نصف أطفال غزة يعانون من تلوُّث المياه

مالحة وملوَّثة وغير صالحة للشرب

نفايات قرب بركة من المياه الملوثة في غزة نتيجة الفيضانات في نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
نفايات قرب بركة من المياه الملوثة في غزة نتيجة الفيضانات في نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

نصف أطفال غزة يعانون من تلوُّث المياه

نفايات قرب بركة من المياه الملوثة في غزة نتيجة الفيضانات في نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)
نفايات قرب بركة من المياه الملوثة في غزة نتيجة الفيضانات في نوفمبر الماضي (أ.ف.ب)

يعاني معظم سكان قطاع غزة من نقص كبير في المياه، وغالباً ما تكون مياه الشبكة العامة التي تغذّي المنازل مالحة وملوّثة وغير صالحة للشرب. ويصل متوسط حصة الشخص من المياه في القطاع إلى نحو 88 لتراً في اليوم، وهي كمية تقلّ عن الحدّ الأدنى لمتطلّبات الحياة، الذي وضعته منظمة الصحة العالمية، ويبلغ 100 لتر يومياً.
وتُلقي الظروف السياسية والأمنية، إلى جانب الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، بثقلها على المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة، ويبلغ عددهم حالياً نحو مليوني شخص، من بينهم نحو 600 ألف لاجئ يسكنون في 8 مخيمات مكتظة. ويعتمد عدد من السكان على خدمات الرعاية الاجتماعية، ونظراً لارتفاع ثمن المياه (7 دولارات للمتر المكعب) التي يوفّرها باعة الصهاريج، تمتص مياه الشرب وحدها نحو ثلث قيمة المساعدات المالية الشهرية.

القيود الإسرائيلية تفاقِم أزمة المياه
تُشير تقديرات المعهد العالمي للمياه والبيئة والصحة (GIWEH) إلى أن 97 في المائة من المياه في غزة غير صالحة للشرب. وتوقّع تقرير صادر عن الأمم المتحدة في 2012 أن تصبح مشكلة تلوُّث المياه في غزة غير قابلة للإصحاح، وأرضها غير صالحة للسكن خلال عشر سنوات.
ويعاني نصف أطفال غزة من أمراض تنقلها المياه، وفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية. فيما تشير إحدى المنظمات الحقوقية إلى أن ربع الأمراض المنتشرة في القطاع ناتجة عن تلوُّث المياه، و12 في المائة من وفيات الأطفال الصغار مرتبطة بالتهابات معوية على صِلَة بالمياه الملوّثة.
وتنتج أزمة المياه في غزة عن عدة أسباب مترابطة، أخطرها الحصار الإسرائيلي الذي أثّر سلباً على كمية ونوعية المياه من خلال السيطرة على الحدود التي تحول دون وصول المواد الأساسية كمواد البناء، والهجمات الصاروخية على مرافق وشبكات المياه والصرف الصحي ومحطة الطاقة في القطاع، إلى جانب نقص التغذية بالكهرباء. وتبيع إسرائيل جزءاً محدوداً من المياه للفلسطينيين في غزة، وفيما تنقل المياه من شمال الأراضي التي تسيطر عليها إلى جنوبها، لا يُسمح للفلسطينيين بنقل المياه من الضفة الغربية إلى غزة.
كما تتعرض المياه السطحية والجوفية في قطاع غزة لعوامل ضغط مختلفة. ونظراً لكون طوبوغرافية القطاع شبه مستوية مع اختلاف بسيط في التضاريس، ومع قلّة الأمطار نسبياً، فإن المياه السطحية تُشكّل نسبة ضئيلة من الموارد المائية. وتوجد في قطاع غزة ثلاثة أودية رئيسية، بما فيها وادي بيت حانون الذي يعبر الجزء الشمالي من القطاع، ويُعتبر من الأودية الجافة في أغلب السنوات، ولذلك توجد تعديات واضحة على مجراه. وكذلك وادي غزة، الذي يقع في جنوب المدينة ويمتد حوضه الساكب شرقاً خارج القطاع حتى جبال الخليل، ويصل تدفق المياه عبره في السنوات المطيرة إلى نحو 20 مليون متر مكعب سنوياً. ولكن تحجز إسرائيل التدفق الطبيعي لمياه الوادي إلى قطاع غزة من خلال إنشاء عدة مصدّات لتجميع المياه السطحية واستخدامها في مشاريع زراعية أو صناعية، مما يجعل الوادي جافاً معظم السنوات، باستثناء تلك التي تشهد هطولات غزيرة تؤدي إلى تدفقات تفوق الطاقة التخزينية للإنشاءات الإسرائيلية.
وهناك أيضاً وادي السلقا، الذي يقع في وسط قطاع غزة جنوب دير البلح، وهو من الأودية الصغيرة الذي ليس له مصب على البحر المتوسط لقلّة مياهه وبطء تدفقه. ولذلك، فإن المياه الجوفية هي المورد المائي الوحيد فعلياً في القطاع، حيث يعتمد السكان عليها لتأمين متطلباتهم المائية لأغراض الزراعة والصناعة والاستهلاك المنزلي.
ويمثّل الخزّان الساحلي مصدر المياه الجوفية في قطاع غزة، وهو يمتد على كامل مساحته. ويتراوح سمك الطبقة الحاملة للمياه ما بين عدة أمتار في الشرق والجنوب الشرقي إلى ما بين 120 و150 متراً في المناطق الغربية على طول الشريط الساحلي.
وفي أجزاء كبيرة من المناطق الشمالية والجنوبية من قطاع غزة توجد كثبان رملية بسمك 20 إلى 30 متراً ذات نفاذية عالية تسمح بتسرُّب المياه السطحية عبرها، مما أدى على مر السنين إلى تكوين طبقات من المياه الجوفية العذبة. وفي المقابل، تسمح نفاذية هذه الكثبان برشح وتسرب مياه الصرف الصحي السطحية والمنصرفات الملوّثة الأخرى إلى المياه الجوفية.
ورغم أن المياه الجوفية في هذه المناطق تتميز بنوعية مياه قليلة الملوحة نسبياً، فإنها تحتوي على نسب مرتفعة من النترات نتيجة تلوّثها بمياه الصرف الصحي المتسربة عبر الكثبان الرملية، لا سيما أن معظم المناطق السكنية وشبكات الصرف الصحي في القطاع تقع ضمن هذه المناطق.
ومن ناحية أخرى، توجد طبقات من الغضار قليل النفاذية أسفل الطبقات الحاملة للمياه في الخزّان الساحلي. وتُعتبر هذه الطبقات صمّاء غير منتجة للمياه نهائياً، مما يجعل الخزّان الساحلي هو المصدر الوحيد عملياً للمياه في قطاع غزة حيث يتم الاعتماد عليه لتلبية جميع الاحتياجات المائية.

ملوِّثات تتسرَّب إلى المياه الجوفية
توجد عدة مصادر لتلوُّث المياه في قطاع غزة، أهمها الصرف الصحي غير المعالج، ومنصرفات الأراضي الزراعية التي تحمل الأسمدة والمبيدات الكيميائية، والرشح من مكبات النفايات العشوائية، والمنصرفات الصناعية. وتغطي شبكات الصرف الصحي في قطاع غزة 78 في المائة من المساكن، في حين تستخدم المساكن المتبقية خزانات صرف أو حفراً تعفنية بسيطة ترشح منها المياه العادمة إلى المياه الجوفية.
وفيما تبلغ كمية المياه العادمة الناتجة عن قطاع غزة نحو 100 ألف متر مكعب يومياً، يشير مركز المعلومات الوطني الفلسطيني إلى أن نسبة المياه العادمة التي تصب في البحر تشكل 80 في المائة من مجمل المنصرفات، مجملها غير معالج أو معالج جزئياً. وتتسرب باقي المياه العادمة إلى الخزان الجوفي ملوثة المياه والتربة.
وتقتصر معالجة مياه الصرف الصحي في القطاع على ثلاثة أماكن لا تعدو كونها برك ترسيب لالتقاط المواد الصلبة، وتعاني من أزمة توفُّر الكهرباء. كما أن جزءاً من مياه الصرف يجري طرحه في وادي غزة، حيث تشكّل بركة على شاطئ البحر، تتكاثر فيها الحشرات وتعدّ مصدراً لانبعاث الروائح الكريهة. وفي مطلع 2021. جرى تشغيل محطة معالجة جديدة لمياه الصرف الصحي للتخفيف من مشكلة التلوُّث، بتمويل من الحكومة الألمانية.
وغالباً تُطرح المنصرفات الصناعية في القطاع من دون أي معالجة، مما يتسبب بتلوُّث التربة والمياه الجوفية، وكذلك مياه البحر. وتتشكل المنصرفات عن صناعات وورشات مختلفة، أهمها دباغة الجلود وعصر الزيتون وصباغة الأقمشة وتصليح السيارات. وتحتوي هذه المنصرفات عادة على تراكيز غير مقبولة من المعادن الثقيلة والأملاح، إلى جانب ارتفاع كل من مؤشر الأكسجين الكيميائي (COD)، ونسبة الأجسام الصلبة غير المنحلّة، والرقم الهيدروجيني، وغيرها.
وتشير دراسة نوعية المياه الجوفية في قطاع غزة إلى ارتفاع نسبة كلوريد الصوديوم والنترات بنسب تفوق المعدلات المسموح بها عالمياً. كما تسجل المياه الجوفية في أغلب مناطق القطاع، لا سيما في محافظات خان يونس ودير البلح ورفح وغزة، بينما تتجاوز توصيات منظمة الصحة العالمية فيما يخص مؤشرات الأجسام الصلبة غير المنحلّة والناقلية الكهربائية والنترات والصوديوم والقساوة وغيرها.
وتسهم المياه العادمة في تلويث البحر قبالة الشواطئ الفلسطينية، وهي واحدة من المشكلات البيئية الهامة إلى جانب انتشار النفايات على الشريط الساحلي ومخلّفات أنشطة الصيد البحري. وتُظهر تحاليل المياه في 17 موقعاً على طول شاطئ قطاع غزة وجود تلوُّث كيميائي وبيولوجي يختلف تبعاً لاختلاف فصول السنة، ويرتبط هذا التلوُّث بتدفّق مياه الصرف ونشاطات السكان وكمية الأمطار.
ويسهم التلوُّث، إلى جانب الحصار الإسرائيلي، في تدمير صناعة صيد الأسماك في قطاع غزة. وفيما كان الصيد مصدر رزق لنحو 10 آلاف صيّاد في القطاع، انخفض عدد الصيادين إلى 4 آلاف شخص فقط نتيجة للإجراءات الإسرائيلية التي فرضت تقليصاً لنطاق الصيد عام 2020. ويؤدي فقدان مورد الرزق في القطاع، حيث أكثر من نصف السكان عاطلين عن العمل، إلى عجز في دفع فواتير الماء وقلّة الموارد المالية الحكومية لمعالجة المياه.
لقد مرّ عامان منذ أن قدّرت الأمم المتحدة أن قطاع غزة سيصبح مكاناً غير صالح للعيش. ورغم المبادرات المحلية والمساعدات الدولية، التي يجري تقديمها للتخفيف من وطأة أزمة المياه، تبقى جميع هذه الإجراءات معالجات إسعافية لمشكلة كبيرة تتطلب حلولاً منهجية عميقة، في مقدمتها رفع القيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي الذي يحاصر غزة.



فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».