نائب الرئيس العراقي: العراق في طريقه للتقسيم إذ استمرت السياسات الطائفية

النجيفي قال لـ («الشرق الأوسط») إن هناك من يريد خطف البلد من محيطه العربي.. والسعودية الداعم الأول لكل الأطراف

أسامة النجيفي
أسامة النجيفي
TT

نائب الرئيس العراقي: العراق في طريقه للتقسيم إذ استمرت السياسات الطائفية

أسامة النجيفي
أسامة النجيفي

يبرز السياسي العراقي أسامة النجيفي، نائب رئيس الجمهورية ورئيس كتلة «متحدون»، كقائد للعرب السنة في العراق، وذلك من خلال رعايته لتأسيس اللجنة التنسيقية العليا للمحافظات السنية في العراق، وواحد من أبرز قياديي هذه اللجنة التي أعلن عنها في بغداد قبل يومين، والتي تضم «أبرز الأحزاب والقيادات والشخصيات في الوسط السني»، ويرى أن «السنة تعرضوا لشتى أنواع الظلم، سواء على مستوى الشعب أو القيادات بشكل ممنهج»، وأن «هناك خطة متكاملة لاجتثاث السنة بشكل كامل من العراق».
وبعد صمت إعلامي دام طويلا، تحدث النجيفي في حوار سياسي مطول لـ«الشرق الأوسط»، التي التقته بمكتبه في بغداد، عن هموم العراق والشعب العراقي وما يتعرض له البلد من مخاطر، بسبب عدم الثقة بين الأطراف السياسية ومهمات اللجنة التنسيقية العليا كمكون سياسي جديد وليس كحزب.
وأعرب النجيفي عن استغرابه حول الحملة التي أثيرت مؤخرا عن دخول القوات التركية للأراضي العراقية، شاجبا السياسة الخارجية للحكومة العراقية تجاه الدول العربية عامة والسعودية «الحريصة على وحدة واستقرار العراق» - على حد تعبيره - خاصة، فإلى نص الحوار:

* هل تعتقدون أن العرب السنة في العراق تعرضوا للتهميش؟ أو كما ذهبت إليه مرشحة الرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون من أن السنة في العراق تعرضوا للغدر؟
- بالتأكيد، في قناعتنا أن السنة ظلموا شعبا وقيادات بشكل ممنهج في عدم إعطائهم الدور الطبيعي في إدارة الدولة واستهداف جمهورهم وقياداتهم السياسيين ومثقفيهم وتجارهم وركائزهم الاجتماعية منذ 2003، والضغط على مجتمعهم بشكل ظالم وقاس وطائفي، بحيث ظهر التطرف والعنف وازدهرت «القاعدة» و«داعش»، نتيجة سياسات خاطئة تجاه هذا المجتمع، وأيضا ظلموا مرة أخرى لحرمانهم من الدفاع عن مدنهم وحواضرهم بشكل طبيعي وحقيقي، بحيث استبيحت من قبل الإرهاب وتم احتلالها، واليوم لدينا ملايين النازحين والمهجرين ومدن مهدمة ومدن سوف تهدم، لا سمح الله، في المعارك الحالية والقادمة، وعندما نريد أن نحمل السلاح دفاعا عن مدننا وكرامتنا ووجودنا لا يُسمح لنا، بل يقال لنا إن هناك من سيقوم بهذه المهمة، وهذه المهمة طبعا سوف يعقبها هيمنة كاملة على مدننا وسياسيينا ومستقبلنا وأهلنا وعلى كل شيء، فهي بالنتيجة خطة متكاملة لاجتثاث السنة بشكل كامل من العراق، وهذا أمر أصبح واضحا للعيان، وتم تفهمه من قبل القريب والبعيد، حتى على المستوى العالمي. الولايات المتحدة كان لها دور كبير في تهميش واضطهاد السنة، وعندما تصدى السنة لـ«القاعدة» ضمن واجباتهم الطبيعية تم الغدر بهم بعد ذلك، وكل من حارب «القاعدة» تمت ملاحقته قضائيا أو اغتياله أو حرمانه من المعيشة وتشريده. مجمل هذه الممارسات أضعف، بالتأكيد، ثقة المواطن السني بقائده السياسي المنتخب. فالسياسي عندما يصل إلى البرلمان نتيجة التصويت ويكون في موقع المسؤولية ويتفق مع الشركاء في الحكومة، على أمل أن هناك قضايا سيتم تحقيقها لصالح العراق وجمهوره، يُمنع من هذا الحق ويمنع من ممارسة حقه ولا يسمح له بممارسة دوره في المشاركة بإدارة البلد واستحصال الحقوق ورفع المظالم، ويأتي آخرون الذين هم سبب منع هذا السياسي من ممارسة دوره ويقدمون البديل عن السياسي السني وينكلون بالسياسي السني، باعتباره لم يقم بواجبه، فهي إذن حلقة متكاملة من المؤامرات والطائفية والتهميش والظلم التي مورست باتجاه هذا المجتمع. نحن نحاول أن نقاوم هذا المد ونبعث برسالة واضحة إلى شركائنا حتى يبقى العراق بلدا واحدا، ونستطيع أن نتعايش ونتعامل معا.
* أعلنتم قبل يومين وفي اجتماع ضم قيادات المحافظات السنية الست، كما ورد في نص إعلانكم، عن تشكيل اللجنة التنسيقية العليا لهذه المحافظات، وهي لجنة سنية بلا شك، ما هي حقيقة هذه اللجنة؟
- اللجنة التنسيقية العليا واحدة من الوسائل لتجميع القيادات السنية، في الأقل يكون لها رأي في القضايا الموحدة الكبرى، وهي ليست حزبا ولا تكتلا سياسيا، بل تضم أحزابا وقيادات وشخصيات مختلفة داخل الوسط السني، واجتماع أمس (أول من أمس) هو محاولة لإرسال رسالة إلى إخواننا في الوطن والعالم بأن رأينا في القضية الفلانية كذا ونحاول أن نتابع تنفيذ الاتفاقات وتوجيه المسار إلى الوضع الصحيح. هذه اللجنة تشكلت في ظل تهديدات واسعة وفي ظل استهداف كبير، ومنذ اليوم الأول لتشكيلها بدأت حملة لإسقاطها والتنكيل برموزها، حتى وصل الأمر إلى حد التهديد الشخصي لبعض أعضاء اللجنة وبدأت الانسحابات، يوم أمس (أول من أمس) وصباح اليوم (أمس) جاءت تهديدات مباشرة، للأسف بدأت حتى أجواء العمل السياسي تتوقف بسبب هذا الوضع الطائفي الذي يهيمن حتى على الدولة وعلى صناع القرار. العمل السياسي يجب أن يكون في أجواء ديمقراطية وفي ظل وجود دولة، وعندما ركائز الدولة بدأت تهتز أعتقد أن موضوع العمل السياسي يتوقف تماما.
* هل ستشكل لجنة التنسيق العليا قوة ضاغطة، في الشارع السني هناك من يقول إن هذه اللجنة ليست سوى تحضير للدعاية للانتخابات القادمة؟
- موضوع تشكيل اللجنة التنسيقية لا علاقة له بالانتخابات، فموعدها بعيد، ومن المتوقع ألا تحصل انتخابات أصلا في ظروف العراق الحالية، ونحن لسنا بصدد تشكيل لجنة لأغراض الترف والرفاهية، الذي يكون في هذا المكان يتصدى لقضايا وطنه وأهله، ويمكن أن يتعرض للاستهداف القضائي أو الشخصي أو للتصفية الجسدية، من شارك في هذه اللجنة هم صفوة زعماء والقادة السياسيين في الساحة السنية، وهناك من لم يدخل في اللجنة وبدأ يهاجمها، إما لأمر شخصي أو مدفوع من قبل شركائنا الذين لا يليق لهم التجمع السني في كيان واحد وأن يكون لهم رأي واحد وهناك تحديات كبيرة، بالتأكيد نحن مستعدون أن نحمل السلاح وأن نقاتل الإرهاب وأن يسمح لجمهورنا بممارسة هذا الواجب الذي سعينا من أجله لفترة طويلة، ولكن للأسف لم تتم الاستجابة لهذا المطلب لأسباب سياسية وطائفية. نحن ننتسب لأهلنا ونحن نكتسب الشرعية مهما قيل، كانت هناك انتخابات أوصلت هذه المجموعة إلى البرلمان، وأن يطلق صوت من هنا أو هناك باتهامنا بأن تمثيلنا لجمهورنا غير شرعي فهذا أمر مردود، الانتخابات حصلت، وهذه هي النتائج، وإذا لم تكن صحيحة فهي للكل غير صحيحة.
* قلتم إنه «من المتوقع ألا تحصل انتخابات أصلا في ظروف العراق الحالية»، ماذا تقصدون بذلك؟
- البلد اليوم مهدد في وحدته وأمنه واستقراره واستمرار العمل السياسي فيه، كما أن حرية الانتخاب وحرية المواطن مهددة، وعدد كبير جدا من العراقيين مهجرون الآن ومدنهم محتلة ومهدمة، والسؤال هنا هو كيف سيكون وضع المدن الأخرى بعد التحرير، هل سيكون هناك استقرار؟ هناك علامة استفهام كبيرة في هذا الموضوع، إذا لم يتم تحرير المدن من سيطرة «داعش» بطريقة صحيحة وعلى أيدي أهلها، وأن يتم فرض الأمن وعدم السماح بعمليات الانتقام والثأر والتصفيات فلن تستقر الأمور لسنوات طويلة، لا بد من التحرير والإدارة الصحيحة بعد التحرير، وألا يتم اللجوء لحرمان ممثلي وقادة المناطق المحررة وسياسييها من أن يلعبوا الدور الأساسي في مدنهم ومن ثم التفاهم مع أهلهم وجمهورهم لوضع الترتيبات المستقبلية، هذه الأمور هي محل شك، والتدخلات الإقليمية واسعة جدا، والعراق اليوم ساحة للصراع الدولي والإقليمي بشكل واسع، المنطقة الكردية مضطربة، المناطق الشيعية مضطربة، المناطق السنية محتلة ومضطربة، إيران تجتاح الحدود بمئات الآلاف من الناس الذين لا يحملون جوازات سفر ولا أوراقا ثبوتية، بل هم ليسوا إيرانيين أصلا، وهم اليوم بالداخل لعراقي، وفي إقليم كردستان هناك نوع من عدم الثقة بين بغداد وأربيل، ومن أرادوا من السنة أن يتدربوا على السلاح لتحرير مدنهم وأهلهم يتم منعهم من التدريب والسلاح والرواتب وهؤلاء من الطبيعي أن يستعينوا بأي طرف يقدم لهم المساعدة.. العالم كله في العراق اليوم، هناك أكثر من 11 دولة موجودة في العراق تدرب وتقدم مساعدات وتشترك في العمليات العسكرية ضد «داعش»، فضلا عن التدخلات المخابراتية هنا وهناك. هذه كلها علامات لمستقبل غير واضح، هل فعلا ستحصل انتخابات في ظل هكذا ظروف. نحن الآن أمام استحقاق تشكيل أحزاب، أين دائرة الأحزاب في المفوضية، والقانون قد نفذ، لا توجد دائرة لحد الآن، هل ستكون دائرة الأحزاب محايدة وتتعامل مع جميع الأحزاب بصورة نزيهة وصحيحة؟ أم تستخدم وسيلة للتصفية السياسية المسبقة؟ وهل سيكون هناك نظام انتخابي صحيح وتصويت إلكتروني ومفوضية يسمح لها بتنفيذ واجباتها بنزاهة؟ أعتقد أن هناك الكثير من علامات الاستفهام حول العملية الديمقراطية في العراق، وحول مستقبل البلد.
* تتحدثون عن الوجود الإيراني والتدخل المخابراتي للدول الأخرى في العراق.. وفي المقابل هناك وجود عسكري تركي في الموصل، والقيادات السنية متهمة بدعم تركيا بهذا التدخل أو مناصرته؟
- هذا الاتهام ينطلق من منطلق طائفي، فالقوات التركية موجودة قبل 2003 وبعده في إقليم كردستان وبشكل علني وضمن اتفاقية موجودة، في منطقة بامرني بمحافظة دهوك هناك قاعدة عسكرية تركية فيها آلاف الجنود (الأتراك)، وفيها دبابات ومدافع وطائرات هليكوبتر، ومسموح للقوات التركية بمطاردة حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية، وفي العامين الماضيين استعانت قوات البيشمركة الكردية بالأتراك لأغراض التدريب وأنشأوا قواعد عسكرية لتدريب البيشمركة، وبعد دخول تنظيم داعش مدينة الموصل تطور الأمر ودخلت قوات تركية لأغراض التدريب وقوات أخرى لحماية المدربين، ونحن لا علاقة لنا بوجود قوات تركية، كل ما لدينا هو معسكر في محافظة نينوى (يبعد 30 كيلومترا عن مدينة الموصل) في منطقة بعشيقة، يضم متطوعين من العرب السنة، وطلبنا من رئيس الوزراء إرسال مدربين وأسلحة ورواتب للمتطوعين، حالهم حال الحشد الشعبي، فلم تتعاون الحكومة معنا، مع أننا كنا نطالب بإصرار وإلحاح وكررنا مطالبنا عشرات المرات وفاتحنا رئيس الوزراء ومستشار الأمن الوطني فالح الفياض والجهات الأمنية، وسدوا أمامنا الطريق تماما، وفي اجتماع عام حضره 30 قياديا سنيا لاتحاد تنسيق القوى، تم في منزل سليم الجبوري، وبحضور رئيس الوزراء الذي قال: «إذا استطعتم الحصول على السلاح والمدربين من الدول العربية أو من تركيا فأنا جاهز»، قلت لهم سوف أذهب إلى تركيا وأطلب منهم المدربين والأسلحة، فقال (رئيس الوزراء): «نعم، أنا موافق»، وهذا حصل أمام الجميع، فذهبت إلى تركيا وطلبت مدربين وطلبنا أسلحة من خلال الحكومة العراقية، وليست لنا مباشرة، فأرسلت تركيا طائرات تقل أسلحة ومعدات إلى الحكومة العراقية، ثم ذهب وزير الدفاع، خالد العبيدي، إلى تركيا بعد زيارتي لها بأيام، وحصل الاتفاق حول استقدام مدربين وتعاون عسكري، وبالفعل وصلت أعداد قليلة من المدربين الأتراك لتدريب المتطوعين في معسكر بعشيقة، الذين أطلقنا عليهم تسمية الحشد الوطني، هذا كل ما في الأمر، وفي ذات الوقت كان هناك تعاون بين القوات التركية وقوات البيشمركة، هذه المعلومات وتفاصيلها معروفة، وهيئة الحشد الشعبي زارت معسكر بعشيقة في الأقل خمس مرات واطلعوا على سير التدريب وعلى المدربين الأتراك، وفي وقت من الأوقات منحوا ألف متطوع رواتب ثم قطعوها، كما قام وزير الدفاع العبيدي بزيارة ذات المعسكر مرتين على الأقل، وكان آخرها قبل عشرة أيام، وقدم تقريره لرئيس الوزراء حول كل ما يجري هناك، وكانت القوات التركية التي اليوم عليها ضجة موجودة قرب المعسكر. واليوم الكل يتنصل من معرفته بهذه القوات، وهناك ضجة بأن القوات التركية اجتاحت الأراضي العراقية، وهذه محاولة للتنصل من الوعود والاتفاقات، ومحاولة ومن منطلق طائفي لتفكيك معسكرنا في بعشيقة، الذي يتدرب فيه المتطوعون لتشكيل قوة مؤهلة تشارك في تحرير نينوى.
* بالمناسبة.. أين وصل موضوع تحرير الموصل؟
- في الحقيقة الحكومة العراقية لم تبذل أي جهد بهذا الاتجاه حتى الآن، ولم تبذل جهودا حقيقية لتحرير نينوى، وما يسمى عمليات تحرير نينوى تضم مائة جندي عراقي فقط في منطقة مخمور قرب الموصل، وقبل أشهر دربت القوات الأميركية وشكلت فرقتين عسكريتين لتحرير نينوى، وتم سحبهما للمشاركة في تحرير الرمادي، ولم يبق منهما أي شيء في نينوى، لهذا اعتمدنا على جهودنا وبمساعدة إقليم كردستان ومساعدة تركيا في موضوع التدريب فقط، وليس لشيء آخر، وهي جهود متواضعة ومخيبة للآمال، وأنا أؤكد هنا أن الموصل لن تتحرر إلا على أيدي أبنائها.
* وما حقيقة الأوضاع في الموصل؟
- الموصل أسيرة مع أهلها بأيدي مجرمين وقتلة ساديين، لم يترك تنظيم داعش أي وسيلة إجرامية إلا واستخدمها للقتل والتعذيب، على الأقل أعدم «داعش» ما لا يقل عن خمسة آلاف مواطن من أبناء الموصل واستباح الأموال ودمر كل شيء.
* في الحكومة السابقة اتفقتم في إقليم كردستان برعاية رئيس الإقليم مسعود بارزاني، ولم يتم تنفيذ اتفاقيات أربيل، وقبل تشكيل هذه الحكومة اتفقتم على ورقة وضعتم فيها شروطكم وتمت الموافقة عليها وتشكيل الحكومة، وتقولون إنه لم يتم تنفيذ هذه الاتفاقات، فهل لدغتم كقيادات سنية من الجحر مرتين؟
- من الطبيعي أن تكون هناك اتفاقات بين الكتل البرلمانية من أجل تشكيل الحكومة وسير الحياة السياسية، لكن اللوم يقع على من لا ينفذ الاتفاقات، ونحن بذلنا جهودا كبيرة كي لا يصل السيد (نوري) المالكي للسلطة للمرة الثالثة، لأنه نكث عن الاتفاق واستهدفنا طائفيا، وبدأ بهدم الديمقراطية في العراق، وكان أملنا أن يكون السيد (حيدر) العبادي مختلفا في توجهاته، لكن الظاهر أنه اتبع نفس النهج بأسلوب مختلف.. نعم السيد العبادي انقلب على الاتفاق وعطله، وبدأ بحملة تحت عنوان الإصلاح، ولكنها عبارة عن تصفيات سياسية وطائفية وإخراج الكفاءات من الدولة، فهو صراع داخل المكون الشيعي، وبنفس الوقت استهداف للمكون السني بشكل واسع. أنا أعتقد أن هناك شعورا بأن الاستمرار في الشراكة بدأ يضعف في أخلاقيات العمل السياسي العراقي، حيث بدأنا نفقد الثقة بهم.
* لاحظنا غياب سليم الجبوري رئيس مجلس النواب في الاجتماع الأول للجنة التنسيقية.. فهل هو معكم؟
- هو معنا.. وفي الاجتماع الأول للجنة كان موجودا وداعما لنا.. ويوم أمس (أول من أمس) اعتذر عن الحضور بسبب وصول المبعوث الرئاسي الأميركي للتحالف الدولي، بريت ماكجيرك، لأمر طارئ واتصل (الجبوري) بنا واعتذر عن الحضور.
* يبدو هنا أن من تم الغدر به في هذه العملية، تشكيل اللجنة التنسيقية العليا، وهو إياد علاوي، رئيس ائتلاف الوطنية (العراقية) سابقا التي كنتم أحد قيادييها، فهو علماني، ليس شيعيا وليس سنيا، فهل هو معكم أم قريب منكم.. أم ماذا؟
- الدكتور إياد علاوي صديق عزيز، وهو مخلص للبلد وللعمل السياسي ويحمل نفس همومنا، ولكن مشروع علاوي الآن هو مشروع غير واقعي، لأن الطائفية بالبلد قد وصلت إلى أقصى درجاتها، وليس فقط في الطبقة السياسية، ولكنها نزلت إلى الشارع بدفع من بعض السياسيين، وما حصل هو انقسام مجتمعي في الحقيقة، وهذا لا يترك مجالا للعمل السياسي المشترك، وتحت عنوان الروح الوطنية المشتركة، وأنا كنت من قيادات ائتلاف العراقية الأساسيين، وحاولنا إنجاح هذا المشروع، ولكننا اصطدمنا بواقع مختلف تماما، وهذا الواقع زاد سوءا وتدهورا، باعتقادي أن الواقعية السياسية الآن تتطلب العمل ضمن مكون واحد ومحاولة التواصل مع المكونات الأخرى والوصول بعد فترة إلى العمل المشترك وروح الوطنية التي من المفترض أن تسود، ومن دون هذه الروح الوطنية ليس هناك عراق واحد للجميع.. الموضوع اليوم لا يتعلق بمن هو إياد علاوي، هو ناشط سياسي ومستمر بالعمل، ولكنه محبط أيضا من نتائج الانتخابات ومن أداء الحكومة وموضوع المصالحة الوطنية.
* إذا أنتم وصلتم إلى هذه المرحلة من عدم الثقة.. فلماذا لا تنسحبون من الحكومة؟ لماذا لا تسحبون وزراءكم منها؟
- سحب وزرائنا من الحكومة هو أمر وارد بالنسبة لنا، في الحقيقة نحن ككتلة متحدون (برئاسة النجيفي) لدينا ثلاثة وزراء، ومجموع الوزراء السنة كانوا سبعة وتم إخراج اثنين منهم في الإصلاحات وبقي خمسة منهم.. موضوع انسحابنا من الحكومة على طاولة النقاش حاليا.
* على ذكر الإصلاحات التي أجراها رئيس الوزراء حيدر العبادي، والتي استهلها بإقالتكم (نواب رئيس الجمهورية)، فهل أنت حاليا نائب لرئيس الجمهورية أم لا؟
- نظريا.. نعم أنا نائب رئيس الجمهورية، لكن عمليا هذا الموضوع متوقف، وحسب القضاء، المحكمة الاتحادية ردت الطعن لذي تقدمت به على القرار الذي أصدره رئيس الوزراء بإقالتي، باعتبار أني يجب أن أقدم الدعوى بصفتي الشخصية وليس بالصفة الوظيفية، نقضوا الموضوع الأول وأقمنا الدعوى بشكل ثان قبل أيام، إذن أنا مستمر في منصبي، ولن نعرف الأمر النهائي حتى تحسم المحكمة الاتحادية قرارها، وأنا في قناعتي أن هذا الإجراء (إقالة نواب رئيس الجمهورية) مخالف للدستور. هذه ليست إصلاحات، بل هذا عنوان للإصلاح لكن من الداخل هي عملية تصفية سياسية وطائفية بشكل واسع، هو صراع داخل المكون الشيعي على السلطة واستهداف بشكل واسع للمكونات الأخرى، ومن دون مساءلة واستغلال ضغط الشارع، والمتظاهرين غير راضين حتى الآن كون ما حصل قشورا للمسألة وليس في الجوهر، ولم يستطيعوا الوصول إلى فاسد من الفاسدين الكبار الذين هم يعرفونهم جيدا، لأسباب سياسية، بل إن رئيس الوزراء بدأ يجامل بعض الناس، لأنه بدأ يشعر بالضعف والاستهداف، ولهذا أنا لا أعتبرها إصلاحات حقيقية، بل عملية انفعالية لم تصل إلى نتائج.
* هل هناك في أهدافكم في اللجنة التنسيقية العليا تشكيل جناح عسكري أو ميليشيا سنية.. إن صح التعبير؟
- بالطبع لا.. نحن نتكلم عن جهد سياسي بحت، الموضوع العسكري يجب أن يكون ضمن نطاق الدولة وما يسمى بالحشد الوطني كما نسميه نحن أو قوى عشائرية، كما أن قانون الحرس الوطني متوقف ومعطل، وهناك جهة في البرلمان لا تريد هذا القانون الذي تم الاتفاق عليه. في بداية الاحتلال الأميركي للعراق، عام 2003، كانت الإدارة الأميركية تنظر للسنة باعتبارهم كلهم من المؤيدين للنظام السابق وبأنهم معادون للديمقراطية، لهذا تم تسليم السلطة للمكونين الشيعي والكردي، وبشكل واضح وكانت هناك أذرع مسلحة قبل سقوط النظام السابق، البيشمركة (الكردية) كانت موجودة، والأذرع المسلحة التي كانت في إيران دخلت ونمت برعاية الدولة، فهم من كان في الوزارات الأمنية المهمة، وهم من يرعون هذه الأمور، ومن كان من السنة يطالب بهذا الموضوع (تشكيل جناح عسكري) فكان يعتبر إرهابيا ضد القوات الأميركية وضد الدولة، وعندما تشكلت الصحوات (في الأنبار)، التي كانت ضد تنظيم القاعدة والإرهاب ولحماية المناطق، تم استهدافهم (الصحوات) وتفكيكهم على مدى الوقت، فلم يسمحوا للسنة بأن يكون لهم ذراع عسكري مثل البقية، نحن كنا دائما نطالب بالمؤسسات، وبالدولة وبالوزارات الأمنية أن تتولى موضوع السلاح والدفاع عن البلد والعراقيين وعدم السماح بحمل السلاح خارج مؤسسات الدولة، كنا حريصين على تأسيس دولة حقيقية ولكن هذا الأمر لم يتم.
* هل بالفعل الإدارة الأميركية تدعم حاليا العرب السنة في العراق؟
- الإدارة الأميركية ليس لديها استراتيجية واضحة حتى الآن، هم يشعرون بأهمية السنة ووجودهم لسياسي وأنه يجب أن يكون لهم وجود عسكري في القتال لتحرير الموصل ومسك الأرض، هذا الأمر أصبح واضحا في واشنطن وعلى مستوى صناع القرار، وكذلك في أوروبا، ولكن متى تعمل واشنطن على تفعيل فكرتها على الأرض؟ لا ندري.. وحتى الآن لم نلمس أي فعل.
* تجدد الحديث اليوم عن تشكيل إقليم سني يمتد من نينوى وينتهي بحدود الأنبار مع كربلاء.. هل هناك جهود لتشكيل هذا الإقليم بالفعل؟
- أنا كنت وما زلت أؤكد على تشكيل الأقاليم في حدود المحافظات الإدارية بتنوعها، أي أن تكون محافظة نينوى إقليما سنيا ضمن حدوده الإدارية ويتمتع بكيان وصلاحيات الإقليم، وكذلك محافظة البصرة أو النجف.. وهذا ينطبق على كل المحافظات، ولا نتحدث عن إقليم سني وشيعي، أي موضوع طائفي في هذه القصة يعني تقسيم العراق، ونحن ضد هذا المشروع تماما.
* وماذا عن مشروع تقسيم العراق؟
- يعني هذا الاحتمال موجود إذا استمرت هذه السياسات وهذه التدخلات وهذا التهميش، واستمر هذا الفشل في العملية السياسية، وهذا يعني أن خطر التقسيم قائم.
* كيف تقيمون علاقاتكم اليوم، كلجنة تنسيقية سنية، مع إقليم كردستان العراق؟
- الأكراد قضيتهم مختلفة تماما، هم مهتمون بالموضوع القومي وهذه قضية أساسية بالنسبة لهم، وعلاقاتنا معهم طبيعية، والسنة في العراق عندما تعرضوا للظلم لجأوا إلى إقليم كردستان، وهذا شعور طبيعي كون هناك نصير وأخ متعاون، هذا ما حصل، والعلاقات السياسية مستقرة، وفيها الكثير من التفاهمات، ونأمل أن تستمر بهذا الاتجاه.
* السبت المقبل هناك اجتماع لرئيس الجمهورية، فؤاد معصوم، معكم، هل الأمر يتعلق بتشكيل هذه اللجنة أو بوضع السنة في العراق؟
- بل هو اجتماع عام لكل القوى والكتل السياسية، وستحضره نحو 27 شخصية سياسية، في محاولة لتقريب وجهات النظر ومناقشة موضوع الإصلاحات والاتفاق السياسي والحكومة.
* وسط هذه الظروف وفي ضوء ما تحدثتم عنه.. هل لكم علاقات مع أحزاب أو شخصيات سياسية شيعية عراقية؟
- بالتأكيد، قسم منهم يستنكرون ما يحصل للسنة من تهميش، مثل موقف السيد مقتدى الصدر، وهو واضح في هذا الموضوع تماما، ولكن لا تغيير على المستوى السياسي، هناك منظومة هي راضية بشكل وبآخر عما يحصل، بعض القيادات الشيعية تؤمن أن هذا المسار خطأ، ويجب أن يصحح لنمضي كعراقيين موحدين، ولكن لا تأثير ولا تغيير حقيقيا لهذه السياسات.
* كيف تفسرون استمرار سوء علاقات العراق مع محيطه العربي وخاصة مع دول الخليج العربي؟ فالسعودية ورغم تعيينها سفيرا لها لدى العراق فإن العلاقات معها ليست على المستوى الصحيح؟
- لم يتغير شيء في العراق، نحن عندما نتحدث عن علاقات العراق مع الدول العربية السنية فلنا أن نتأمل وضع السنة في العراق أولا، هناك جهود من قبل أطراف عراقية معينة لإفشال أي علاقات مع هذه الدول وإفشال محاولات التقارب حتى، بوجود سفارة سعودية وقطرية ببغداد، العراق للأسف لم يستطع أن يعطي صورة مغايرة لما كان سائدا في موضوع علاقاته مع هذه الدول، وليس هناك وضع جديد حتى يكون هناك تغيير في السياسات الخارجية.
* هل تعتبرون أن السعودية داعمة لكم؟
- السعودية كموقف رسمي وحقيقي هي داعمة لكل العراق والعراقيين بكل أطيافهم، ولكنها لا تخفي امتعاضها واستياءها من معاملة السنة في العراق والسياسات الطائفية السائدة في العراق، وتسعى إلى أن يبقى العراق موحدا ومستقرا، وأي لقاء يحصل مع الإخوة السعوديين يحرصون فيه على التفاهم بين المكونات العراقية من أجل استقرار ووحدة البلد، وهذه مواقفهم الرسمية والفعلية.
* هل تعتقدون أن روسيا جادة في محاربة تنظيم داعش وفي دعم العراق في حربه ضد الإرهاب؟
- روسيا تسعى لوجود استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط والبحر المتوسط، ولديها خوف من تمدد حلف الأطلسي (الناتو) وهي تتدخل نكاية بالغرب وبالحلف الأطلسي، وحاولت (روسيا) استغلال الأوضاع غير المستقرة، ولا تسعى للدفاع عن العراق أو سوريا بل للدفاع عن مصالحها الخاصة، وفي اعتقادي هي الآن تسير بما يتناقض مع رغبة الشعوب ورغبة أهالي المنطقة الحقيقيين.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.