بسبب فقدان قوامها الكريمي، لكنه يراها فرصة ثمينة لتحضير «الأرانشيني الإيطالية»، وهي كرات الأرز المحشوة بالموزاريلا والمقلية، ويعتبرها «طريقة أنيقة» لإعادة تقديم بقايا طبق فاخر دون أن يفقد رونقه.

الأطباق المتوسطية

وتمتد أطباق راشد إلى الأطباق المتوسطية، فيقترح الاستفادة من بقايا الخضراوات عبر تقطيعها إلى مكعبات وتحضير طبق أرز متوسطي نباتي غني بالطماطم والفلفل والأعشاب.

ويشير إلى أن إضافة صلصة مناسبة قد تغير هوية الطبق بالكامل؛ فمثلاً، يمكن تحويل بقايا الديك الرومي إلى طبق جديد بإضافة صلصة التوت البري، أو صلصة مشابهة، ثم تقديمه فوق أرز الياسمين الساخن.

ثم ينتقل راشد إلى الأطباق المكسيكية، حيث يعلّق بأن الأرز المتبقي «وُلد ليكون داخل البوريتو»؛ فبدلاً من لف الخضراوات بخبز التورتيلا، يتم مزج الأرز مع الجبن والطماطم والفاصوليا والبصل؛ مما يمنح الحشوة تماسكاً وطعماً غنياً.

ويلفت راشد إلى أن «نجاح إعادة تدوير بقايا الأرز يعتمد على بعض القواعد التي تؤثر مباشرة في طعمه وقوامه؛ فإعادة التسخين في المايكروويف، رغم سهولته، قد تفسد المذاق، بينما يمنح التسخين في الفرن أو المقلاة فرصة أفضل للحفاظ على جودته».

وانتهى راشد إلى أن الاحتفاظ بمواد أساسية في المطبخ مثل الفاصوليا المعلَّبة والمكسرات والحمص قد يساعد في تحويل الأرز المتبقي إلى وجبة غنية بالبروتين دون مجهود إضافي.


طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
TT

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل. بالنسبة إلى البعض إنه مذاق البيت، الذي يمثل مصدر إلهام لعمر من الطهي، وبالنسبة لآخرين إنه إبداع جريء يعيد تعريف ما يمكن أن يصبح عليه الطعام. اكتشف الأطباق التي ساعدت في رسم وتحديد مسار أولئك الطهاة البارزين على مستوى العالم.

الشيف علي الغزاوي

لقد غيَّر طبق الكبّة النيئة كل شيء بالنسبة لنا، فهو بمثابة النظير الشامي لطبق التارتار البقري المفري جيداً أكثر مما هو مقطّع يدوياً. وأعدّه باستخدام لحم بقري متبّل بمزيج من الريحان والبردقوش والنعناع، ثم أضع في النهاية إلى جواره على الطاولة البرغل المقرمش والبصل المخلل وكريمة الثوم الخفيفة. بدلاً من البصل والثوم النيئين اللذين قد يكون لهما مذاق قوي، يحقق ذلك توازناً بفضل المذاق الحلو البسيط الكريمي. وأقدم هذا الطبق مع باقة من الخس والنعناع الطازج وقرون البازلاء والتي تُزرع جميعاً في المطعم، إلى جانب وضع لمسة أخيرة من زيت الزيتون من بلدتي إربد التي يوجد بها شجر زيتون يزيد عمره على 1200 عام. إن الكبّة النيئة في عمّان طبق رئيسي في مطابخ العائلة، وقد أردت أن أمنح المطعم روحاً أردنية. وأقدم عملاء، كانوا يتفادون اللحم النيء، على تجربته هنا للمرة الأولى وقد أحبوه. لم يكن بالنسبة لي مجرد طبق مميز، بل نقطة تحول يلتقي فيها التقليد بالابتكار، وتجتمع من خلاله الهوية الأردنية بالتأثيرات الخارجية في طبق واحد.

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعما)

الشيف كلفين تشيونغ

عندما أفكر في نقاط التحول في مسيرتي المهنية، دائماً ما يعيدني عقلي إلى بلدة دينانت الهادئة في بلجيكا والتي تشبه البلدات في القصص، حيث حصلت على أول وظيفة لي خارج مطاعم عائلتي. حتى ذلك الحين كنت قد نشأت في مطابخ والدي الصينية في تورنتو وشيكاغو اللتين كانتا تتسمان بالقسوة والطابع الحضري. كانت بلجيكا على العكس من ذلك تماماً، فهي هادئة غنية بالخضرة ومتصلة بالأرض بشكل عميق. كانت توجد بمحاذاة المطعم حديقة من الخضراوات، والأهم من ذلك بِركة مياه صغيرة، حيث كنا نضع السلمون الحي. كان السلمون المرقط الأزرق من أطباقنا المميزة، حيث كنا نصطاد السمك قبل لحظات من طهوه ونسلقه مع الخل والأعشاب التي نحضرها من حديقتنا. لقد كان طبق يحمل مذاق النهر والريف. لقد غيّرني هذا الطقس، فحينما يطلبه أحد رواد المطعم، كان عليّ مغادرة المطبخ، واصطياد سمكة سلمون مرقط على مرأى من الجالسين في قاعة الطعام، ثم أنظفه وأعدّه. لم تكن هناك طرق مختصرة، فقط احترام الحياة التي تم أخذها، ومسؤولية توقيرها من خلال الدقة والنكهة. لقد علمتني تلك التجربة أن الطعام أكبر من مجرد طريقة، إنه قصة واتصال بين الأرض والمنتج والطاهي والعميل.

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعما)

الشيف غاريما أرورا

بالنسبة لي طبق «تندوري ستوري» هو طبق غيّر مساري. إنه يوجز كل ما نحاول تقديمه إلى عملائنا. لطالما انجذبت إلى الخضراوات والفاكهة؛ لأن الطهو الهندي يتضمن طريقة جميلة في التأكيد على أعمق نكهات البلاد، ومن طرقي المفضلة للقيام بذلك الطهو على النار فهي طريقة واضحة وبدائية، ومع ذلك غير متوقعة وتحويلية. إن المكون الأساسي في طبق «تندوري ستوري» هو فاكهة الدوريان. ربما يقول البعض إنه يناسب أصحاب الذوق الخاص، لكنني أعتقد أن ذلك يعتمد على الطريقة التي تطهوه بها. بينما يتعلق بهذا الطبق تحديداً، نشويه في فرن التندور حتى يتحول إلى هذا الزبد المدخّن الذي يشبه نخاع العظم. إن مشاهدة العملاء وهم يتناولون القضمة الأولى، ورؤية هذا المزيج من الاندهاش والمتعة من أفضل المشاعر في العالم. يعتمد هذا الطبق على مكون يتضمن تحدياً، ويجعل منه طعاماً تصعب مقاومته. إنه دليل على أنك إذا ظللت فضولياً واخترت المخاطرة وواصلت السعي سوف تقدم شيئاً استثنائياً. أعتقد أنه يربط بين الهند وتايلاند، ويمزج بين طرق الطهي الهندية التقليدية على النار وثمرة الدوريان التايلاندية المحبوبة من أجل تكوين صنف جديد تماماً. إنه لا يزال على قائمة الطعام الخاصة بنا حتى اليوم.

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعما)

الشيف مانو بوفارو

إن الطبق الذي غيّر كل شيء بالنسبة لي هو الجزر، الذي يرد في آخر قائمة الطعام بمطعم «مانو». عندما قدمته للمرة الأولى أثار الدهشة، بل والارتباك أيضاً. كيف يمكن لنوع من الخضراوات أن يلعب دور البطولة في نهاية تجربة تذوق طعام؟ وسرعان ما لاقى إعجاباً؛ لأنه كشف عن شيء أساسي هو القوة والعمق ومذاق الأومامي في مكون كثيراً ما يتعامل الناس معه على أنه عنصر ثانوي. لقد مثّل هذا الطبق بالنسبة لي نقطة تحول.

لقد أوضح أن المطبخ لا يحتاج إلى لحم أو سمك لترك أثر وإثارة مشاعر، وأن صنفاً من الخضراوات قادر على أن يحمل رمزية وذكرى وقوة إبداعية. لقد أصبح الطبق الذي أشتهر وأتميز به، وشعاراً للفلسفة التي توجّه أسلوبي في الطهي، ويظل على قائمة الطعام ليوضح كيف يمكن لمكون بسيط أن يصبح سامياً وراقياً.

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعما)

الشيف آنا روس

أول طبق يمكنني تذكر طهوه هو المعكرونة المحشوة بالبطاطس السائلة والمقدمة داخل مرق مع سمك السلمون المرقط المطهو على البخار، وبيض السلمون، والكراث (الثوم المعمر) البري. لقد جذب الانتباه بفضل طريقة طهوه الفنية التي تتضمن حشو عجين ببطاطس سائلة. بعد ذلك كان أهم ما في الأمر هو سرد الرواية ورفع مكانة سمكة لم تكن منتشرة كثيراً في المنطقة. نظراً لوجود السلمون المرقط في كل مياه سلوفينيا، يظل الكثير من العملاء يفضّلون المأكولات البحرية على السمك الطازج. لقد كان إعداد هذا الطبق مهماً للغاية لأنني أدركت قوة التركيز على المكونات المحلية في مقابل ما نتصور أنه منتشر ويحظى بشعبية.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعما)

الشيف إدغار نونيز

لقد كان الجزر المعتّق نقطة تحول في مسيرتي في الطهي. عندما قدمته للمرة الأولى منذ 15 عاماً استقبله الناس على أنه شيء خارج عن المألوف، بل عدّه البعض مثيراً للجدل؛ لأن قلة من الناس في ذلك الوقت كانوا يتوقعون أن يتم التعامل مع نوع متواضع من الخضراوات بالاحترام نفسه الذي تحظى به مكونات فاخرة. لقد كانت عملية إعداده دقيقة، حيث كان يُعتّق الجزر، ويُعدّ بطريقة تكشف عن عمق غير متوقع وتعقيد ونكهة. وما بدا بسيطاً على السطح كان فعلياً بمثابة بيان يوضح مقاربتي للطهو التي تتضمن منح أهمية لما يتم تجاهله في أحوال كثيرة. أرى الجزر المعتّق طبقاً رئيسياً يوجز فلسفة ويفتح الأبواب لاحتمالات جديدة. رغم أنه لم يعد على قائمة الطعام، لا يزال تأثيره في عملي موجوداً، ويظل مصدر إلهام يوجّه طريقة إعدادي للأطباق.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعماً)

الشيف علي غزاوي (أفضل 50 مطعماً)

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعماً)

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعماً)

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعماً)

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعماً)