ليو جونيور: بيليه كان ملكاً لم يتصرف مثل الملوك

النجم البرازيلي السابق يصف «الأسطورة» بأنه كان متواضعاً وودوداً وقريباً دائماً من الآخرين

إحدى المعزيات تلتقط صورة لقطع قماش مطبوع عليها صور رمزية للراحل بيليه (أ.ف.ب)
إحدى المعزيات تلتقط صورة لقطع قماش مطبوع عليها صور رمزية للراحل بيليه (أ.ف.ب)
TT

ليو جونيور: بيليه كان ملكاً لم يتصرف مثل الملوك

إحدى المعزيات تلتقط صورة لقطع قماش مطبوع عليها صور رمزية للراحل بيليه (أ.ف.ب)
إحدى المعزيات تلتقط صورة لقطع قماش مطبوع عليها صور رمزية للراحل بيليه (أ.ف.ب)

في المقالة التالية، يتحدث ليو جونيور، اللاعب الدولي البرازيلي السابق، عن الأسطورة الراحل بيليه الذي توفي يوم الخميس عن عمر ناهز 82 عاماً بعد صراع مع سرطان القولون. يصف جونيور «الجوهرة السوداء» بأنه كان صبوراً ومتواضعاً وودوداً وقريباً دائماً من الآخرين. ويؤكد أنه كان يستحق أن ينادى بلقب «ملك»، لأنه كان ملكاً بالفعل، لكنه لم يكن يتصرف كملك، بل كان متواضعاً للغاية، ولم يتعالَ أبداً على أي شخص.
وصفني بيليه ذات مرة بأنني مثله الأعلى. كان ذلك في اليوم الذي لعبت فيه معه - كانت هذه المرة الوحيدة التي ألعب معه - وكانت أكثر اللحظات التي شعرت فيها بالسعادة. كان ذلك في مباراة ودية نُظمت لجمع الأموال للأعمال الخيرية على ملعب ماراكانا الشهير في أبريل (نيسان) عام 1979، وجاء لمشاهدة المباراة 140 ألف متفرج بعد الفيضانات التي ضربت ولاية ميناس غيرايس. وكانت هذه المباراة بين ناديي فلامنغو وأتلتيكو مينيرو. لقد وصفني بيليه آنذاك بأنني «مثله الأعلى»، وهو ما يعكس شخصيته الجميلة وروح الدعابة التي كان يتحلى بها، وقدرته على دعم واحتضان الآخرين دائماً. لقد لعب معنا - كنت أنا وزيكو في فريق فلامنغو - وكان اللعب معه بمثابة حلم، خصوصاً عندما مررت له الكرة.

جونيور وصف بيليه بأنه كان ودوداً وقريباً من الآخرين (أ.ف.ب)

كان بيليه هو الأعظم بالنسبة للجميع من جيلنا. ومن الصعب التعبير عما كان يعنيه بالنسبة لنا. لقد كان الأفضل بالنسبة لي منذ سن مبكرة، وعندما أفكر فيه فإنني أتذكر على الفور جدتي. لقد كان نادي سانتوس يلعب مبارياته الكبيرة على استاد ماراكانا وليس في ساو باولو، وأعني بذلك المباريات أمام أندية مثل بوتافوغو بقيادة غارينشا، أو ميلان. لكن جدتي كانت مغرمة بسانتوس وبيليه، وأينما ذهبا إلى أي مكان كانت جدتي تأخذني لمشاهدتهما. كنت أشعر بأنني في حفل بكل مرة أذهب فيها لمشاهدة بيليه وهو يلعب مع سانتوس. وما زلت أتذكر مباراة ميلان على وجه التحديد. لقد كانت هناك دائماً بعض الشكوك حول قدرة بيليه على التألق أمام المدافعين الأوروبيين الأقوياء، كأنه كان بحاجة إلى أن يثبت شيئاً ما للآخرين، وكان في كل مرة يثبت للجميع أنه فعلاً بهذه الجودة الاستثنائية والمهارة الفذة.
وعندما ترى لقطات سابقة لبيليه ترى الملاعب السيئة التي كان يلعب عليها، وكيف كانت الأحذية والكرات، وكم كانت القمصان ثقيلة! لقد فعل كل ذلك في تلك الظروف الصعبة. لقد كان يملك قدمين ساحرتين قادرتين على القيام بأشياء لا يمكن تصديقها. وعلاوة على ذلك، كان يستطيع القفز عالياً، ولم يكن بإمكان المدافعين أن يسقطوه أرضاً، ويمكنك أن ترى ذلك بوضوح في الفيلم الوثائقي الذي يُظهر له لقطات وهو في السابعة عشرة من عمره. وبعد ذلك، ذهب إلى المكسيك وقاد البرازيل للفوز بكأس العالم بعدما لعب بهذه الطريقة الرائعة.
كان عمري 16 عاماً في عام 1970 وكنت قد بدأت للتو اللعب على المستوى الاحترافي. وكان أكثر ما أثار إعجابي بشأن بيليه آنذاك هو الاحترافية الشديدة التي كان يتحلى بها، واستعداده للتضحية. قالوا إنه كان يعاني من مشاكل في العين، وأي لاعب آخر كان سيعاني بشدة من ذلك، لكنه كان قوياً للغاية من الناحية الذهنية. وعلى أرض الملعب، كان يرسم الابتسامة على وجهه دائماً، ويبدو كأنه أسعد شخص في العالم. لقد كان ينثر السعادة في أي مكان يذهب إليه.

كان 1970 عاماً صعباً للغاية على البرازيل من الناحية السياسية، لكن كان هناك شيء في المنتخب البرازيلي أعاد الناس إلى جوهر كرة القدم، وبدا الأمر كأن أي شيء آخر غير مهم. لقد شاهدت كأس العالم عام 1970 في منزل أحد أصدقائي في كوباكابانا. وحسبما أتذكر، فإن والده كان يعمل في سفارة الولايات المتحدة وكان لديه جهاز تلفزيون ينقل الصورة بالألوان. وكان جميع أصدقائنا، نحو 20 شخصاً، يتجمعون هناك لمشاهدة المباريات. واشتركنا معاً واشترينا سيارة قديمة كنا نتجول بها في الشوارع احتفالاً بفوز البرازيل. لم تكن السيارة بالطبع قادرة على أن تحمل 20 شخصاً، لذلك كان 10 أشخاص يستقلون السيارة، والعشرة الآخرون يركضون حولها، ثم نتبادل الأدوار بعد فترة.
وكان بيليه يمتعنا بلمحات من مستودع موهبته الذي لا ينفد، ولم تكن هذه اللحظات تتعلق بالأهداف فقط. لقد أحرز هدفاً جميلاً بضربة رأس قوية ومتقنة في المباراة النهائية ضد إيطاليا، لكنه أيضاً سدد تلك الكرة الذكية والجميلة من منتصف ملعب فريقه باتجاه مرمى تشيكوسلوفاكيا، وراوغ حارس مرمى أوروغواي بطريقة عجيبة، ولعب كرة رائعة بالرأس أنقذها غوردون بانكس. ربما كانت تلك المباراة أمام المنتخب الإنجليزي هي الأصعب، لكنها كانت أجمل مباراة لعبتها البرازيل، وانتهت تلك المباراة بالصورة الشهيرة التي احتضن فيها بيليه بوبي مور. إنها صور أيقونية، تعكس حقيقة أن الفن يجب أن يكون من أجل المتعة في المقام الأول، وليس من أجل تحقيق هدف معين، وهذا هو ما يمكن قوله أيضاً عن منتخب البرازيل في كأس العالم عام 1982 عندما قدم كرة قدم جميلة وممتعة، لكنه لم يفُز بالبطولة. لكن في النهاية لا يذكر التاريخ سوى الفريق الفائز!
لكن في عام 1970 تمكن المنتخب البرازيلي من أن يجمع بين كرة القدم الجميلة والفوز بالبطولة معاً، وهذا هو الهدف العظيم الذي يسعى لتحقيقه كل المديرين الفنيين. لقد نجح بيليه في الفوز بكأس العالم ثلاث مرات. وفي المكسيك، أشرك المدير الفني للسيليساو، ماريو زاجالو، أربعة صناع لعب في الفريق نفسه، وهو الأمر الذي يبدو مستحيلاً من الناحية العملية. ثم في عام 1982 كان لدينا خط وسط رهيب يضم فالكاو وسقراط وزيكو، وكان من الصعب أن يلعب هؤلاء الثلاثة معا أيضاً في الفريق نفسه. كان اللاعبون يلعبون بحرية كبيرة، وربما هذا هو السبب في أن منتخب البرازيل لعام 1982 ترك بصمة كبيرة في تاريخ كرة القدم العالمية، على الرغم من عدم فوزه باللقب في نهاية المطاف. أي شخص يعشق كرة القدم لا يمكنه إلا أن يعشق ما قدمه راقصو السامبا في مونديال 1982.
لقد كان مونديال 1970 هو مصدر الإلهام للجميع بعد ذلك، لكن لا يمكننا المقارنة بين كرة القدم في عصر بيليه وكرة القدم حالياً. لقد فعل بيليه كل ما فعله في عصر مختلف، حيث نشأ وأصبح لاعباً محترفاً قبل ظهور التلفزيون، ودون الاتصالات الموجودة الآن، ودون وسائل التواصل الاجتماعي. لك أن تتخيل إلى أي مدى كان سيصل إليه بيليه لو كان موجوداً حالياً! وعندما يقارن الناس بين منتخبي 1970 و1982، فيمكنني أن أقول إن منتخب 1982 هو نفسه منتخب 1970 لكن من دون بيليه، الذي كان قادراً على حسم الأمور في الأوقات الصعبة.
وفي وقت لاحق، كنت محظوظاً للغاية لأنني عملت مع بيليه محللاً للمباريات على قناة «أو غلوبو تي في» مع المعلق البرازيلي الشهير غالفاو بوينو. لقد كان العمل مع بيليه سهلاً وسلساً للغاية. لم نكن نناديه ببيليه، ولكننا كنا نناديه بالملك، لأنه كان ملكاً بالفعل. لكنه لم يكن يتصرف أبداً كملك، بل كان متواضعاً للغاية، ولم يتعالَ أبداً على أي شخص.
كان لي الشرف أن أتعرف على بيليه من الناحية الشخصية. كان يقضي كثيراً من الوقت مع الناس، ويوقع كثيراً من الأوتوغرافات، ويساعد ويدعم الجميع. لقد كان صبوراً للغاية، ومتعاطفاً مع الآخرين، ومتواضعاً، وودوداً وقريباً من الجميع. ما زلت أتذكر عندما سافرت معه إلى كأس العالم 2010، ورد فعله عندما اكتشف أن معه على الطائرة نفسها اللاعب الأوروغوياني السابق ألسيديس غيغيا، الذي سجل هدف الفوز على البرازيل في كأس العالم 1950 على ملعب ماراكانا وحرم البلد المضيف من الفوز بالمونديال، في أكبر صدمة في تاريخ البرازيل الرياضي.
لقد أدى هذا الهدف إلى بكاء والد بيليه، دوندينيو، وجعل بيليه يتعهد له بالفوز بكأس العالم حتى لا يضطر إلى البكاء مرة أخرى. وبعد ستين عاماً، سمع بيليه أن غيغيا على متن الطائرة، فنهض من مكانه وذهب إليه واحتضنه بشدة!


مقالات ذات صلة

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الرياضة الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

أصدرت محكمة في نابولي حكماً بالسجن، في حق مُدافع فريق «مونتسا» الدولي أرماندو إيتزو، لمدة 5 أعوام؛ بسبب مشاركته في التلاعب بنتيجة مباراة في كرة القدم. وقال محاموه إن إيتزو، الذي خاض 3 مباريات دولية، سيستأنف الحكم. واتُّهِم إيتزو، مع لاعبين آخرين، بالمساعدة على التلاعب في نتيجة مباراة «دوري الدرجة الثانية» بين ناديه وقتها «أفيلينو»، و«مودينا»، خلال موسم 2013 - 2014، وفقاً لوكالات الأنباء الإيطالية. ووجدت محكمة في نابولي أن اللاعب، البالغ من العمر 31 عاماً، مذنب بالتواطؤ مع «كامورا»، منظمة المافيا في المدينة، ولكن أيضاً بتهمة الاحتيال الرياضي، لموافقته على التأثير على نتيجة المباراة مقابل المال.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الرياضة الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

أعلنت رابطة الدوري الإسباني لكرة القدم، اليوم (الخميس)، أن الأندية قلصت حجم الخسائر في موسم 2021 - 2022 لأكثر من ستة أضعاف ليصل إلى 140 مليون يورو (155 مليون دولار)، بينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 23 في المائة لتتعافى بشكل كبير من آثار وباء «كوفيد - 19». وأضافت الرابطة أن صافي العجز هو الأصغر في مسابقات الدوري الخمس الكبرى في أوروبا، والتي خسرت إجمالي 3.1 مليار يورو، وفقاً للبيانات المتاحة وحساباتها الخاصة، إذ يحتل الدوري الألماني المركز الثاني بخسائر بقيمة 205 ملايين يورو. وتتوقع رابطة الدوري الإسباني تحقيق صافي ربح يقل عن 30 مليون يورو في الموسم الحالي، ورأت أنه «لا يزال بعيداً عن المستويات قب

«الشرق الأوسط» (مدريد)
الرياضة التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

منح فريق التعاون ما تبقى من منافسات دوري المحترفين السعودي بُعداً جديداً من الإثارة، وذلك بعدما أسقط ضيفه الاتحاد بنتيجة 2-1 ليلحق به الخسارة الثانية هذا الموسم، الأمر الذي حرم الاتحاد من فرصة الانفراد بالصدارة ليستمر فارق النقاط الثلاث بينه وبين الوصيف النصر. وخطف فهد الرشيدي، لاعب التعاون، نجومية المباراة بعدما سجل لفريقه «ثنائية» في شباك البرازيلي غروهي الذي لم تستقبل شباكه هذا الموسم سوى 9 أهداف قبل مواجهة التعاون. وأنعشت هذه الخسارة حظوظ فريق النصر الذي سيكون بحاجة لتعثر الاتحاد وخسارته لأربع نقاط في المباريات المقبلة مقابل انتصاره فيما تبقى من منافسات كي يصعد لصدارة الترتيب. وكان راغد ال

الرياضة هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

يسعى فريق الهلال لتكرار إنجاز مواطنه فريق الاتحاد، بتتويجه بلقب دوري أبطال آسيا بنظامها الجديد لمدة عامين متتاليين، وذلك عندما يحل ضيفاً على منافسه أوراوا ريد دياموندز الياباني، السبت، على ملعب سايتاما 2022 بالعاصمة طوكيو، بعد تعادل الفريقين ذهاباً في الرياض 1 - 1. وبحسب الإحصاءات الرسمية للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، فإن فريق سوون سامسونغ بلو وينغز الكوري الجنوبي تمكّن من تحقيق النسختين الأخيرتين من بطولة الأندية الآسيوية أبطال الدوري بالنظام القديم، بعد الفوز بالكأس مرتين متتاليتين موسمي 2000 - 2001 و2001 - 2002. وتؤكد الأرقام الرسمية أنه منذ اعتماد الاسم الجديد للبطولة «دوري أبطال آسيا» في عا

فارس الفزي (الرياض)
الرياضة رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

تعد الملاكمة رغد النعيمي، أول سعودية تشارك في البطولات الرسمية، وقد دوّنت اسمها بأحرف من ذهب في سجلات الرياضة بالمملكة، عندما دشنت مسيرتها الدولية بفوز تاريخي على الأوغندية بربتشوال أوكيدا في النزال الذي احتضنته حلبة الدرعية خلال فبراير (شباط) الماضي. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قالت النعيمي «كنت واثقة من فوزي في تلك المواجهة، لقد تدربت جيداً على المستوى البدني والنفسي، وعادة ما أقوم بالاستعداد ذهنياً لمثل هذه المواجهات، كانت المرة الأولى التي أنازل خلالها على حلبة دولية، وكنت مستعدة لجميع السيناريوهات وأنا سعيدة بكوني رفعت علم بلدي السعودية، وكانت هناك لحظة تخللني فيها شعور جميل حينما سمعت الج


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.