شبح الركود وحرب أوكرانيا يخيمان على أعمال «دافوس»

المنتدى استبعد روسيا للمرة الثانية وحذَّر من تداعيات غلاء المعيشة

أثناء التحضير للمؤتمر أمس في دافوس بسويسرا (أ.ب)
أثناء التحضير للمؤتمر أمس في دافوس بسويسرا (أ.ب)
TT

شبح الركود وحرب أوكرانيا يخيمان على أعمال «دافوس»

أثناء التحضير للمؤتمر أمس في دافوس بسويسرا (أ.ب)
أثناء التحضير للمؤتمر أمس في دافوس بسويسرا (أ.ب)

في يناير (كانون الثاني) 2017، دعا مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب رواد دافوس إلى اعتماد «رأسمالية تشاركية» تحفظ المكاسب الهائلة التي حققتها العولمة وتدرأ أضرارها. وجه شواب خطابه آنذاك لنخبة من زعماء العالم المجتمعين في منتجع دافوس السويسري، وفي مقدمتهم الرئيس الصيني شي جينبينغ ونائب الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جو بايدن.
اليوم، وبعد ست سنوات فقط، تراجعت طموحات المنتدى الاقتصادي الأبرز إلى التذكير بمحاسن التجارة الحرة والتعاون الدولي في وجه سلسلة أزمات دولية غير مسبوقة، أضحت تهدد أسس العولمة. وفيما أمضى المنتدى، الذي اشتهر باسم المنتجع الشتوي الذي يحتضن أعماله، نصف قرن في الترويج لمفاهيم الثورة الصناعية الرابعة والرأسمالية متعددة الأقطاب والعدالة المناخية، فهو اليوم محاصر بحرب أوكرانيا وسيناريو مواجهة نووية وارتفاع مستويات الفقر العالمية للمرة الأولى منذ عقود.

الشرطة تراقب المكان المحيط بمقر اجتماعات منتدى دافوس أمس (إ.ب.أ)

تلاشي المسلمات
فيما يتوجه عشرات القادة إلى جبال الألب السويسرية هذا الأسبوع لبحث «التعاون في عالم غير مترابط»، أصبحت «مسلَّمات» هيمنت على النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية محطَ شكوك. فقد فشلت التجارة الحرة في منع اندلاع حرب استنزاف طاحنة في أوروبا، ونجحت الصين في الصعود باقتصادها دون الالتزام بـ«قوانين العالم الحر»، بينما لم تتردد كبرى اقتصادات العالم في اعتماد سياسات حمائية وإغلاق حدودها لمواجهة تفشي جائحة «كورونا» وردع موجات اللجوء.
يدرك المشاركون في الدورة الـ53 للمنتدى الاقتصادي العالمي حجم التحديات التي تواجههم، وإن كانت أبرز أولوياتهم اليوم تفادي فترة جديدة من الركود الاقتصادي تبدو شبه حتمية. وعشية انطلاق أعمال دافوس، خرج شواب عن تفاؤله المعتاد، وقال إن «أحد الأسباب الرئيسية للانقسام العالمي هو نقص في التعاون» واعتماد «سياسات قصيرة الأمد وأنانية»، مندداً بـ«حلقة مفرغة». بينما أقر رئيس «دافوس» بورغه برنده، أن المنتدى ينعقد هذه السنة «في ظل وضع جيو - سياسي وجيو - اقتصادي هو الأكثر تعقيداً منذ عقود».
إلى جانب حرب أوكرانيا وتداعيتها الكارثية على الاقتصاد والأمن الغذائي والطاقي حول العالم، يخصص «دافوس» حيزاً واسعاً من أعماله لبحث تباطؤ جهود مكافحة التغير المناخي. وتنعقد الأيام الأولى من «دافوس» على وقع مظاهرات واسعة تندد بافتتاح مناجم فحم جديدة في ألمانيا والمملكة المتحدة، وتطالب بالالتزام ببنود اتفاق باريس، وإن تضاءلت فرص تحقيق أهدافه. وإن لم تنجح هتافات المتظاهرين البعيدة في تذكير القادة المجتمعين بالتهديد المناخي الملح، فإن تراجع كثافة الثلوج التي لطالما زينت خلفيات «دافوس» كفيلة بذلك.

مشاركة بحجم التحديات
يشارك في منتدى دافوس، الذي ينطلق الاثنين ويستمر خمسة أيام، قرابة 2700 مسؤول من 130 دولة. ويشمل الحضور هذه السنة أكثر من 370 شخصية عامة تمثل حكومات ومنظمات الدولية، وأكثر من 1500 من قادة الأعمال و90 مبتكراً. كما يشارك في الاجتماع 56 وزيراً للمالية و19 محافظاً للبنوك المركزية و30 وزيراً للتجارة و35 وزيراً للخارجية.
ومثل كل عام، يتحول المنتجع السويسري إلى قلعة محصنة خلال «أسبوع دافوس». فقد أعطى البرلمان السويسري الضوء الأخضر لنشر قرابة 5 آلاف جندي لتأمين المنتدى، فيما أغلق المجال الجوي أمام الطيران التجاري، ويقتصر دخول «قرية دافوس» على حاملي البطاقات المرخصة.
وللسنة الثانية على التوالي، لم يوجه المنتدى دعوة للمسؤولين الروس رداً على الحرب التي تشنها موسكو ضد أوكرانيا منذ 24 فبراير (شباط) الماضي. في المقابل، أكّدت كييف مشاركتها بوفد رفيع، وسط توقعات بأن يخاطب الرئيس فولوديمير زيلينسكي الحضور عبر تقنية الفيديو. وفيما يتوقع أن يكرر الزعيم الأوكراني دعواته لتسليح بلاده وضرورة حماية القانون الدولي واحترام سيادة الدول، تكهن البعض بأن يستغل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش المنتدى لتوحيد صفوف المجتمع الدولي وراء مقترح لوقف إطلاق النار بموافقة الجانبين الروسي والأوكراني، بالتزامن مع حلول الذكرى الثانية لاندلاع الحرب.
وأثرت الأزمة الاقتصادية العالمية على مستوى الحضور، إذ تقتصر مشاركة قادة مجموعة السبع هذا العام على المستشار الألماني أولاف شولتس، في خضم تحديات غلاء المعيشة ومستويات التضخم المرتفعة التي تعصف بالاقتصادات الكبرى. واكتفت الولايات المتحدة بوفد رفيع يقوده المبعوث الأميركي للمناخ جون كيري، ويضم مديرة الاستخبارات الوطنية أفريل هاينز. فيما يمثل المملكة المتحدة وزير الأعمال غرانت شابس ووزيرة التجارة كيمي بادنوك. ويتوقع أن تمثل الاتحاد الأوروبي رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، إلى جانب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ونظيرته الفنلندية سانا مارين.
وفي تأكيد على عزمها طي صفحة «كورونا»، أوفدت الصين نائب رئيس الوزراء ليو هي، في أرفع مشاركة لها في المنتدى منذ بداية الجائحة. وبالتوازي مع مشاركة بكين، خصص المنتدى عدة جلسات لبحث التحديات الجيوسياسية في منطقة المحيطين الهندي والهادي، وتعطل سلاسل الإمداد العالمية.
ولن تغيب قضايا الأمن في آسيا عن مباحثات دافوس، والتي سيقود بعضها الرئيس الكوري الجنوبي الجديد يون سوك يول، الذي اعتمد نهجاً أكثر صرامة من سلفه في التعامل مع تهديدات كوريا الشمالية الصاروخية.
سعودياً، يقود وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان وفد بلاده إلى المنتدى. كما يضم الوفد سفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة الأميرة ريما بنت بندر، ووزير الدولة للشؤون الخارجية ومبعوث شؤون المناخ عادل الجبير، ووزير الاستثمار خالد الفالح، ووزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات عبد الله السواحة، ووزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريّف، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، والرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة الرياض فهد الرشيد. كما يشارك في المنتدى رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، ورئيسة تنزانيا سامية حسن، والرئيسة التنفيذية لصندوق النقد الدولي كريستينا جورجيفا، ورئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد.

متظاهرون في دافوس بسويسرا أمس يطالبون بمعالجة مشكلة المناخ ويعترضون على الأزمة الاقتصادية (إ.ب.أ)

أزمات قديمة جديدة

حذر المنتدى الاقتصادي العالمي، في تقرير المخاطر السنوي الذي يصدره كل عام، من تسبب مخاطر «قديمة» وأخرى «جديدة» في اضطرابات حادة ستصم العقد المقبل. وقال إن العالم يشهد عودة مخاطر «قديمة» غير مألوفة لدى مجتمع الأعمال الحديث، كالتضخم، وأزمات غلاء المعيشة، والحروب التجارية، وتدفق رؤوس الأموال خارج الأسواق الناشئة، وتفشي الاضطرابات الاجتماعية، والخلافات الجيوسياسية، وشبح الحرب النووية. ولفت في الوقت ذاته إلى أن تحديات من نوع جديد تفاقم حدة هذه المخاطر التقليدية، بما في ذلك المستويات غير المستدامة للديون، وعصر جديد من النمو المنخفض، وتباطؤ الاستثمار العالمي، وتراجع العولمة والتنمية البشرية بعد عقود من التقدم، والتطور السريع وغير المقنن للتقنيات ذات الاستخدامات المدنية والعسكرية، والضغط المتزايد لتأثيرات تغير المناخ.
وعلى المدى القصير، صنّف المنتدى أزمة غلاء المعيشة في مقدمة التهديدات التي تتربص بالعالم خلال العامين المقبلين. وقال إن حدتها تتجاوز خطر الكوارث الطبيعية والأحداث المناخية القاسية، وحتى النزاعات. واعتبر التقرير أن ظاهرة غلاء المعيشة جاءت نتيجة التضخم المتفاقم على خلفية الحرب في أوكرانيا ورفع القيود على الاقتصاد عقب انحسار الجائحة، مما يهدد بدفع الملايين من الناس إلى هوة الفقر المدقع وتأجيج التوترات المجتمعية. كما شملت التهديدات الملحّة انهيار التنوع البيولوجي، وسباق التسلح، والتنافس الجيو - سياسي الحاد، وحملات التضليل.
وذكر المنتدى في تقريره الذي أعد بالتعاون مع شركة «مارش ماكلينان» المتخصصة بتقديم المشورة في إدارة المخاطر وشركة «زيوريخ للتأمين»، أن «النزاعات والتوترات جيو - اقتصادية أدت إلى سلسلة من المخاطر العالمية شديدة الترابط». وتشمل هذه المخاطر «الضغط على إمدادات الطاقة والغذاء، والذي يتوقع أن يستمر خلال العامين المقبلين، فضلاً عن الارتفاع الحاد في أزمة تكلفة المعيشة وتكلفة الديون بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وأسعار الفائدة». وأضاف التقرير أن هذه المخاطر «تلحق ضرراً بجهود مكافحة تهديدات أخرى طويلة الأمد، وخاصة تغير المناخ وانهيار التنوع البيولوجي».

 أحد المشاركين في الاحتجاجات (أ.ب)

ودعا المنتدى في تقريره، الذي شمل استبيان 1200 خبير وصانع قرار، إلى اتخاذ إجراءات تعاون عالمية عاجلة. وأوضح أن «الوباء العالمي والحرب في أوروبا أديا إلى وضع أزمات الطاقة والتضخم والغذاء والأمن في المقام الأول»، مشيراً كذلك إلى خطر «استقطاب المجتمعات عبر التضليل والمعلومات الخاطئة» أو حتى «الحروب جيو - اقتصادية». وحذّر التقرير: «ما لم يبدأ العالم في التعاون بشكل فعال بشأن الاعتدال والتكيف المناخي، فإن السنوات العشر القادمة ستؤدي إلى مزيد من الاحتباس الحراري والانهيار البيئي». بالتوازي، فإن الأزمات المرتبطة بالتنافس الجيوسياسي «تهدد بخلق ضائقة مجتمعية على مستوى غير مسبوق، مع غياب الاستثمارات في الصحة والتعليم والتنمية الاقتصادية، مما يفاقم من تآكل التماسك الاجتماعي». وخلص التقرير إلى نتيجة ضارة أخرى لهذا التنافس المتمثلة باستئناف التسلح والعسكرة، لا سيما من خلال التقنيات الحديثة أو الفاعلين المارقين.


مقالات ذات صلة

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

تحليل إخباري من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

يضع هذا التناقض الجذري صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

أنطوان الحاج
الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا الرئيس والمدير التنفيذي لمنتدى دافوس بورغ بريندي في مؤتمر صحافي عشية المنتدى (إ.ب.أ)

منتدى دافوس يحقق في علاقة رئيسه بجيفري إبستين

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، الخميس، أنه سيحقق في علاقة رئيسه التنفيذي مع المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لدى ترؤسه جلسة المجلس التي عُقدت في الرياض الثلاثاء (واس)

السعودية تجدد التزامها بدعم مهمة «مجلس السلام» في غزة

جددت السعودية، الثلاثاء، التزامها بدعم مهمة مجلس السلام في غزة بوصفه هيئة انتقالية لإنهاء النزاع في القطاع وإعادة التعمير، بما يمهد لتحقيق أمن واستقرار المنطقة.


رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
TT

رئيس وزراء باكستان يتوقع إتمام الاتفاق بين إيران وأميركا خلال 24 ساعة

 رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)

توقع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي توسطت حكومته بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب بينهما، إتمام التفاهم بين الجانبين خلال 24 ساعة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وقال شريف اليوم السبت في منشور على منصة «اكس»، «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى. ومع توقع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة، تستعد باكستان بعدها لتوقيع إلكتروني فوري لاتفاق السلام، تليه محادثات تقنية الأسبوع المقبل».

وأضاف «نشكر للولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية التزامهما المستمر خلال المفاوضات، ونعرب عن تقديرنا العميق لإخواننا في المنطقة على دعمهم. ونحن على ثقة بأن اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكل أساسا متينا لسلام دائم».

وبعد أسابيع من المراوحة في المفاوضات حول بنود مذكرة التفاهم، اعتبرت واشنطن وطهران في الايام الاخيرة أن التوصل الى توافق بات وشيكا جدا.

لكن الولايات المتحدة أعلنت أنها أسقطت في وقت مبكر السبت مسيرات ايرانية كانت تستهدف سفنا تجارية في مضيق هرمز.

من جهته، نقل التلفزيون الإيراني الرسمي عن وزير الخارجية عباس عراقجي قوله إنه ما دام لم يتم التوصل إلى اتفاق يشمل جميع القضايا، «لا يمكن الجزم بالتوصل إلى اتفاق مبدئي مع الولايات المتحدة».

وتبذل باكستان جهوداً حثيثة منذ أشهر سعيا لبلوغ اتفاق بين واشنطن وطهران، وخصوصا بعد إعلان وقف لاطلاق النار بينهما في ابريل (نيسان).

وكانت إسلام آباد استضافت مباحثات تاريخية بين البلدين لكنها لم تفض الى نتيجة ملموسة.


هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

لا يُعرف الكثير عن نوايا دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة مجموعة السبع، الأسبوع المقبل في فرنسا، ولكن من المؤكد أنه سيفرض إيقاعه وجدوله الزمني على اللقاء.

وسيكون مزاج الرئيس الأميركي إلى حد بعيد رهناً بمنحى التطورات بشأن الشرق الأوسط، مع إبداء طهران وواشنطن والوسيط الباكستاني، الجمعة، تفاؤلاً بإمكان إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينهي الحرب بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة وخيبات الأمل.

قبل أيام من القمة التي تجمع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، قالت ليانا فيكس الباحثة المشاركة في «مجلس العلاقات الخارجية» (واشنطن) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه «ليس ممكناً التعامل مع ترمب كما خلال ولايته الأولى».

أفراد من الشرطة الفرنسية في الباحة الخارجية لمحطة المراكب التي تنقل الركاب عبر بحيرة ليمان المشتركة بين فرنسا وسويسرا (إ.ب.أ)

وتعرضت الدول الست الأخرى لغضب ترمب؛ سواء بفرضه رسوماً جمركية مشددة عليها، أو بممارسته ضغطاً دبلوماسياً عليها.

وباستثناء رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي التي يكنُّ لها ترمب كثيراً من التقدير، عانى جميع قادة هذه البلدان في أحد الأوقات من هجمات الملياردير الجمهوري، أو انتقاداته، أو حتى سخريته.

لا ليونة

من غير المتوقع أن يبدي ترمب ليونة تجاه شركائه الدوليين، ولا سيما بعد إلغاء المحكمة العليا الأميركية رسومه الجمركية المعممة، وفي ظل استطلاعات للرأي تظهر تراجع شعبيته، ما قد يكلِّفه الغالبية في الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولخصت ليانا فيكس الوضع بالقول إن الأوروبيين خصوصاً تعلموا أن «يأملوا بالأفضل ويستعدوا للأسوأ».

وتأكيداً لشعار «أميركا أولاً» الذي أطلقه ترمب، أبلغت الولايات المتحدة الأوروبيين عزمها خفض عدد الطائرات والسفن الحربية المخصصة لحلف شمال الأطلسي في أوروبا بشكل كبير، وفق ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز».

وقال جاكسون جاينز، الخبير في «صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا أعتقد أننا سنرى رئيساً ضعفت قوته. أعتقد أنه سيذهب إلى هناك وسيفعل ما يفعله دائماً، وهو محاولة فرض رأيه بالاستقواء لتجاوز القضايا المعقدة للغاية، ومحاولة تحقيق الأجندة الأميركية كما يراها هو».

من جانبه، لفت فيكتور تشا، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، خلال مؤتمر صحافي، إلى أن ترمب «يقول إنه لا يحب هذه الاجتماعات المتعددة الطرف»، ولكنه «لا يحتمل أن تلتقي مجموعة من قادة العالم من غير أن يكون حاضراً».

وأضاف تشا: «بالتالي هو يأتي إلى هذه الاجتماعات ويغادر باكراً»، وهو ما فعله خلال قمة مجموعة السبع الأخيرة.

مركز للجيش الفرنسي في إيفيان حيث تُعقد قمة مجموعة السبع (إ.ب.أ)

ويأمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إقناع ترمب القليل الصبر بالبقاء لحضور مأدبة عشاء في قصر فرساي مساء الأربعاء، مراهناً على ولعه بالديكورات الفخمة وافتتانه بالملكية.

وجهدت فرنسا لإرضاء الرئيس الأميركي، فغيرت موعد القمة حتى لا تتزامن مع بطولة للفنون القتالية المختلطة تُنظَّم الأحد في البيت الأبيض، بمناسبة عيد ميلاد ترمب الثمانين.

كما فسر بعض الخبراء غياب جنوب أفريقيا عن القمة، بعدما تم النظر في مشاركتها على أنها تنازل لواشنطن. غير أن باريس تؤكد أنها لم تواجه أي ضغوط من أجل سحب الدعوة لهذا البلد الذي يتهمه ترمب من دون أدلة بـ«اضطهاد» مواطنيه البيض.

ولفت عدد من المحللين إلى أنه بمعزل عن أطباع ترمب المتقلبة، فإن المواضيع التي تقترحها باريس للبحث تتطابق مع عدد من اهتمامات ترمب؛ خصوصاً مسألة العلاقات التجارية مع الصين.

حرب أوكرانيا

لئن كان ميزان القوى في العلاقات بين ترمب وقادة الدول التي تعتبر حليفة تقليدية لبلاده ما زال على حاله بصورة عامة منذ العام الماضي، فإن الوضع تبدل قليلاً فيما يتعلق بأوكرانيا.

وقال ماكس بيرغمان، الخبير في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» خلال حديث مع الصحافيين: «في 2025، أقرّ الأوروبيون بصورة ما بأن عليهم الانصياع لترمب بسبب أوكرانيا، التي كانت بحاجة إلى الدعم العسكري الأميركي، ولكن اليوم نحن في دينامية مختلفة؛ إذ باتت أوكرانيا أقل اعتماداً على الولايات المتحدة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عند مدخل قصر الإليزيه الرئاسي في باريس (إ.ب.أ)

ودُعي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي يعرف أكثر من أي كان أن أي لقاء مع ترمب يمكن بسهولة أن يخرج عن السيطرة، بعد لقاء عاصف بينهما في البيت الأبيض، إلى المشاركة في جلسة مناقشات في إيفيان.


12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
TT

12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)
جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)

في زمن تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى، يعود شبح الحرب النووية إلى واجهة النقاش الدولي، بعد عقود من الاعتقاد بأن هذا الخطر أصبح جزءاً من الماضي. وبينما تتنافس الدول على تطوير ترساناتها العسكرية وتحديث أنظمتها النووية، تزداد التحذيرات من أن العالم بات أقرب إلى مواجهة كارثة قد لا يكون قادراً على احتواء تداعياتها.

هل سيحلُّ «الشتاء النووي» على الأرض يوماً؟ (رويترز)

وفق تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI)، يمتلك العالم حالياً نحو 12187 رأساً حربياً نووياً. وقد يدفع هذا الرقم البعض إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الترسانة قادرة على «تدمير الأرض» مرات عدة، كما يتردد أحياناً في الخطابات السياسية والإعلامية. إلا أن الإجابة العلمية تختلف عن التصورات الشائعة.

فمن الناحية الفيزيائية، لا تستطيع أي ترسانة نووية موجودة اليوم تدمير كوكب الأرض نفسه؛ إذ إن الطاقة اللازمة لتفكيك الكوكب أو القضاء عليه تفوق بمراحل هائلة مجموع الطاقة التدميرية التي تمتلكها البشرية. ولكن الخطر الحقيقي لا يكمن في تدمير الكوكب؛ بل في احتمال تدمير الحضارة الإنسانية كما نعرفها.

وتشير الحسابات التقريبية إلى أن الرؤوس الحربية النووية الحديثة تتراوح قوتها بين 100 و800 كيلوطن من مادة «تي إن تي». وإذا اعتُمد -لأغراض المقارنة التقريبية- متوسط يبلغ 300 كيلوطن للرأس الواحد، فإن القوة التدميرية الإجمالية للترسانة العالمية قد تصل إلى نحو 3.7 مليار طن مكافئ من مادة «تي إن تي»، أي ما يعادل قرابة 250 ألفاً من القنبلة التي دمرت مدينة هيروشيما اليابانية عام 1945.

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية لتجربة إطلاق صاروخ «إسكندر» خلال مناورات نووية مشتركة بين روسيا وبيلاروسيا (أ.ب)

ورغم ذلك، يرى الخبراء أن الحديث عن القدرة على «تدمير الأرض 10 مرات» أو «100 مرة» لا يعدو كونه تعبيراً مجازياً. فحرب نووية واسعة النطاق قد تكون كافية وحدها لإحداث انهيار عالمي شامل، من دون الحاجة إلى استخدام كل الترسانة النووية الموجودة. فالدمار المباشر الناتج عن الانفجارات، وما يتبعه من حرائق هائلة وانهيار للبنى التحتية وتلوث إشعاعي وأزمات اقتصادية وغذائية وصحية، قد يدفع العالم إلى مرحلة غير مسبوقة من الفوضى والانهيار.

في السياق نفسه، تحذِّر الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية (ICAN) من أن الأسلحة النووية تظل الأكثر تدميراً وعشوائية بين جميع الأسلحة التي عرفها الإنسان. فالسلاح لا يقتل فقط بفعل الانفجار؛ بل يخلِّف آثاراً إشعاعية طويلة الأمد تؤثر في البشر والبيئة والأجيال اللاحقة.

وتؤكد الحملة أن تفجير سلاح نووي واحد فوق مدينة كبيرة قد يؤدي إلى مقتل مئات الآلاف أو حتى ملايين الأشخاص خلال فترة قصيرة، بينما قد تتسبب حرب نووية واسعة بين القوى الكبرى في سقوط مئات الملايين من الضحايا.

زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يتفقد منشأة نووية (رويترز)

وتشرح الدراسات أن الانفجار النووي يطلق خلال ثوانٍ معدودة كميات هائلة من الطاقة على شكل موجات صدمية وحرارة وإشعاعات. وتنتشر الموجة الانفجارية بسرعة هائلة تتجاوز سرعة الصوت، فتدمر المباني والبنى التحتية، وتقتل كل من يوجد بالقرب من مركز الانفجار. أما الحرارة الشديدة فتشعل حرائق واسعة النطاق قد تندمج لتشكِّل عواصف نارية ضخمة تلتهم مدناً كاملة.

الأخطر من ذلك أن بعض الدراسات تشير إلى أن استخدام أقل من واحد في المائة من الأسلحة النووية الموجودة حالياً قد يكون كافياً لإحداث اضطرابات مناخية عالمية حادة، تهدد ما يصل إلى ملياري إنسان بالمجاعة. أما استخدام آلاف الرؤوس النووية فقد يؤدي إلى «شتاء نووي» شامل ينعكس على الإنتاج الزراعي والنظم البيئية في مختلف أنحاء العالم.

تزداد هذه المخاوف في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية، وهي قوى تمتلك ترسانات نووية ضخمة. ويرى عدد متزايد من الخبراء أن خطر تحول النزاعات التقليدية إلى مواجهات نووية لم يعد مجرد احتمال نظري؛ بل أصبح سيناريو واقعياً ينبغي الاستعداد له والعمل على منعه.

تقنيان يعاينان قنبلة نووية في منشأة عسكرية أميركية بولاية تكساس (رويترز)

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجراه المجلس الأطلسي أن 40 في المائة من الخبراء المشاركين يرون أن اندلاع حرب عالمية جديدة بحلول عام 2035 وارد. والأكثر إثارة للقلق أن نحو نصف المشاركين تقريباً رجَّحوا أن تشهد هذه الحرب استخداماً للأسلحة النووية من جانب طرف واحد على الأقل.

وفي الوقت نفسه، يستمر الإنفاق العالمي على الأسلحة النووية في الارتفاع. فقد أفادت تقارير حديثة بأن الدول التسع المالكة للأسلحة النووية أنفقت خلال عام 2025 نحو 119 مليار دولار لتعزيز ترساناتها النووية وتحديثها، بزيادة تقارب 19 في المائة عن إنفاق العام السابق.

وتصدرت الولايات المتحدة القائمة بإنفاق تجاوز 69 مليار دولار، تلتها الصين ثم بريطانيا وروسيا.

تعكس هذه الأرقام حقيقة مقلقة، مفادها أن العالم لا يتجه نحو تقليص الاعتماد على الأسلحة النووية؛ بل نحو تعزيزها وتحديثها. وبينما تتوسع برامج التسلح النووي، تتراجع الجهود الرامية إلى نزع السلاح وبناء الثقة بين القوى الكبرى.

مجسم لصاروخ نووي من العهد السوفياتي في موسكو (رويترز)

في النهاية، قد لا تكون الأسلحة النووية قادرة على تدمير كوكب الأرض، ولكنها بلا شك قادرة على تدمير الحضارة الإنسانية، وإدخال العالم في حقبة من الفوضى العارمة والمعاناة غير المسبوقة. ولهذا يرى كثير من الخبراء أن السبيل الوحيد لتجنب الكارثة لا يكمن في إدارة الأخطار النووية فحسب؛ بل في العمل الجاد للحد من هذه الترسانات ومنع استخدامها.

قال آلبرت آينشتاين: «لا أعرف ما هي الأسلحة التي ستُستخدم في الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة».

وكما يقول دعاة نزع السلاح النووي: الطريقة الوحيدة للفوز في لعبة «الروليت» النووية هي التوقف عن لعبها.

اقرأ أيضاً