هل ما يقدمه دي زيربي مع برايتون تحول كبير في عالم كرة القدم الحديثة أم مجرد فترة نجاح عابرة؟

المدرب الإيطالي تمكن من إحراج كثير من الأندية الكبيرة والغنية وأصبح قريباً من التأهل لدوري الأبطال

برايتون يقدم مستويات استثنائية تحت قيادة المدير الفني الإيطالي روبرتو دي زيربي (أ.ف.ب)
برايتون يقدم مستويات استثنائية تحت قيادة المدير الفني الإيطالي روبرتو دي زيربي (أ.ف.ب)
TT

هل ما يقدمه دي زيربي مع برايتون تحول كبير في عالم كرة القدم الحديثة أم مجرد فترة نجاح عابرة؟

برايتون يقدم مستويات استثنائية تحت قيادة المدير الفني الإيطالي روبرتو دي زيربي (أ.ف.ب)
برايتون يقدم مستويات استثنائية تحت قيادة المدير الفني الإيطالي روبرتو دي زيربي (أ.ف.ب)

قبل مواجهة غريمسبي في ربع نهائي كأس إنجلترا اليوم، قال المدير الفني الإيطالي روبرتو دي زيربي ذات مرة: «لقد كنت لاعباً مملاً». ويمكن القول إن دي زيربي كان بطريقة ما لاعباً لا يناسب على الإطلاق الفترة التي كان يلعب فيها؛ حيث كان صانع ألعاب تقليدياً تماماً في نهاية القرن الماضي، وهي الفترة التي بدأ فيها اللاعب بهذه المواصفات يختفي من عالم كرة القدم الحديثة التي تتطلب القيام بكثير من الأدوار والمهام في الوقت نفسه. ويتميز دي زيربي بأنه يبحث دائماً عن كل ما هو جديد ومثير، في رياضة تميل بشكل متزايد نحو النظام الصارم.
لقد كان جيداً بما يكفي كي ينضم إلى ميلان؛ لكنه لم يكن جيداً بما يكفي كي يشارك في التشكيلة الأساسية! وحتى عندما انتقل على سبيل الإعارة إلى فريق ليكو الذي يلعب في دوري الدرجة الثالثة، دخل في خلافات مع المدير الفني روبرتو دونادوني. لم تكن هناك أي شكوك بشأن القدرات الفنية والبدنية لدي زيربي؛ لكن المشكلة برمتها كانت تتعلق بقدرته على التأقلم والتكيف. وقال دي زيربي لاحقاً لصحيفة «لا غازيتا ديلو سبورت»: «أنا شخص حالم، وطموح للغاية، وصادق؛ لكنني غير مستقر وغير صبور وأغضب بشدة». وبالنسبة لدي زيربي، فلا يمكن أن تُلعب كرة القدم إلا بطريقته الخاصة. ولحسن حظه، فقد وجد الفريق الذي يساعده على القيام بذلك.
بدأت فكرة أن يصبح دي زيربي مديراً فنياً تظهر على السطح عندما كان يلعب في صفوف نادي «سي إف آر كلوج» الروماني. لم يكن دي زيربي معجباً بالأجواء الثقافية للمدينة الثانية في رومانيا، لذلك كان يقضي أمسياته في مشاهدة مباريات كرة القدم، فكان يشاهد مباريات برشلونة تحت قيادة جوسيب غوارديولا، وإنتر ميلان تحت قيادة جوزيه مورينيو، وبايرن ميونيخ تحت قيادة لويس فان غال؛ لكنه كان يفعل ذلك بعين الناقد، وليس المشجع العادي. بدأ دي زيربي يحصل على دورات متخصصة في مجال التدريب، وهو يمنِّي النفس بأن يسير على خطى غوارديولا. وكان دي زيربي يرغب في أن يلعب بطريقة تمزج بين التمرير الإسباني القصير، والضغط الألماني، والالتزام التكتيكي الإيطالي، لبناء شيء مميز وجديد وفريد من نوعه. وكانت أطروحته الأخيرة في الأكاديمية الوطنية الإيطالية للتدريب بعنوان «طريقتي في اللعب».
وهذه هي الطريقة التي بدأ دي زيربي في تطبيقها على أرض الواقع مع نادي برايتون. وعندما يشاهد المرء برايتون وهو يلعب حالياً –كما كانت الحال عند مشاهدة فريق ساسولو تحت قيادة دي زيربي– فإن هذا يجعله يتساءل عما إذا كان المدير الفني الإيطالي الشاب قد أحدث طفرة وتحولاً كبيراً في عالم كرة القدم. في الحقيقة، يبدو ما يحدث في برايتون وكأنه قفزة كبيرة بالنسبة لنادٍ يحتل المركز السابع في الدوري الإنجليزي الممتاز، ولمدير فني لم يتولَّ المسؤولية إلا قبل أقل من 6 أشهر فقط. وعندما لعب برايتون أمام مانشستر سيتي على ملعب «الاتحاد» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعرب غوارديولا عن إعجابه الشديد بما يقدمه برايتون، ووصفه بأنه شيء جديد تماماً. وقال المدير الفني الإسباني بعد فوز مانشستر سيتي بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد، بعد مباراة استحوذ فيها على الكرة بنسبة 48 في المائة: «إنهم يلعبون بطريقة لم نعتد عليها. سيكون تأثيره في إنجلترا هائلاً».
إذن، ما هي هذه الرؤية؟ لنبدأ في ملخص تكتيكي صغير: قبل نحو عقد من الزمان، كانت كرة القدم التي تُلعب على الطريقة الإسبانية –ما يصفه البعض باسم «التيكي تاكا»– قد انتهت تدريجياً لصالح طريقة جديدة تعتمد على الشراسة والضغط العالي والمتواصل على حامل الكرة، والتحول السريع من الدفاع للهجوم، والعكس. وأصبح الضغط على الفريق المنافس هو بديل التمريرات القصيرة. ومع تطور طريقة الضغط العالي من حيث الحجم والمهام المعقدة، أصبح الاستحواذ العقيم في المناطق الدفاعية شيئاً يجب التخلص منه والقضاء عليه. وعندما يستحوذ أي فريق على الكرة فإن أول شيء يفكر فيه هو كيفية نقل الكرة إلى الأمام بأقصى سرعة ممكنة. وأصبح لاعبو خط الوسط مطالبين دائماً بالضغط على المنافس، وأصبح حراس المرمى مطالبين بإجادة اللعب بالقدمين لبناء الهجمات من الخلف.
قد لا يكون ما يفعله دي زيربي في برايتون شيئاً ثورياً أو جديداً تماماً؛ لأنه لا يوجد شيء في كرة القدم يمكن وصفه بأنه جديد تماماً. لكن في الدوري الإنجليزي الممتاز على الأقل، لم يلعب أي فريق من قبل بهذه الطريقة الجريئة التي يلعب بها برايتون. فكما تفعل معظم الأندية الكبرى، يبني برايتون الهجمات بداية من حارس المرمى، روبرت سانشيز. لكن على عكس كل هذه الفرق، يواصل برايتون في كثير من الأحيان إعادة تدوير وتمرير الكرة بصبر في مناطق الخطورة الخاصة به، وغالباً ما يصل الأمر إلى 10 أو 15 تمريرة.
لهذا السبب تصل نسبة استحواذ الفرق التي يتولى دي زيربي تدريبها إلى أكثر من 70 في المائة في كثير من الأحيان؛ لكن ما يفعله برايتون في هذا الصدد هو بالضبط الشيء نفسه الذي يحذر منه خبراء كرة القدم في العصر الحديث. ويطلب دي زيربي من لاعبيه ألا يشتتوا الكرة أبداً حتى لو كان ذلك يعني موتهم! وفي أطروحته التي أشرنا إليها سابقاً، أشار المدير الفني الإيطالي الشاب إلى أن المدافعين يجب أن «يشعروا بالسعادة وهم يمتلكون الكرة ويشاركون في بناء الهجمات، ويجب أن يعرفوا أن كل شيء يبدأ من عندهم».
إن فكرة الاستحواذ بهذه الطريقة، والتي يمكن وصفها بـ«استحواذ الحبل المشدود»، إن جاز التعبير، تستفز الفريق المنافس، وتجعله يفتح خطوطه بطول الملعب، ويبالغ في ممارسة الضغط، ويفتح مساحات كبيرة في الملعب، وعند هذه النقطة يلعب برايتون بطريقته المدروسة بعناية ودقة، ويبدأ في استغلال المساحات الخالية، وإحداث حالة من الفوضى في دفاعات الفريق المنافس. وعندما يتم هذا بشكل صحيح فإنه يتفوق تماماً على طريقة الضغط العالي التقليدية التي هيمنت على كرة القدم على مستوى النخبة، خلال السنوات العشر الماضية. ولم يكن هذا الأمر أكثر وضوحاً مما حدث خلال المباراتين اللتين فاز فيهما برايتون على ليفربول، بقيادة المدير الفني الألماني يورغن كلوب، هذا العام، عندما سمح برايتون لليفربول بممارسة الضغط العالي، ثم استغل المساحات الخالية وتلاعب به تماماً.
وهنا تجب الإشارة إلى أن دي زيربي قد تأثر كثيراً بالمركز الذي كان يلعب فيه (صانع ألعاب). قال دي زيربي في تصريحات صحافية في عام 2021: «عندما كنت ألعب لم أكن أريد من زملائي أن يلعبوا لي كرات طويلة، فقد كنت أريد تسلم الكرة في قدمي. عندما يبني الفريق الهجمة من الخلف فإن الكرة تصل للأمام بشكل جيد، وليست عالية أو سيئة». وتجب الإشارة هنا أيضاً إلى أن فريق شاختار دونيتسك الذي كان يتولى دي زيربي تدريبه حتى الصيف الماضي كان يلعب بلاعبَين أو حتى 3 في مركز صانع الألعاب! أما بالنسبة لبرايتون، فإن هذا الدور يمكن القيام به من خلال ما لا يقل عن 6 لاعبين بالتناوب -أليكسيس ماك أليستر، وسولي مارش، وكاورو ميتوما، وآدم لالانا، وفاكوندو بونانوت، وجيريمي سارمينتو- الذين مهما كانت مراكزهم داخل الملعب فإنهم يشعرون براحة كبيرة عندما تكون الكرة بين أقدامهم.
لكن يتعين علينا أن نرى ما إذا كان ما يقدمه دي زيربي مع برايتون هو تحول كبير في عالم كرة القدم الحديثة، أم أنه مجرد فترة عابرة وستنتهي سريعاً. من المؤكد أنه من السابق لأوانه القول بأن طريقة الضغط العالي في طريقها للنهاية، أو أن طريقة «التيكي تاكا» في طريقها للعودة. لكن دي زيربي تمكن –بفريق متواضع وعلى الرغم من عمله منذ فترة قصيرة– من أن يقود أحد الأندية منخفضة الدخل في الدوري الإنجليزي الممتاز، ليصبح قريباً من التأهل لدوري أبطال أوروبا، ويحرج كثيراً من الأندية الكبيرة والغنية. وبالتالي، فإن ما يقدمه هذا المدير الفني الشاب يستحق، على أقل تقدير، المتابعة من كثب!


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.