أسطوانات من الشمع تحتفظ بأصوات مر عليها قرن

في «مكتبة نيويورك» آلة تنقل التسجيلات المتهالكة

جهاز «أندبوينت سليندر أند ديكتابليت ماشين» (نيويورك تايمز)
جهاز «أندبوينت سليندر أند ديكتابليت ماشين» (نيويورك تايمز)
TT

أسطوانات من الشمع تحتفظ بأصوات مر عليها قرن

جهاز «أندبوينت سليندر أند ديكتابليت ماشين» (نيويورك تايمز)
جهاز «أندبوينت سليندر أند ديكتابليت ماشين» (نيويورك تايمز)

أول تسجيل صوتي كان عبارة عن لفافة من الرقائق المتهالكة أمكن التعرف على محتواها الصوتي الذي يعود لطفل غاضب يحاول والده تهدئته. وفي نهايته يتمنى الأب عيد ميلاد سعيداً لكل من يسمعه. والتسجيل الثاني كان صاخباً واحتوى على الفصل الثاني من «أوبرا عايدة»، تؤديه المغنية الألمانية جوانا جادسكي في دار «أوبرا ميتروبوليتان» في ربيع عام 1903.
أما التسجيل الثالث فهو الأوضح حتى الآن، وقد احتوى على رقصة «الفالس» من مسرحية من «روميو وجولييت»، وتسجيل من أحد عروض مسرح «ميتروبوليتان» يعود لصوت غناء «السوبرانو» الأسترالية نيلي ميلبا. وأمكن تشغيل التسجيلات الثلاثة من خلال كومبيوتر محمول في قاعة المؤتمرات بـ«مكتبة نيويورك العامة للفنون المسرحية»، بعد أن اكتُشفت ورُقمنت من مصدر أقدم من ذلك بكثير، هو أسطوانات شمعية كانت شائعة في أواخر القرن الـ19. وكانت أول وسيلة تجارية لتسجيل الصوت. مخترع أداة التوثيق الخاصة كان ليونيل مابلسون، أمين مكتبة، ولد في إنجلترا وعمل في «أوبرا ميتروبوليتان» وصنع المئات من تسجيلات أسطوانات الشمع، التي وثق من خلالها جميع عروض الأوبرا في مطلع القرن، وهي المهمة التي عدّها جزءاً من وظيفته ومن حياته الأسرية.
لعقود من الزمان، كانت أسطوانات مابلسون، كما يطلق عليها أمناء المحفوظات واختصاصيو السمع، مورداً قيماً لكنه هش. والسبب في ذلك يرجع لكون أسطوانات الشمع لم تصنع للاستخدام على المدى الطويل، إذ تلاشت الأسطوانات الأولى نظراً لكونها عرضة للتلف بسبب ظروف التخزين السيئة. ولكن مع ابتكار جهاز «أندبوينت سليندر أند ديكتابليت ماشين»، وهي ماكينة مصممة خصيصاً لنقل الصوت بأمان من الأسطوانات، فقد انطلقت المكتبة في تنفيذ مشروع حفظ طموح ليس لرقمنة أسطوانات مابلسون فحسب، بل أيضاً لما يقرب من 2500 أسطوانة أخرى محفوظة في المكتبة.
سيساعد الجهاز المكتبة أيضاً على تشغيل بعض أسطوانات «مابلسون»، التي لم يسبق لأي الموجودين على قيد الحياة أن استمع إليها. وتعليقاً على الإنجاز الفريد، قالت جيسيكا وود، مساعدة أمين المكتبة للموسيقى والتسجيلات الصوتية: «ليس لدي أي فكرة عما ستبدو عليه، لكن بقاءها محطمة لزمن طويل حافظ عليها من التشغيل والاستهلاك لفترة طويلة. ومن الممكن أن تسمح لنا جودة صوتها سماع شيء جديد تماماً يعود للحظات الأولى في تاريخ التسجيل».

أسطوانات تسجيلات ليونيل مابلسون (نيويورك تايمز)

كانت بعض أسطوانات مابلسون موجودة بالفعل ضمن مجموعة المكتبة، لكن دفعة أخرى قدّمها أخيراً ألفريد مابلسون، حفيد أمين مكتبة «ميتروبوليتان». ورافق هذا التبرع مورد قيم آخر عبارة عن مجموعة من اليوميات كتبها ليونيل مابلسون، التي عرضت حياته اليومية وتاريخ «أوبرا ميتروبوليتان»، لتقدم سياقاً إضافياً لكل من تسجيلات مابلسون الصوتية وللعالم الأوسع لـ«أوبرا نيويورك». أشار أحد تسجيلات رأس السنة الجديدة في عام 1908 إلى «الاستقبال الهائل»، الذي قوبل به عرض الموسيقار غوستاف ماهلر، عندما عرض تسجيل آخر لحظة الغضب، حين رفض قائد الأوركسترا الإيطالي أرتورو توسكانيني أداء العرض بسبب الضوضاء الصادرة من سطح المسرح.
قال بوب كوسوفسكي، أمين الكتب والمخطوطات النادرة في قسم الموسيقى في مكتبة نيويورك العامة: «إن الاحتفاظ الدائم بهذه اليوميات أمر أكثر أهمية من كونها مجرد موسيقى. فهي تعطي رؤية مذهلة للحياة في نيويورك وإنجلترا، حيث كان يعود أرتورو توسكانيني كل صيف إلى العائلة».
حصلت المكتبة على الجهاز من منشئه، نيكولاس بيرغ، في الربيع الماضي، حسب «الإذاعة الوطنية العامة» في ذلك الوقت. قال بيرغ، الذي طور الآلة كجزء من عمله في مجال حفظ الصوتيات: «سُجلت الموسيقى الغربية في ذلك الوقت في الاستوديوهات، لذلك من الفريد جداً أن يكون لديك شخص يوثق ما كان يحدث بالفعل هناك في المسرح».
وسرعان ما تواصل ألفريد مابلسون مع المكتبة بشأن اليوميات، ومجموعة أسطوانات جده الأكبر، التي كانت تنتظر لسنوات إعادة اكتشافها في القبو الخاص بوالدته في منطقة «لونغ آيلاند». في نوفمبر (تشرين الثاني)، تمت تعبئة الأسطوانات في مبردات ونقلها بواسطة شاحنة يتم التحكم في درجة حرارتها إلى المكتبة، حيث تُخزّن الآن في صناديق من الورق المقوى خالية من الأحماض تهدف إلى التخفيف من مخاطر التدهور في المستقبل.
وكانت هذه الأسطوانات الخاصة متاحة في السابق للمكتبة في عام 1980. عندما نُقلت إلى شريط مغناطيسي وأُصدرت ضمن مجموعة من 6 مجلدات لتجميع تسجيلات مابلسون. بعد ذلك، أعيدت الأسطوانات إلى عائلة مابلسون، في حين بقيت المجموعة الأكبر في المكتبة. لكن وود قالت: «هناك أشخاص في جميع أنحاء العالم مقتنعون بأن النقل الجديد لتلك الأسطوانات سيكشف عن تفاصيل صوتية أكثر من السابقة».

كانت أسطوانات الشمع تُعزف تقليدياً على الفونوغراف (نيويورك تايمز)

وشُغلت أسطوانات الشمع تقليدياً على الفونوغراف، على غرار مشغل التسجيلات الحديث، حيث يسير القلم على الأخاديد في الشمع ليترجم المعلومات إلى صوت. تستخدم ماكينة «أند بوينت» الليزر، الذي يضغط بدرجة أقل على الأسطوانات، مما يسمح لها بأخذ بصمة مفصلة من دون المساس بسلامة الأسطوانة. ولتجنب تشوه بعض الأسطوانات مع مرور الوقت. يمكن للآلة الدخول إلى المعلومات من بين ثنايا الأسطوانة المكسورة التي لا يمكن تشغيلها تقليدياً، والتي يمكن بعد ذلك إعادة تشكيلها رقمياً في تسجيل سليم بالكامل.
واختتمت وود قائلة: إن «المكتبات تركز بشكل عام على الكتب والأشكال الورقية. لكننا وصلنا إلى نقطة يتعين علينا فيها التفكير بأهمية التسجيلات الصوتية، وهو ما يساعدنا في الحصول على المزيد من الزخم لاستثمار الموارد في رقمنة هذه التسجيلات».

- خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«ريماركبل بيبر بيور»... جهاز لوحي جديد بمواصفات متقدمة

تكنولوجيا «ريماركبل بيبر بيور»... جهاز لوحي جديد بمواصفات متقدمة

«ريماركبل بيبر بيور»... جهاز لوحي جديد بمواصفات متقدمة

يجمع الجهاز اللوحي الجديد «ريماركبل بيبر بيور» (ReMarkable Paper Pure)، ذو الشاشة ذات الأبيض والأسود، الذي أطلق أخيراً، بين أفضل تجربة كتابة قدّمتها «ريماركبل»

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم 
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)

هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟

تعتمد المدن حول العالم بشكل متزايد على الطبيعة لمواجهة تداعيات التغير المناخي، من موجات الحر والفيضانات وارتفاع مستويات البحار.

محمد السيد علي (القاهرة)
علوم غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

تشارك سفينة «رينيير» البحثية، التابعة للإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) في الوقت الراهن،

«الشرق الأوسط» ( لندن)
تكنولوجيا إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)

تقرير: 95 % ممن يلغون اشتراكاتهم السنوية في التطبيقات لا يعودون

تقرير جديد يظهر أن مستخدمي الاشتراكات السنوية في التطبيقات نادراً ما يعودون بعد الإلغاء، ما يضغط على نماذج الإيرادات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الباحثون يحذرون من الخلط بين الوعي الحقيقي ومعالجة المعلومات أو القدرة على الاستجابة (أرشيفية)

دراسة حديثة: قدرات الذكاء الاصطناعي لا تعني امتلاكه وعياً

تدعو الدراسة إلى معايير علمية أكثر صرامة قبل الحكم على وعي الذكاء الاصطناعي أو الخلط بين الوعي ومعالجة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)

اليابان تدرس خفض ضريبة المبيعات في أبريل المقبل

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

اليابان تدرس خفض ضريبة المبيعات في أبريل المقبل

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

ذكرت صحيفة «ماينيتشي» أن اليابان تدرس تطبيق خفض ضريبة مبيعات المواد الغذائية لمدة عامين، ابتداءً من أبريل (نيسان) من العام المقبل، وهي خطوة قد تجذب انتباه المستثمرين مجدداً إلى تدهور الوضع المالي للبلاد.

وقالت الصحيفة يوم الاثنين -نقلاً عن مسؤول حكومي لم تسمِّه- إن الحكومة تدرس خفض الضريبة من 8 في المائة إلى 1 في المائة، ابتداءً من أبريل من العام المقبل، وهو إطار زمني يسمح لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، المعروفة بتوجهاتها التيسيرية، بالترويج لهذه الخطوة قبل الانتخابات البلدية المقرر إجراؤها في ذلك الشهر.

ويكمن مفتاح نجاح هذه الخطوة في معرفة كيفية تمويل التخفيض الضريبي المؤقت، في ظل استمرار ضغوط المستثمرين على السندات، لاختبار مدى جدية تاكايتشي في مواصلة سياساتها المالية التوسعية، دون الاعتماد بشكل كبير على إصدار ديون جديدة. ويقول تاكاهيدي كيوتشي، الخبير الاقتصادي في معهد «نومورا» للأبحاث: «تكمن المشكلة الكبرى في نقاش التخفيض الضريبي في غياب أي تقدم يُذكر في المناقشات حول كيفية تمويله».

وأضاف: «قد يكون رفع معدل الضريبة مجدداً بعد عامين أمراً صعباً؛ إذ قد تعارض الأسر هذه الخطوة بوصفها زيادة ضريبية فعلية». وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية بشكل حاد، وسط مخاوف من زيادة مبيعات الديون، وذلك بعد أن تعهدت تاكايتشي بإلغاء الضريبة البالغة 8 في المائة على مبيعات المواد الغذائية لمدة عامين، لمساعدة الأسر على تخفيف أعباء ارتفاع تكاليف المعيشة. ومنذ ذلك الحين، نُوقشت تفاصيل الخطة في اجتماع ضمَّ الحزب الحاكم والمعارضة، ومن المتوقع أن تُعلن الحكومة النتائج هذا الشهر.

وذكرت الصحيفة أنه من المرجح خفض ضريبة المبيعات إلى 1 في المائة، بدلاً من النسبة المُخطط لها مبدئياً، وهي صفر، وذلك لتجنب الوقت الطويل اللازم لإصلاح أنظمة نقاط البيع، لتتعرف على معدل الضريبة الصفرية.

مصادر تمويل

وتفرض اليابان ضريبة استهلاك بنسبة 8 في المائة على المواد الغذائية، و10 في المائة على السلع والخدمات الأخرى، وهي مصادر تمويل رئيسية لتغطية تكاليف الرعاية الاجتماعية المتزايدة في ظل شيخوخة السكان المتسارعة. ومن ميزانية اليابان القياسية لعام 2026، والتي تبلغ 122 تريليون ين (764 مليار دولار)، يُموَّل ربعها تقريباً عن طريق إصدار الديون، ونحو 22 في المائة عن طريق ضريبة الاستهلاك، وهي أكبر مصدر للإيرادات الضريبية.

وتعليق ضريبة مبيعات المواد الغذائية البالغة 8 في المائة، والتي وصفتها تاكايتشي بأنها «حلمها الذي طالما راودها»، سيكلف 5 تريليونات ين سنوياً، أي ما يعادل تقريباً الإنفاق على التعليم. أما خفضها إلى 1 في المائة فسيكلف على الأرجح 4 تريليونات ين سنوياً. كما أن انخفاض أسعار السندات في يناير كان مدفوعاً جزئياً بعدم وضوح كيفية تمويل اليابان لتخفيضات الضرائب.

وذكرت صحيفة «نيكاي» يوم الثلاثاء أن الحكومة قد تسعى إلى تمويل خفض ضريبة المبيعات من خلال الزيادة المتوقعة في إجمالي الإيرادات الضريبية، لتجنب إصدار ديون إضافية. وقد أدى الانتعاش الاقتصادي والتضخم في اليابان إلى زيادة مطَّردة في الإيرادات الضريبية. وتتوقع الحكومة أن تجني إيرادات ضريبية بقيمة 83.7 تريليون ين في السنة المالية الحالية المنتهية في مارس (آذار) 2027، بزيادة قدرها 25 في المائة عن السنوات الخمس الماضية، وفقاً لصحيفة «نيكاي».

مشتريات السندات

وفي سياق منفصل، أظهر محضر اجتماع بين بنك اليابان والمؤسسات المالية، عُقد يوم الثلاثاء، أن البنك تلقى عدداً كبيراً من الطلبات لوقف أو إبطاء وتيرة تقليص مشترياته من السندات ابتداءً من السنة المالية 2027. ونُقل عن أحد المشاركين قوله: «لا داعي لمزيد من التقليص؛ لأنه حتى لو استمر بنك اليابان في الشراء بالوتيرة الحالية البالغة 2.1 تريليون ين (شهرياً)، فإن رصيد احتياطياته سينخفض بشكل ملحوظ على المدى المتوسط إلى الطويل، وقد يُسبب ضغطاً على سوق المال».

وأشار مشاركان آخران إلى ضرورة الإبقاء على وتيرة شراء السندات الشهرية الحالية لما بعد السنة المالية 2027؛ حيث رأى أحدهما أن مستوى المشتريات الحالي يُضاهي المستوى الذي كان سائداً قبل إطلاق بنك اليابان برنامجاً ضخماً لشراء الأصول في عام 2013، وفقاً لما جاء في الملخص. وأظهر رأي رابع أنه «لتوفير عملة تتناسب مع النمو الاقتصادي، ينبغي للبنك الاستمرار في شراء سندات الحكومة اليابانية على نطاق معين».

وسيُراجع بنك اليابان، خلال اجتماعه المقرر عقده يومي 15 و16 يونيو (حزيران)، خطته لخفض برنامج شراء السندات، والتي تستمر حتى مارس من العام المقبل، وسيضع خطة جديدة للسنة المالية 2027. وقد عُقد اجتماع بنك اليابان مع المؤسسات المالية لمدة يومين، بدءاً من 21 مايو (أيار)، لجمع آرائهم حول سوق السندات، والتي ستنعكس في قرار البنك المركزي بشأن خفض البرنامج.


ماذا يقول التاريخ عن المنتخبات العربية في كأس العالم؟

المنتخب المغربي حقق إنجازاً تاريخياً بالوصول إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 (أ.ب)
المنتخب المغربي حقق إنجازاً تاريخياً بالوصول إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 (أ.ب)
TT

ماذا يقول التاريخ عن المنتخبات العربية في كأس العالم؟

المنتخب المغربي حقق إنجازاً تاريخياً بالوصول إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 (أ.ب)
المنتخب المغربي حقق إنجازاً تاريخياً بالوصول إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 (أ.ب)

على امتداد أكثر من تسعين عاماً من المشاركة العربية في كأس العالم، عاشت الجماهير لحظات قليلة لكنها خالدة، لحظات تجاوزت فيها المنتخبات العربية حدود التوقعات ونجحت في فرض حضورها على أكبر مسرح كروي في العالم. وبين أول مشاركة عربية عبر مصر عام 1934 وأحدث ظهور في مونديال قطر 2022، تنوعت الإنجازات واختلفت الأجيال، لكن بعض المحطات بقيت محفورة في الذاكرة باعتبارها الأعظم في تاريخ الكرة العربية.

ويبقى الإنجاز المغربي في كأس العالم 2022 العلامة الفارقة والأبرز على الإطلاق. فالمنتخب المغربي لم يكتفِ بالتأهل إلى الدور الثاني كما فعلت منتخبات عربية سابقة، بل واصل رحلته التاريخية حتى نصف النهائي، ليصبح أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ هذا الدور منذ انطلاق البطولة عام 1930.

ولم يكن الطريق سهلاً أمام «أسود الأطلس». فقد أوقعتهم القرعة في مجموعة صعبة ضمت كرواتيا وصيفة بطل العالم 2018، وبلجيكا المصنفة الثانية عالمياً آنذاك، إضافة إلى كندا. بدأ المغرب مشواره بتعادل سلبي أمام كرواتيا، ثم فجر مفاجأة كبيرة بالفوز على بلجيكا بهدفين دون رد، قبل أن يهزم كندا بنتيجة 2-1 ويتصدر المجموعة بسبع نقاط، متقدماً على كرواتيا وبلجيكا معاً.

مصر أول منتخب عربي يتأهل لنهائيات كأس العالم في عام 1934 (الاتحاد المصري)

وفي ثمن النهائي اصطدم بإسبانيا، أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب. وبعد مباراة ملحمية انتهت بالتعادل، تألق الحارس ياسين بونو وقاد المغرب للفوز بركلات الترجيح. ثم جاءت المباراة التاريخية أمام البرتغال في ربع النهائي، حين سجل يوسف النصيري هدف الانتصار الشهير ليقود المغرب إلى نصف النهائي للمرة الأولى عربياً وأفريقياً. ورغم الخسارة أمام فرنسا ثم كرواتيا، أنهى المنتخب المغربي البطولة في المركز الرابع، محققاً أفضل نتيجة عربية وأفريقية في تاريخ كأس العالم.

وقبل إنجاز المغرب بـ36 عاماً، كتبت الكرة المغربية أيضاً صفحة أخرى من التاريخ في مونديال المكسيك 1986. يومها أصبح المغرب أول منتخب عربي وأفريقي يتأهل إلى الدور الثاني في كأس العالم. وضمت مجموعته منتخبات إنجلترا وبولندا والبرتغال، لكن المغاربة قلبوا كل التوقعات وتصدروا المجموعة بخمس نقاط وفق نظام النقطتين للفوز آنذاك. وتعادلوا مع بولندا وإنجلترا قبل أن يحققوا انتصاراً تاريخياً على البرتغال بنتيجة 3-1. وفي الدور الثاني خرجوا بصعوبة أمام ألمانيا الغربية بهدف متأخر سجله لوثار ماتيوس، لكن الإنجاز بقي لعقود طويلة معياراً للنجاح العربي في المونديال.

المنتخب السعودي دوّن اسمه في سجلات المونديال عندما ألحق بالأرجنتين خسارة بنتيجة 2-1 (أ.ف.ب)

أما السعودية فدخلت التاريخ من بوابة مونديال الولايات المتحدة 1994. ففي أول مشاركة لها في كأس العالم، نجحت في بلوغ الدور ثمن النهائي، لتصبح أول منتخب عربي آسيوي يحقق هذا الإنجاز. وخسرت السعودية مباراتها الأولى أمام هولندا بهدفين لهدف، لكنها عادت لتفوز على المغرب 2-1 ثم على بلجيكا بهدف سعيد العويران الأسطوري الذي ما زال يعد أحد أجمل أهداف كأس العالم عبر التاريخ. وتأهل «الأخضر» إلى الدور الثاني قبل أن يخرج أمام السويد التي واصلت طريقها حتى نصف النهائي.

منتخب الجزائر نجح في عبور الدور الأول للمرة الأولى في تاريخه عام 2014 (رويترز)

وفي عام 2014، أعادت الجزائر كتابة تاريخها الخاص في كأس العالم بالبرازيل. فبعد 32 عاماً من انتصارها الشهير على ألمانيا الغربية في مونديال 1982، نجحت أخيراً في عبور الدور الأول للمرة الأولى. وحصد المنتخب الجزائري أربع نقاط في مجموعة ضمت بلجيكا وروسيا وكوريا الجنوبية، قبل أن يواجه ألمانيا في ثمن النهائي. ورغم الخسارة 2-1 بعد التمديد، قدم الجزائريون واحدة من أفضل مبارياتهم على الإطلاق وأجبروا الألمان على بذل أقصى جهدهم. ولم يكن غريباً أن يصف كثيرون تلك المواجهة بأنها من أصعب المباريات التي خاضتها ألمانيا في طريقها نحو اللقب العالمي.

ورغم أن منتخبات عربية أخرى لم تبلغ الأدوار الإقصائية، فإنها تركت بصمات تاريخية لا تقل أهمية. فمنتخب تونس أصبح عام 1978 أول منتخب عربي وأفريقي يحقق الفوز في كأس العالم عندما قلب تأخره أمام المكسيك إلى انتصار بنتيجة 3-1. أما الجزائر فقد حققت واحدة من أكبر مفاجآت تاريخ البطولة عندما هزمت ألمانيا الغربية 2-1 في مونديال 1982، في مباراة ما زالت حاضرة في ذاكرة كرة القدم العالمية.

تونس أول منتخب عربي وأفريقي يحقق فوزاً في نهائيات كأس العالم (الاتحاد التونسي)

كما دوّن المنتخب السعودي اسمه في سجلات المونديال مجدداً عندما ألحق بالأرجنتين، بطلة العالم لاحقاً، خسارة مفاجئة بنتيجة 2-1 في كأس العالم 2022، في واحدة من أكبر مفاجآت البطولة الحديثة.

وعلى الرغم من تباين الإنجازات بين جيل وآخر، فإن المسار التاريخي للمنتخبات العربية يظهر تطوراً واضحاً في قدرتها على المنافسة أمام القوى التقليدية. فمن أول فوز لتونس، إلى أول تأهل للمغرب، ثم عبور السعودية والجزائر إلى الأدوار الإقصائية، وصولاً إلى الملحمة المغربية في قطر، انتقلت الكرة العربية من مرحلة المشاركة الرمزية إلى مرحلة الحلم المشروع بمنافسة الكبار.

واليوم، وبعد الإنجاز المغربي غير المسبوق، لم يعد الوصول إلى الدور الثاني أو حتى ربع النهائي يبدو حلماً مستحيلاً بالنسبة للمنتخبات العربية.


الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجية العاملين… بدلاً من تسريحهم

نظام متكامل بالذكاء الاصطناعي لمراقبة العملية الإنتاجية
نظام متكامل بالذكاء الاصطناعي لمراقبة العملية الإنتاجية
TT

الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجية العاملين… بدلاً من تسريحهم

نظام متكامل بالذكاء الاصطناعي لمراقبة العملية الإنتاجية
نظام متكامل بالذكاء الاصطناعي لمراقبة العملية الإنتاجية

يقيس الكثير من الرؤساء التنفيذيين نجاح تبني الذكاء الاصطناعي بعدد الوظائف التي يمكنهم الاستغناء عنها. ففي الأسابيع القليلة الماضية فقط، أعلنت بعض الشركات عن تسريح عشرات الآلاف من الموظفين، وعزت ذلك إلى الذكاء الاصطناعي، وهي موجة وصفها أحد رؤساء البنوك العالمية، بأسلوب غير دبلوماسي، بأنها استبدال التكنولوجيا بـ«رأس المال البشري ذي القيمة المنخفضة»، كما كتبت باتريشيا كوهين*.

فهم ضيّق لإمكانات الذكاء الاصطناعي

لكن هذه الآراء تعكس «فهماً ضيقاً للغاية» لإمكانات الذكاء الاصطناعي، كما يقول إريك برينجولفسون، مدير مختبر الاقتصاد الرقمي في جامعة ستانفورد. ويضيف: «يعتقد الكثيرون خطأً أن الطريقة الوحيدة لتحقيق الإنتاجية من الذكاء الاصطناعي هي خفض تكلفة العمالة». ويُعدّ برينجولفسون واحداً من مجموعة من الاقتصاديين الذين يرون أن الشركات يمكنها تحقيق مكاسب أكبر باستخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجية العمال بدلاً من استبدالهم.

وقد أخذت شركة «شنايدر إلكتريك»، وهي شركة عالمية رائدة في مجال تكنولوجيا الطاقة ومقرها فرنسا، هذه الرسالة على محمل الجد. وتسعى الشركة، التي تضم قوة عاملة تقارب 160 ألف موظف حول العالم، إلى تبني الذكاء الاصطناعي في جميع أقسامها.

عاملات بمصنع شركة «شنايدر» في فرنسا

تحديد مَواطن إهدار الوقت

بدأت الشركة بتحديد «مَواطن إهدار موظفينا للوقت في أداء مهام متكررة، أو مهام مملة، أو القيام بأمور لا تُعدّ مناسبة من الأساس»، كما صرّح فيليب رامباخ، كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي في الشركة... أي بعبارة أخرى، رصد العمل الذي يعيق سير العمل.

مراكز الاتصال: الذكاء الاصطناعي يسرّع إجابة الاستفسارات

كانت مراكز الاتصال مثالاً واضحاً لشركة «شنايدر». فقد يتذمر أي شخص عانى تعقيدات نظام الرد الآلي عبر الهاتف من فكرة المزيد من التعديلات التكنولوجية. لكن رامباخ أوضح أن الهدف هو استخدام هذه التقنية لتوفير إجابات بشكل أسرع للعملاء.

وقبل أن تبدأ الشركة في استخدام الذكاء الاصطناعي، كان موظفو خدمة العملاء يتلقون آلاف الأسئلة من المتصلين، ويخوضون رحلة بحث مضنية عبر ملايين الصفحات من المعلومات للعثور على الإجابة، كما ذكر رامباخ. وأضاف: «تخيلوا ماذا؟ لم يكن عملاؤنا راضين تماماً عن جودة الإجابة، ولا عن سرعتها».

أما الآن، فيتولى الذكاء الاصطناعي مهمة البحث، ويُفصّل كيفية اختيار المعلومات ومصدرها. ثم يقوم الموظف بمراجعة الإجابة، وإذا لزم الأمر، يُعدّلها ويُحسّنها بالتشاور مع المتصل.

75 % من الإجابات... «ذكية»

في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025، استقبلت مراكز الاتصال 150 ألف سؤال واستفسار. وفي ثلاثة أرباع الحالات، تمكّن الذكاء الاصطناعي من تقديم الإجابة الصحيحة على أسئلة بسيطة، مثل: «لماذا لا يُظهر جهاز مراقبة الطاقة المتصل حديثاً مستويات الاستهلاك؟». في هذه الحالات، استخدم الموظفون الردّ المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي. أما في الحالات المتبقية، فقد عمل الموظفون مع المتصلين على حلّ مشاكل أكثر تعقيداً.

وقال رامباخ إن أوقات الاستجابة أصبحت أسرع، وأصبح الموظفون أكثر سعادة؛ لأن الوقت الذي وفروه من البحث في قواعد البيانات للإجابة عن الأسئلة الشائعة أتاح لهم مزيداً من الوقت للعمل مع العملاء.

أداء أفضل

سجلت شركات أخرى مكاسب في إنتاجية موظفيها. فقد وجدت دراسة أجراها برينجولفسون سوية مع الباحثتين ليندسي ريموند ودانييل لي، على أداء أكثر من 5000 موظف لدعم العملاء في واحدة من شركات قائمة «فورتشن 500»، أن مساعدة الذكاء الاصطناعي سمحت للموظفين، في المتوسط، بحل 15 في المائة مشاكل أكثر، مع تحسن ملحوظ في سرعة وجودة الأداء لدى الموظفين الأقل خبرة ومهارة.

في الوقت نفسه، وجدوا أن المتصلين أصبحوا أكثر تهذيباً وأقل عرضة لقول العبارة التي بات كل موظف خدمة عملاء يخشاها: «أريد التحدث إلى المدير».

الذكاء الاصطناعي في المصانع

في مصنع مُطوّر في لو فودروي، على بُعد نحو 60 ميلاً شمال باريس في نورماندي، تستخدم شركة «شنايدر» الذكاء الاصطناعي لإدارة عمليات صناعية معقدة في موقع عريق يعود تاريخه إلى عقود، وقد تم تحديثه بالفعل بأدوات روبوتية ورقمية - بعضها بلمسة فرنسية.

وقالت فيرجيني ريغودو، قائدة مشروع في شركة «شنايدر»: «لا حاجة إلى الذكاء الاصطناعي في كل مكان. فنحن لا نستخدمه إلا عندما نتأكد من أنه يُضيف قيمة حقيقية».

نظام لمراقبة جودة العناصر الصناعية

وتنتج الشركة 74 مليون رأس فضي سنوياً لتصنيع الموصلات الكهربائية - وهي المفاتيح المستخدمة لتشغيل وإيقاف الدوائر الكهربائية في المصاعد والمحركات والمركبات الكهربائية وأنظمة التدفئة ووحدات الإضاءة وغيرها.

وبفضل الذكاء الاصطناعي، يستطيع المشغلون رؤية تمثيل مرئي ومعرفة الكمية الدقيقة للمواد المستخدمة ومعايير جودتها. كما تُستخدم كاميرات مُحسّنة بتقنية الذكاء الاصطناعي لتقييم جودة المنتجات النهائية في غضون ثوانٍ.

وفورات مالية هائل

وقالت ريغودو إن الوفورات كانت هائلة. ففي غضون عام واحد، خفضت الشركة النفايات الناتجة من العملية بنسبة 73 في المائة، وانخفض استهلاك المياه بشكل كبير. كما لم تعد هناك حاجة إلى إرسال عينات من كل دفعة إلى مختبر خارجي لإجراء الاختبارات، وهي عملية كانت تستغرق من 24 إلى 48 ساعة. وقد وفر ذلك آلاف اليوروات من تكاليف المختبر، مع خفض استهلاك البنزين - من الشاحنات التي كانت تنقل العينات من المختبر وإليه - بنسبة 22 في المائة.

كاميرا ذكية للتدقيق في جودة المنتجات

تحسين أداء الموظفين... لا الاستغناء عنهم

في بعض الدول الأوروبية، يُشجع استخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجية العمال - وليس استبدالهم - بموجب قوانين عمل صارمة تجعل تسريح الموظفين أمراً صعباً ومكلفاً.

أما في الولايات المتحدة، كما قال برينجولفسون، فإن السياسات الحكومية غالباً ما تشجع الشركات على الاستثمار في رأس المال وتقليص عدد العمال. وأشار إلى قانون الضرائب. وأضاف: «إذا كنتَ بصدد تأسيس مشروع جديد، ولديك عدد كبير من العمال، فسيتعين عليك دفع ضرائب أعلى. أما إذا استثمرتَ في رأس المال فقط، فستدفع ضرائب أقل».

توقعات متباينة

وبالطبع، تشمل التوقعات المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل احتمالاتٍ متعددة. وبينما يتفق الكثير من الاقتصاديين على أن صانعي السياسات والشركات لديهم خيارات بشأن كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي، يتساءل البعض عما إذا كانت هذه الخيارات تتقلص.

وقال أنطون كورينيك، الذي أسهم في قيادة مشروع اقتصاديات الذكاء الاصطناعي التحويلي في جامعة فرجينيا، إن الوضع «غير قابل للتنبؤ إلى حد كبير». وأضاف أن الذكاء الاصطناعي «سيخلق وظائف ويقضي على أخرى، وليس من الواضح أيّهما سيكون له الأثر الأكبر».

وقال كورينيك إنه بدأ درس كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لمساعدة القوى العاملة منذ أكثر من 15 عاماً، لكن التطورات المذهلة جعلته أكثر تشككاً في قدرة المجتمع على توجيه مسار تطويره واستخدامه. وأضاف: «لم يعد من السهل تحديد اتجاهه كما كان من قبل».

وأشار إلى أنه في مرحلة ما، سيصبح الذكاء الاصطناعي «أكثر إنتاجية وأقل تكلفة بكثير من البشر». وأدلى كورينيك، الذي انضم أخيراً إلى فريق أبحاث الاقتصاد في معهد «أنثروبيك»، الذراع البحثية لشركة الذكاء الاصطناعي، بهذه التصريحات قبل توليه منصبه الجديد.

* خدمة «نيويورك تايمز»