«نوبل الأدب» التي ترى ما لا نرى

الرصانة الأدبية صارت ملاعبة خفيفة للأفكار في عالم ما بعد الحقيقة

آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي -  موراكامي
آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي - موراكامي
TT

«نوبل الأدب» التي ترى ما لا نرى

آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي -  موراكامي
آني إرنو (أ.ف.ب) - إيزابيل ألليندي - موراكامي

لم تكن آني إرنو Annie Ernaux، مُتوّجة نوبل الأدبية لعام 2022. غريبة عني مُذْ كانت شابة أو بعدما تجاوزَتْ عتبة الشباب بقليل. سمعتُ باسمها كاتبة في الفضاء النسوي وإن كانت كتاباتها ذات خصوصية موغلة في التجارب النسوية الشخصية التي لا أراها تصلحُ لأن تكون كتابة نسوية معيارية في حقل الأدب أو في حقل صناعة السياسات الثقافية. ارتأت «نوبل الأدب» أن تتوّجها عام 2022 بإكليل الكتابة الروائية الممهورة بتوقيع اللجنة النوبلية. ربما سيُحسَبُ في عداد الفضائل المستحقة للقيمين على شؤون نوبل الأدب أنهم اختاروا اسماً كان مطروحاً على قوائم الأسماء المرشّحة لنيل الجائزة منذ سنوات عديدة؛ ولم يأتونا باسم غريب أو دخيل على الصنعة الأدبية.
كنتُ قرأتُ لإرنو قبل تتويجها بالجائزة النوبلية كتابين أو ربما ثلاثة؛ لذا لم يكن من سبيل أمامي سوى قراءة أعمالها المترجمة إلى العربية. أجّلتُ كلّ انشغالاتي الكتابية والترجمية وانكببتُ على أعمال إرنو بجدّ وانضباط مثلما يفعلُ أي تلميذ مجتهد ومن غير انطباعات مسبقة أو أحكام متحيزة. كُتُبُ إرنو صغيرة محدودة الثيمات الروائية، وهي مما يمكنُ قراءة الواحد منها في جلسة ممتدة واحدة. ليس ثمة من تعقيدات أسلوبية أو نزوع نحو المثابات الفكرية العالية لديها؛ بل حتى عناوينُ أعمالها قصيرة مختزلة، وهذا ليس مثلبة؛ إذ يمكنُ أن يكون علامة إجادة واحتراف. قرأتُ لإرنو في الأيام اللاحقة لفوزها بنوبل الأدب أعمالها التالية: الاحتلال، المكان، شغف بسيط، امرأة، الحدث، مذكرات فتاة.
لم تعُدْ نوبل الأدب التي عرفناها من قبلُ كما كانت. صارت نوبل أخرى هجينة وغريبة على ذائقتنا الأدبية وهواجسنا الفلسفية ومثاباتنا الفكرية العالية. الدنيا صارت غير الدنيا التي نعرف: هذا صحيح بالطبع وهو أحد طبائع التطوّر البشري؛ لكن ليس كلّ تغيّر ارتقاءً نحو الأعالي المتقدمة نوعياً عمّا سبقها. ذهب جيلُ المعلّمين الكبار الذين تشرّفتْ نوبل بأن حفرت أسماءهم على لوائحها، كانوا أساطين أدب على شاكلة هرمان هسّة وغابرييل غارسيا ماركيز ودوريس ليسنغ، انقلبت الرصانة الأدبية ملاعبة خفيفة للأفكار من بعيد تحت قناع أدب ما بعد الحداثة أو ما بعد الحقيقة، واستحالت الدسامة الفلسفية حفراً في تراكمات السيرة الشخصية التي قد لا تعدو أكثر من حفنة وقائع عادية يمكنُ أن تحصل لكثيرين منّا. أليس هذا توصيفاً دقيقاً لأعمال آني إرنو المتوّجة على عرش نوبل الأدبية لهذا العام (2022)؟ أنا أحسبه كذلك.
دعونا ننطلق في رحلة فكرية متخيلة. هل كان يمكن لآني إرنو أن تقطف جائزة نوبل الأدبية قبل خمسين أو أربعين أو حتى عشرين عاماً؟ هل تكفي شجاعتها وجرأتها في الكشف عن مناطق شديدة الغور من حياتها الشخصية لأن تحوز نوبل الأدب؟ متغيراتٌ كثيرة لحقت بنوبل وجعلتنا نفقدُ حماستنا السابقة في التطلّع إلى من سيفوز بها كلّ سنة كما كنا نفعلُ في سنوات سابقات. صار أمرُ الجائزة والفائز بها يمرُّ بنا وكأنه إعلانٌ يومي عابر من الإعلانات التسويقية التي صارت تنهمرُ علينا مثل شلال لا يتوقف.
ربما الخصيصة الوحيدة التي لا تكاد نوبل الأدبية تفارقها هي دورانها في مدارات الثقافة الغربية. قلتُ: الثقافة الغربية ولم أقل الأدب الغربي ؛ لأنّ أباطرة نوبل شاءوا توسيع تخوم مملكة الأدب فضمّوا لها أقاليم من ألوان ثقافية شتى كانت كتابة أغاني البوب واحدة منها. إنه بعضُ سمات التجديد الذي أرادته نوبل الأدب.
يؤكّد أباطرة نوبل الأدبية أنّ المعيار الأساسي في الجائزة هو الجدارة الأدبية Literary Merit. لن أقتنع يوماً - وأحسبُ كثيرين يشاركونني قناعتي هذه - أنّ آني إرنو أعلى قيمة أدبية من مارغريت آتوود أو ميلان كونديرا أو هاروكي موراكامي أو إيزابيل ألليندي. المقارنة غير واردة بأي مقياس من المقاييس. ربما سيقول هؤلاء الأباطرة أنهم يرون غير ما نرى، ولو فعلوا فأحسبهم سيتّكئون على قاعدة الذائقة الذاتية للأدب، وتلك مخاتلة بيّنة لأنّ الميزة الذاتية لا تنفي التميّز الحِرَفي والصنعة المجوّدة في الكتابة.
لنحاول المقارنة بين أني إرنو وروائي وروائية من مجايليها المعاصرين. لنقارن بين إرنو وإيزابيل ألليندي أولاً رغم أنني أرى أنّ المقارنة ستذهبُ بعيداً في تسجيل نقاط مستحقة لصالح ألليندي. بدأت ألليندي صنعتها الروائية المتميزة من ثلاثيتها الروائية المبهرة «بيت الأرواح - صورة عتيقة - ابنة الحظ»، ثمّ واظبت في الارتقاء بتلك الصنعة في كتابها الدراماتيكي «باولا» عن روايتها «الحب والظلال» وروايتها التي لا تنسى «أناييس حبيبة روحي» التي أرّخت لاحتلال الإسبان للقارة الأميركية الجنوبية. لم تتوقف ألليندي عن إدهاشنا برواياتها ومذكّراتها، وأشيرُ بخاصة إلى كتابيها الأثيرين «بلدي المخترع» وكتاب مذكراتها «حصيلة الأيام».
لم تتخلّ ألليندي يوماً عن خريطة مشروعها الكبير في تقديم صورة بانورامية عن مجتمعات أميركا اللاتينية وأوضاعها السياسية والنزعة الذكورية التي تسم السلطة السياسية بجميع أطيافها حتى أفقر مزارع في مزرعة على تخوم حدودها الثلجية؛ لكنها حرصت بوعيها الاجتماعي ورؤيتها النسوية المتبصرة أن تقدّم مجتمع المواطنين الأصليين من القبائل الهندية بكل تقاليده وطقوسه وأساطيره وموروثه الثري، الذي حرسته النساء وحفظنه بما يمارسنه من أعمال وأساليب علاج ونسيج وغناء.
يمكنني القول أنّ إيزابيل ألليندي هي روائية عالمية باستحقاق كامل؛ فهي - إضافة لسحر لغتها وجموح خوضها في تفاصيل شخصياتها النسوية والذكورية برؤية أنثوية قل نظيرها في المشهد الروائي العالمي - تواصل تدوين تاريخ القارة اللاتينية في معظم رواياتها؛ ولكنها تكتبه كمن يدير قطعة كريستال ذات ألف وجه مضيء، وكلُّ وجه يكشف عن وقائع ساخنة ممتعة وجامحة حد السحر.
لنحاول الآن مقارنة إرنو مع روائي، وسأختارُ هاروكي موراكامي. ربما كان سبب اختياري لموراكامي أنني شرعتُ في قراءة كتاب منشور حديثاً له بعنوان الروائي كمهنة Novelist as a Vocation، وهو في الأصل كتاب نُشِر باليابانية عام 2015، ويضمُ مقالات تخصُّ الفن الروائي والرؤى التأسيسية لموراكامي بشأن الصنعة الروائية. أتساءلُ: هل ثمة من مقارنة بين روايات موراكامي البديعة (أذكر بالتحديد كافكا على الشاطئ – الغابة النرويجية) وبين أعمال إرنو البسيطة المستمدّة من تجارب يومية لها؟
تتمظهر السطوة الغربية على الأدب العالمي في سطوة الموضوعات المحببة للمؤسسة الأدبية الغربية؛ إذ منذ اللحظة الأولى التي يدركُ فيها الكاتب أنه يخطط لكي يخاطب جمهوراً عالمياً بدل الجمهور المحلي الذي اعتاده فإنّ طبيعة كتابته ستكون عرضة لتغيير جوهري، ويلحظ المرء بخاصة ميلاً طاغياً للكتّاب لإزاحة كلّ العوائق المحلية المفترضة التي تقف عائقاً أمام الفهم العالمي، ولطالما تردّدت هذه التهمة الأدبية غالباً وأشهِرَتْ بوجه أعمال الكاتب هاروكي موراكامي الذي صار يعتمد لغة تبسيطية موغلة في الاستسهال الأدبي على حدّ زعم مجايليه من الكتّاب اليابانيين الآخرين. ماذا سيقولُ اليابانيون إذن بشأن أعمال إرنو؟
يمكنُ اختصار أمر جائزة نوبل الأدبية بالمعادلة الشرطية التالية: إذا سعيتَ لجائزة نوبل الأدبية يجب عليك أن تتناول موضوعات تبدو عالمية الطابع لكنها تدور في الفضاء الغربي (على شاكلة: الأقليات، التجارب الجنسية الذاتية، التحولات الجندرية، إشكاليات الهوية الذاتية والمجتمعية... إلخ)، وأن تحظى هذه الكتابات بمباركة وتسويق مؤسسات النشر العملاقة. أما إذا فكّرت خارج هذا الصندوق فإنسَ أمر نوبل. لا أحد سيهتمّ لأمرك.
غالت نوبل الأدبية كثيراً في الانحياز لفضاء الأدب الغربي والدوران في أفلاكه. قد تكون بعضُ مسوّغات هذا الانحياز مفهومة؛ لكنها تظلُّ غير مقبولة وتشكّلُ ثُلْمة في نزاهة الضمير النوبلي. هل من مخرجٍ لهذه الإشكالية؟ أقترحُ حلاً لهذه الإشكالية أن تعتمد نوبل الأدب استراتيجية المحاصصة النوبلية الثلاثية إيفاءً بمتطلبات العدالة الجندرية والجغرافية؛ بمعنى أن تتوزّع الجائزة كلّ سنة على ثلاثة أسماء أدبية، واحدة لكاتب، وثانية لكاتبة، وثالثة لكاتب أو كاتبة من الجغرافية الموصوفة بغير الانتماء لعالم الغرب ممثلاً في حواضره الكوسموبوليتانية، ويمكنُ حصرُ هذه الجغرافية في (آسيا وأفريقيا والبحر الكاريبي وأميركا الجنوبية) حصرياً. التسويغ لهذا المقترح واضحٌ: لماذا ينفرد اسم واحد كل سنة بهذه الجائزة بدلاً من اسمين أو ثلاثة مثلما يحصل مع نوبل الأدب أو الفيزياء أو الكيمياء أو حتى (أحياناً) السلام والاقتصاد ؟
نعرفُ العبارة التي تترددُ في أدبيات التنمية المستدامة: تصرّف محلياً، فكّرْ عالمياًAct Locally، Think Globally. يمكن للمخيال الأدبي البشري توظيف هذه العبارة في تناول معضلات قد تبدو غارقة في محليتها لكنها قد توفرُ حلولاً ناجعة لمعضلات ينوء بها الغرب. المؤسسة الأدبية الغربية لا تقبلُ هذا الأمر. قانونها الحاكم هو: تصرّفْ محلياً كما تشاء أنت؛ فكّرْ عالمياً كما نشاء نحنُ!!
هذه هي الجدارة الأدبية التي يريدها القيّمون على نوبل الأدب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.