الذكاء الصناعي... آفاق المستقبل

يوظف في نطاق واسع من التطبيقات الحياتية والصناعية

الذكاء الصناعي... آفاق المستقبل
TT

الذكاء الصناعي... آفاق المستقبل

الذكاء الصناعي... آفاق المستقبل

لقد تحول الذكاء الصناعي ببرامجه ونظمه، إلى تجارة هائلة بكل المقاييس.
وكشفت شركة «غارتنر» المتخصصة بالتحليلات والاستشارات في مجال التقنية، أن الزبائن حول العالم سينفقون 62.5 مليار دولار على برمجيات الذكاء الصناعي في عام 2022، لافتةً إلى أن 48 في المائة من مدراء مكاتب المعلومات إما استخدموا نوعاً من برمجيات الذكاء الصناعي أو يخططون لذلك العام المقبل.
جذب هذا الإنفاق الهائل عدداً كبيراً من الشركات الناشئة التي تركز عملها اليوم في منتجات الذكاء الصناعي. وكشف تقرير لشركة «سي. بي. إنسايتس» أن تمويل الذكاء الصناعي بلغ 15.1 مليار دولار في الربع الأول من العام الحالي، بعد ثلاثة أشهر من الاستثمارات التي بلغت 17.1 مليار في الشركات الناشئة المتخصصة بالذكاء الصناعي.
ذكاء طبيعي وصناعي
وعلينا أن نتعرف على جذور الذكاء الصناعي الذي يعايشنا اليوم، وعلى أنواعه، وحالات استخدامه الشعبية، واتجاهاته المحتملة. وتعتبر البيانات المحرك الرئيسي للذكاء الصناعي، لذا لا عجب أن المجالات المرتبطة به كتحليل البيانات، والتعلم الآلي، والذكاء التجاري، تشهد نمواً سريعاً بدورها.
ما هو الذكاء الصناعي تحديدا؟ ولماذا أصبح على هذا القدر من الأهمية والربحية في صناعة التقنية؟ بشكل أو بآخر، يمثل الذكاء الصناعي نقيضاً للذكاء الطبيعي. وإذا صح القول بأن المخلوقات الحية تولد بذكاء طبيعي، سيصح القول بأن الآلات التي يصنعها الإنسان تملك ذكاءً صناعياً، وهذا يعني أن أي «آلة مفكرة» تملك ذكاءً صناعياً.
وعرف جون ماكارثي، أحد أوائل رواد الذكاء الصناعي، الأخير على أنه «علم وهندسة صناعة الآلات الذكية». ولكن الأمر يختلف عند الممارسة، إذ يستخدم علماء الكومبيوتر مصطلح الذكاء الصناعي للإشارة إلى الآلات التي تقوم بالتفكير المتقدم الذي طوره البشر.
تُبرع الكومبيوترات في الحسابات والمدخلات، والتلاعب بها، وتوليد المخرجات كنتيجة لهذه العمليات. لم تكن أجهزة الكومبيوتر في الماضي ماهرة في أداء أنواع أخرى من العمل الذي يتقنه البشر كفهم اللغة ومعالجتها، وتعريف الأشياء باستخدام الرؤية، وابتكار الفن، أو التعلم من التجارب الماضية.
ولكن الوضع تغير. فقد أصبح العديد من أنظمة الكومبيوتر اليوم قادرة على التواصل مع البشر باستخدام الخطاب العادي، بالإضافة إلى التعرف على الوجوه وغيرها من الأشياء. تستخدم الكومبيوترات اليوم أيضاً تقنيات التعلم الآلي، خصوصاً التعلم العميق، بطرق تتيح لها التعلم من الماضي والتنبؤ للمستقبل.
أنواع الذكاء الصناعي
تطرح مجموعات عدة من علماء الكومبيوتر تصنيفات مختلفة لأنواع الذكاء الصناعي. ترتكز واحدة من أكثر التصنيفات شعبية على ثلاث فئات:
• الذكاء الصناعي الضيق: يعد مساعد «سيري» من آبل، ونظام «واتسون» من IBM، وبرنامج «ألفا غو» من غوغل أمثلة على الذكاء الصناعي الضيق والذي يعتبر شائعاً في عالمنا اليوم.
• الذكاء الصناعي العام، هو نوع نظري من الذكاء الصناعي يؤدي معظم المهام الفكرية بنفس مستوى أداء البشر. تجدون الأمثلة على هذا النوع في أفلام شهيرة كشخصية «هال» من فيلم «ملحمة الفضاء» (2001) أو «جارفيس» من «الرجل الحديدي». يعمل العديد من الباحثين اليوم على تطوير الذكاء الصناعي العام على أرض الواقع.
• الذكاء الصناعي الخارق: لا يزال في المرحلة النظرية أيضاً، ويملك قدرات تتفوق على تلك التي يملكها البشر. هذا النوع من الذكاء الصناعي لم يقترب بعد من التحول إلى حقيقة.

تصنيف شعبي
يرتكز تصنيف شعبي آخر على أربعة فئات مختلفة:
• الآلات «ردود الأفعال» Reactive machine التي تعتمد على تلقي المدخلات وإنتاج المخرجات ولكنها لا تملك ذاكرة ولا تتعلم من التجارب السابقة. تعتبر الروبوتات الافتراضية التي تتنافسون وإياها في الكثير من ألعاب الفيديو من أبرز الأمثلة على الآلات التفاعلية.
• آلات الذاكرة المحدودة التي تستطيع العودة بعض الشيء إلى الماضي. يضم الكثير من العربات التي تسير على الطرقات اليوم مزايا سلامة متقدمة تنتمي إلى هذه الفئة من الذكاء الصناعي. على سبيل المثال، عندما تصدر سيارتكم إنذاراً عند الاقتراب من عربة أخرى أو شخص يعبر من خلفكم، ينتج هذا الإنذار عن مجموعة محدودة من البيانات التاريخية التي استخدمتها السيارة للتوصل إلى هذه الخلاصات وتقديم المخرجات (النتائج).
1. آلات «نظرية العقل» التي تدرك وجود البشر وكيانات أخرى، وتملك دوافعها المستقلة الخاصة. يوافق معظم الباحثين على أن هذا النوع من الذكاء الصناعي ليس موجوداً بعد، بينما يؤمن آخرون أنه يجب ألا يعمل على تطويره.
2. آلات الوعي الذاتي التي تدرك وجودها وهويتها. قليلون هم الباحثون الذين يدعون وجود هذا النوع من الذكاء الصناعي اليوم، وقليلون هم من يدعمون هذا الادعاء، ولكن الأكيد أن فكرة تطوير الذكاء الصناعي ذي الوعي الذاتي تثير الكثير من الجدل.
قد تكون هذه التصنيفات مثيرة للاهتمام من الناحية النظرية، ولكن الشركات والمنظمات تركز بمعظمها على ما يمكنها فعله بواسطة الذكاء الصناعي، الأمر الذي يقودنا إلى نمط الذكاء الصناعي المربح.

تطبيقات الذكاء الصناعي
إن حالات استخدام الذكاء الصناعي وتطبيقاته لا تعد ولا تحصى، ولكن أكثرها شيوعاً اليوم هي التالية:
• محركات تقديم التوصية: سواء كنتم تتبضعون سترة جديدة، أو تبحثون عن فيلم لمشاهدته، أو تتصفحون التواصل الاجتماعي أو حتى تبحثون عن الحب الحقيقي، ستصطدمون حتماً بخوارزمية ذكاء تقدم لكم اقتراحات وتوصيات ذات صلة، حتى أن هذه النماذج قد تبرع في تحديد تفضيلات لا يعيها المستخدمون أنفسهم.
• معالجة اللغة الطبيعية: تعتبر معالجة اللغة الطبيعية فئة واسعة من الذكاء الصناعي تشمل تحويل الكلام إلى نص، وتحويل النص إلى كلام، وتعريف الكلمات المفتاح، واستخراج المعلومات، والترجمة وابتكار اللغة. يتيح هذا التطبيق للبشر وأجهزة الكومبيوتر التفاعل بواسطة اللغة البشرية العادية (عبر الصوت أو الطباعة) بدل الغوص في لغة البرمجة. تدخل قدرات تعلم آلي في أدوات معالجة اللغة الطبيعية، ما يعني أن هذه الأخيرة تشهد تحسناً مستمراً.
• تحليل المشاعر: لا يستطيع الذكاء الصناعي فهم اللغة البشرية فقط، بل يستطيع أيضاً تعريف المشاعر الكامنة في المحادثات البشرية. على سبيل المثال، يستطيع الذكاء الصناعي تحليل آلاف محادثات الدعم التقني أو التفاعلات على التواصل الاجتماعي وتحديد الزبائن الذي يمرون بأحاسيس شديدة الإيجابية أو السلبية. يتيح هذا النوع من التحليل لفرق دعم الزبائن التركيز على المستخدمين الذين قد يصرفون نظرهم عن العلامة التجارية أو الداعمين المتحمسين الذين قد يصبحوا مناصرين لها.
• أدوات المساعدة الافتراضية: يتفاعل الكثير منا مع «سيري» وأليكسا و«كورتانا» ومساعد غوغل بشكل يومي. ينظر المستخدمون غالباً إلى هذه الأدوات كتحصيل حاصل، ولكنها تقوم على تقنيات ذكاء صناعي متقدمة كمعالجة اللغة الطبيعية والتعلم الآلي.
• تجنب الاحتيال: تستخدم شركات الخدمات المالية والتجزئة غالباً تقنيات تعلم آلي متقدمة لرصد العمليات الاحتيالية. تبحث هذه التقنيات عن أنماط في البيانات المالية، وعندما تستشعر عملية مثيرة للشبهة أو مماثلة لنمط احتيالي معروف، تصدر إنذارات من شأنها أن تعطل أو تخفف من وطأة النشاط الجرمي.
• التعرف على الصورة: يستخدم الكثيرون منا تقنية التعرف على الوجه المدعومة بالذكاء الصناعي لفك قفل الهاتف. يشغل هذا النوع من الذكاء الصناعي العربات الذاتية القيادة أيضاً ويتيح المعالجة الآلية في الكثير من الصور والفحوصات الطبية.

استخدامات صناعية وخدمية
• الصيانة التنبئية: تعتمد صناعات كثيرة كالتصنيع، والنفط والغاز، والنقل، والطاقة على الآلات التي تحتاج لمبالغ طائلة لصيانتها. تستخدم الشركات اليوم مزيجاً من تقنيات التعرف على الأجسام والتعلم الآلي للتنبؤ بموعد تعطل التجهيزات الآلية بهدف وضع جداول زمنية مسبقة للصيانة.
• التحاليل التنبئية: تستطيع الخوارزميات التنبئية تحليل أي نوع من البيانات التجارية وتستخدمها كقاعدة لتقدير احتمالية الأحداث المستقبلية. شهدت التحاليل التنبئية بعض التقدم، بحيث إنها لم تعد تكتفي بالتنبؤ، بل باتت تقدم توصيات لما يجب على الشركة أن تحضر نفسها له مستقبلاً.
• العربات الذاتية القيادة: تضم معظم العربات الحديثة بعض المزايا الآلية كالمساعدة في الركن، والتمركز، والسير القابل للتكيف. لا تزال العربات الآلية باهظة ونادرة نسبياً، ولكنها موجودة على الطرقات، فضلاً عن أن تقنية الذكاء الصناعي التي تشغلها تشهد تحسناً وتراجعاً في الكلفة كل يوم.
• الروبوتيات: تعتبر الروبوتات الصناعية من أولى تطبيقات الذكاء الصناعي، ولكنها لا تزال من أهم فئات سوق الذكاء الصناعي، فضلاً عن أن الروبوتات الاستهلاكية، كالمكانس الكهربائية، وجزازات العشب وغيرها من التطبيقات أصبحت أكثر شيوعاً بين المستهلكين.
طبعاً، هذه ليست إلا أمثلة قليلة على استخدامات الذكاء الصناعي لأن هذه التقنية باتت تذوب في حياتنا اليومية بأشكال كثيرة لا ندركها في معظم الأحيان.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية

كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
TT

اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية

كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)

توصَّل علماء الفلك إلى أقوى دليل حتى الآن على أن الكواكب الواقعة خارج منظومتنا الشمسية، لها مجالات مغناطيسية، مثل الأرض وخمسة كواكب أخرى في المجموعة الشمسية، وذلك بناء على حركة وسرعة واتجاه الرياح في سبعة كواكب غازية كبيرة وساخنة خارج المجموعة الشمسية.

ويُعزز هذا الاكتشاف، المستند إلى عمليات رصد أُجريت بأجهزة التلسكوبات في تشيلي وهاواي، فهمنا لتلك الكواكب، إذ يُظهر أن بعضها على الأقل يشترك في سمة مهمة موجودة في كل كواكب المجموعة الشمسية باستثناء كوكبين.

ورغم أن جميع الكواكب الغازية الواقعة خارج المجموعة الشمسية غير قابلة للعيش عليها، لكن وجود المجال المغناطيسي قد يكون أحد العوامل التي ساعدت في جعل كوكب صخري، مثل الأرض، صالحاً للحياة، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتدور هذه الكواكب الخارجية كل منها على مقربة شديدة من نجم كبير وساخن، بحيث يكون أحد جانبيها مواجهاً للنجم بشكل دائم، والجانب الآخر بعيداً بشكل دائم، كما هي حال القمر والأرض.

ويطلق على هذا النوع من الكواكب اسم «المشتري الحار»؛ نظراً لتشابه حجمها وتكوينها مع أكبر كوكب في مجموعتنا الشمسية، وإن كانت درجة حرارتها أعلى بكثير. وتراوحت كتلة الكواكب السبعة بين ما يعادل كتلة كوكب المشتري تقريباً وبين أكثر من ثلاثة أمثالها. وتهبُّ رياح قوية من «الجانب المضيء» الحار إلى «الجانب المظلم» البارد على هذه الكواكب، وذلك بسبب قرب مداراتها من نجومها، مما يجعل غلافها الجوي شديد الحرارة على الجانب المضيء. وكلها أقرب إلى نجمها المُضيف من قرب كوكب عطارد؛ أقرب كوكب في مجموعتنا الشمسية إلى الشمس.

وقالت عالِمة الفلك جوليا سايدل، من مختبر لاغرانج التابع لمرصد كوت دازور في نيس بفرنسا، والمُعدّ الرئيسي للدراسة التي نُشرت اليوم الثلاثاء في دورية «نيتشر أسترونومي»، إن «ما قد تتوقعه هو أن الرياح ستكون أقوى في الكواكب ذات درجات الحرارة الأعلى. فكلما زادت الطاقة التي تدخلها في المنظومة، زادت شدة الرياح. لكننا نرى العكس».

وأضافت أن «الكواكب الأشد حرارة هي الأقل عرضة لرياح قوية تؤثر على غلافها الجوي. وهذا أمر غريب حقاً مقارنة بما نعرفه عن طبيعة الأغلفة الجوية».

وتابعت قائلة: «هذا يعني أن كل تلك الطاقة التي يضخّها النجم في الغلاف الجوي للكوكب يجب أن تتبدد بطريقة مختلفة. والاحتمال الوحيد لإبطاء حركة الغلاف الجوي بهذه السرعة هو عبر المجال المغناطيسي وتفاعله مع الجسيمات المشحونة المتحركة في الغلاف الجوي».

وتصل سرعات الرياح على الكواكب السبعة خارج المجموعة الشمسية إلى 25 ألف كيلومتر في الساعة؛ أيْ أقوى من تلك الموجودة على كوكب المشتري.

وبالنظر إلى أن معظم كواكب مجموعتنا الشمسية لها مجالات مغناطيسية، يرى الباحثون أنه ليس من المستغرب أن يكون للكواكب الخارجية مجالات مغناطيسية أيضاً، لكنهم أشاروا إلى أن العلماء كانوا حتى وقتنا هذا يجدون صعوبة في التوصل إلى أدلة مقنعة.

ويُعد المجال المغناطيسي أحد العوامل التي تُحدد ما إذا كان الكوكب قادراً على الحفاظ على غلافه الجوي لفترات طويلة من الزمن. فالمريخ، على سبيل المثال، كان له مجال مغناطيسي، لكنه فقَدَه قبل مليارات السنين بعد أن برَدَ باطنه، وأصبح، الآن، بغلاف جوي ضعيف وبيئة غير صالحة للعيش.

وقالت عالِمة الفلك بيبيانا برينوث، من المرصد الأوروبي الجنوبي في ألمانيا، والمشارِكة في إعداد الدراسة: «رغم الاعتقاد الخاطئ الشائع بأن المجالات المغناطيسية تُحدد، بشكل مباشر، ما إذا كان الكوكب صالحاً للعيش، لكنها قد تلعب دوراً مهماً في (معرفة) كيفية تطور الكوكب عبر الزمن».

وأضافت: «الحياة، كما نعرفها، تعتمد على وجود الغلاف الجوي الذي يساعد في الحفاظ على الضغط على سطح (الكوكب) وتنظيم درجة الحرارة، ويسمح على الأرض بوجود ماء سائل على السطح».


قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
TT

قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث

في عام 1864، اجتمع ممثلو عدد من الدول في مدينة جنيف السويسرية لوضع أول إطار قانوني حديث يحمي ضحايا الحروب. ومن تلك البذرة الأخلاقية ولدت لاحقاً اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949، والتي أصبحت أحد أعمدة القانون الإنساني الدولي بعد أن شاهد العالم أهوال الحرب العالمية الثانية، وما خلّفته من ملايين الضحايا، والجرحى، والمشرّدين.

لقد نجحت تلك الاتفاقيات في ترسيخ مبدأ بسيط وعظيم في آنٍ واحد: حتى في الحرب، تبقى هناك حدود لا يجوز للإنسان تجاوزها.

تقدم تكنولوجي واتفاقيات قديمة

غير أن العالم الذي صاغ اتفاقيات جنيف لم يكن يعرف الحواسيب، ولم يتخيّل وجود خوارزميات قادرة على تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، أو طائرات مسيّرة تستطيع اختيار أهدافها ذاتياً، أو تقنيات جينية يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل البشر قبل ولادتهم. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بقيمة اتفاقيات جنيف، أو مكانتها التاريخية، بل بقدرتها على مواكبة عصر أصبحت فيه التكنولوجيا نفسها طرفاً فاعلاً في الصراع.

تحول طبيعة القوة

إننا لا نعيش فقط مرحلة تطور في أدوات الحرب، بل نعيش تحوّلاً جذرياً في طبيعة القوة ذاتها. فالسلاح لم يعد مجرد دبابة، أو صاروخ، أو طائرة مقاتلة، بل أصبح خوارزمية قد تتخذ قراراً خلال أجزاء من الثانية، ومنصة رقمية قد تؤثر في مصير ملايين البشر، وتقنية جينية قد تستهدف أفراداً أو جماعات بطرق لم تكن معروفة في أي مرحلة سابقة من التاريخ.

لم تعد المشكلة في الرصاصة التي تخطئ هدفها، بل في الخوارزمية التي تختار هدفها. ولم يعد الخوف مقتصراً على القنبلة التي تدمر مدينة، بل على نظام ذكي قد يخطئ في تفسير البيانات، أو يتأثر بتحيزات خفية، أو يُستخدم بطريقة تنتهك أبسط المبادئ الإنسانية دون أن يكون هناك إطار قانوني واضح للمحاسبة.

حين يصبح الجين ساحة للحرب

ثورة بيولوجية تواكب الرقمية

الأكثر خطورة أن الثورة البيولوجية تسير جنباً إلى جنب مع الثورة الرقمية. فالهندسة الوراثية، والتعديل الجيني، والطب الدقيق، كلها تحمل وعوداً علاجية كبيرة، لكنها تطرح أيضاً أخطاراً أخلاقية وقانونية إذا استُخدمت خارج الضوابط الإنسانية.

ومن هنا يظهر سؤال لم يكن مطروحاً عندما وُقعت اتفاقيات جنيف: كيف نحمي الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى من أخطار الحروب التي تُدار بالخوارزميات، أو تستغل المعرفة الجينية؟

ومع اتساع قدرات الذكاء الاصطناعي على تتبع الأفراد، وتحليل سلوكهم، والتنبؤ بتحركاتهم، تبرز تحديات غير مسبوقة تتعلق بحماية المدنيين، وصون حقوقهم الأساسية في أوقات النزاع. كما تزداد الحاجة إلى تحديد المسؤولية القانونية والأخلاقية عندما تتسبب الأنظمة المستقلة في قرارات خاطئة تؤدي إلى خسائر بشرية، وإلى مراجعة مدى قدرة القانون الدولي الحالي على التعامل مع أسلحة تعمل بدرجات غير مسبوقة من الاستقلالية.

لقد أدرك العالم عبر تاريخه أن التكنولوجيا تتقدم دائماً أسرع من القوانين. ولهذا لم تكن اتفاقيات جنيف سوى استجابة أخلاقية وقانونية لتحولات عسكرية وصناعية فرضها عصرها. واليوم يبدو أن البشرية تقف أمام منعطف مشابه، لكن هذه المرة في عصر الذكاء الاصطناعي، والحروب الرقمية، والتقنيات الجينية.

ولا يتعلق الأمر باستبدال اتفاقيات جنيف، أو الانتقاص من قيمتها التاريخية، بل بتطوير إطار إنساني جديد يكمّلها، ويُحدّثها، ويمنحها القدرة على التعامل مع تحديات لم تكن مطروحة عندما صيغت نصوصها قبل أكثر من سبعين عاماً.

نحو مبادرة دولية جديدة

ومن هنا قد يكون من المناسب التفكير في مبادرة دولية جديدة يمكن أن يطلق عليها مجازاً «الاتفاقيات الإنسانية»، والتي يمكن أن تُنسب إلى مدينة الرياض عاصمة السعودية، ليس باعتبارها بديلاً عن جنيف، بل كونها امتداداً معاصراً لروحها الإنسانية. نريد إطاراً عالمياً يجمع الحكومات، والعلماء، وخبراء القانون، والأخلاقيات، والتقنية، لوضع مبادئ تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجينية في النزاعات المسلحة، وتحمي الفئات الأكثر ضعفاً من المخاطر الناشئة عن هذه التحولات التكنولوجية المتسارعة.

فإذا كانت جنيف قد منحت العالم قواعد إنسانية للحروب التقليدية في القرن العشرين، فقد يحتاج القرن الحادي والعشرون إلى منصة جديدة تضع حدوداً أخلاقية للحروب التي تخوضها الخوارزميات، وتوجهها البيانات، وتغذيها المعرفة الجينية.

إن المملكة العربية السعودية تمتلك اليوم مقومات فريدة تؤهلها للإسهام في هذا النقاش العالمي. فهي لا تقود مشروعاً تنموياً طموحاً عبر رؤية 2030 فحسب، بل أصبحت أيضاً من الدول الرائدة في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي، وأخلاقياته، وكانت من أوائل الدول التي تبنت أطراً ومبادئ أخلاقية لتنظيم استخدام هذه التقنيات الناشئة، وسعت إلى ترسيخ مفهوم يجعل الإنسان محوراً للتقدم التقني لا ضحيته.

من المسؤول عندما تخطئ الخوارزمية

حماية الفئات الأكثر ضعفاً من التقنيات المدمرة

ولعل العالم يحتاج اليوم إلى مبادئ جديدة توازي في أهميتها المبادئ التي خرجت من جنيف قبل أكثر من قرن ونصف... مبادئ تؤكد أن القرار القاتل يجب أن يبقى تحت مسؤولية بشرية واضحة لا تحت سلطة خوارزمية مجهولة، وأن المستشفيات والمنشآت الصحية يجب أن تحظى بحماية خاصة من الهجمات السيبرانية، وأن الأطفال والفئات الأكثر ضعفاً لا يجوز أن يصبحوا أهدافاً لأنظمة المراقبة، أو الاستهدافات الذكية، وأن أي استخدام للتقنيات الجينية في النزاعات ينبغي أن يخضع لرقابة دولية صارمة، ومعايير أخلاقية متفق عليها عالمياً.

قواعد إنسانية جديدة لعصر الخوارزميات والهندسة الجينية

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه التحديات ستواجهنا في المستقبل، بل كيف سنتعامل معها وقد بدأت بالفعل. فالعالم الذي نجح في وضع قواعد أخلاقية للحروب التقليدية بعد مآسي القرن العشرين، مدعو اليوم إلى التفكير في قواعد إنسانية جديدة لعصر الخوارزميات، والبيانات، والهندسة الجينية. وليس المطلوب تقييد التقدم العلمي، أو إبطاء الابتكار، بل ضمان أن يبقى التقدم خادماً للإنسان لا متجاوزاً له.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم: هل ما زلنا بحاجة إلى اتفاقيات جنيف؟ بل هناك سؤال أكثر إلحاحاً: من سيحمي الإنسان عندما تصبح الخوارزمية جندياً، وتصبح البيانات سلاحاً، ويصبح الجين البشري ساحةً جديدة للصراع؟

وربما يكون الوقت قد حان لبدء حوار عالمي جديد، ربما من الرياض، يستلهم روح جنيف ولا ينافسها، ويبحث عن إجابات أخلاقية وقانونية للتحديات التي لم يعرفها القرن الماضي.

فكما أنجبت الحروب الصناعية اتفاقيات جنيف، قد تفرض حروب الخوارزميات والتقنيات الجينية على العالم البحث عن اتفاقيات إنسانية جديدة. وربما لن تسألنا الأجيال القادمة كيف تطور الذكاء الاصطناعي، بل ستسألنا سؤالاً أبسط وأكثر قسوة: هل تحركنا في الوقت المناسب قبل أن تسبقنا التكنولوجيا إلى ساحات لم يصل إليها القانون، ولم تبلغها الأخلاق بعد؟


خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة
TT

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

في إنجاز علمي ضخم قد يغيّر مستقبل الطب الوراثي في آسيا والعالم، كشفت أكبر دراسة جينية في تاريخ الهند عن ملايين المتغيرات الوراثية التي لم تكن معروفة سابقاً؛ ما يسلط الضوء على التنوع الجيني الهائل في البلاد ويكشف عن حدود النماذج الطبية المعتمدة بشكل أساسي على البيانات الأوروبية.

مشروع «جينوم الهند»

الدراسة التي جاءت ضمن مشروع «جينوم إنديا» GenomeIndia ونُشرت على موقع MedRxiV في نسخة أولية ولم تخضع لمراجعة الأقران في 24 مارس (آذار) 2026 بقيادة أنالابها باسو من المعهد الوطني لعلم الجينوم الطبي الحيوي (BRIC-NIBMG) والمركز الإقليمي للتكنولوجيا الحيوية (RCB) في الهند، اعتمدت على تحليل الجينوم الكامل لـ9768 شخصاً أصحاء ينتمون إلى 83 مجموعة سكانية مختلفة في الهند.

* 4 ملايين متغير لم تُسجل من قبل في قواعد البيانات العالمية الشهيرة *

وأسفرت النتائج عن اكتشاف ما يقارب 130 مليون متغير جيني، بينها 44 مليون متغير لم تُسجل من قبل في قواعد البيانات العالمية الشهيرة مثل «1000 Genomes» و«gnomAD».

ويقول الباحثون إن النتائج كانت مفاجئة حتى بالنسبة لهم. فقد أوضحت عالمة الأحياء الحاسوبية براتاتي كاهالي من مركز أبحاث الدماغ (CBR) بنغالورو الهند المشاركة بالدراسة، أن الفريق كان يتوقع العثور على طفرات جديدة «لكن حجم الاكتشافات غير المسبوق كان صادماً»، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من المتغيرات المكتشفة لم تكن معروفة للعلم من قبل.

لماذا تُعد هذه الدراسة مهمة؟

لطالما اعتمد الطب الجيني الحديث على قواعد بيانات جُمعت أساساً من أشخاص ذوي أصول أوروبية؛ ما جعل كثيراً من التوقعات الطبية والفحوص الجينية أقل دقة بالنسبة للشعوب الأخرى، خصوصاً في جنوب آسيا وأفريقيا.

وتحاول الهند الآن سد هذه الفجوة من خلال بناء واحدة من أكبر الخرائط الوراثية في العالم مع خطط مستقبلية لتوسيع المشروع ليشمل مليون جينوم بشري، ودراسات خاصة بالأمراض المزمنة والنادرة.

ويرى العلماء أن هذه البيانات قد تفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة وتحسين فهم الأمراض الوراثية وحتى تصميم أدوية تتناسب مع الخصائص الجينية للسكان المحليين.

«التجانس الجيني» نتاج العزلة الوراثية

وكان أحد أكثر الجوانب إثارة في الدراسة هو اكتشاف مستويات مرتفعة من «التجانس الجيني» لدى بعض القبائل الهندية؛ نتيجة قرون من الزواج داخل المجموعة نفسها والعزلة الجغرافية.

هذا النمط يزيد احتمالية انتقال الأمراض الوراثية المتنحية، وهي أمراض تظهر عندما يرث الشخص نسختين معطوبتين من الجين نفسه.

طفرات لأمراض وراثية في المجموعات القبلية

وأظهرت النتائج أن 27 من أصل 29 مجموعة قبلية حملت طفرات مسببة للأمراض بمعدلات ذات أهمية سريرية. ففي إحدى القبائل بجنوب الهند وُجدت طفرة مرتبطة بمرض نادر يُعرف بداء الألكابتونوريا alkaptonuria (مرض وراثي نادر ينتج من طفرة في جين HGD يمكن أن يسبب أضراراً جسيمة للمفاصل والأعضاء) لدى 12.5 في المائة من السكان، رغم أنها غير موجودة تقريباً في قواعد البيانات العالمية المستخدمة حالياً.

ويحذّر الباحثون من أن الفحوص الجينية التقليدية قد تفشل في اكتشاف مثل هذه الطفرات؛ لأنها ببساطة لم تكن معروفة من قبل.

اختلافات جينية في الاستجابة للأدوية

ولم تتوقف الدراسة عند الأمراض الوراثية فقط، بل كشفت أيضاً عن اختلافات جينية تؤثر على استجابة الجسم للأدوية. فعلى سبيل المثال، اكتشف الباحثون انتشار طفرة مرتبطة بمضاعفات التخدير لدى 29 مجموعة سكانية هندية؛ وهو ما قد يدفع الأطباء مستقبلاً إلى تعديل جرعات التخدير وفق الخلفية الجينية للمريض.

كما رصدت الدراسة متغيرات تؤثر على طريقة استقلاب بعض الأدوية النفسية ومسكنات الألم وأدوية السرطان؛ ما يعزز التوجه نحو «الطب الدقيق»، حيث تُصمم العلاجات حسب التركيبة الجينية لكل فرد.

لكن الخبراء يدعون إلى الحذر؛ إذ تؤكد ميرا بوروشوتام، الباحثة في المعهد الوطني للصحة العقلية وعلوم الأعصاب في الهند والتي لم تشارك في الدراسة، أن هذه النتائج واعدة، لكنها لا تزال في حاجة إلى المزيد من الدراسات السريرية قبل اعتمادها بشكل واسع في الممارسة الطبية اليومية.

ما لا نعرفه بعد

ورغم ضخامة المشروع، يشير بعض العلماء إلى أن ما تم تحليله لا يمثل سوى جزء صغير من الصورة الكاملة. فمعظم الأبحاث الحالية تركز على الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات والتي تشكل نحو 2 في المائة فقط من الجينوم البشري.

أما الـ98 في المائة المتبقية التي كانت تُعدّ سابقاً «حمضاً نووياً غير مهم»، فتضم مناطق تنظيمية معقدة قد تكون مسؤولة عن جزء كبير من الأمراض البشرية.

ويقول الباحثون إن المستقبل الحقيقي لعلم الجينات لن يقتصر على قراءة الجينات نفسها، بل على فهم الطريقة التي تتفاعل بها مع البيئة والغذاء ونمط الحياة وحتى الضغوط النفسية.

ما الذي يعنيه هذا للعالم؟

لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على الهند وحدها. فهي تمثل رسالة واضحة إلى المجتمع العلمي العالمي بأن الاعتماد على نموذج جيني أوروبي لفهم صحة البشر لم يعد كافياً. فكل مجتمع يحمل تاريخه الوراثي الخاص ومعه مخاطر صحية واستجابات دوائية مختلفة. ومن دون تمثيل أوسع للشعوب في قواعد البيانات الجينية قد يبقى ملايين الأشخاص خارج دائرة الطب الدقيق الحديث.

ومع استمرار التقدم في تقنيات تحليل الجينوم يبدو أن العالم يتجه نحو عصر تصبح فيه الخريطة الوراثية جزءاً أساسياً من الرعاية الصحية لا لتشخيص الأمراض فقط، بل للتنبؤ بها ومنعها قبل ظهورها.