سيلفينيو: تعلمت من آرسين فينغر كيف أكون مدرباً

أول لاعب برازيلي في تاريخ آرسنال يتحدث عن العصر الذهبي لـ «المدفعجية»... ونجوم الفريق الكبار

سيلفيني يحتفل بأحد اهدافه مع نجوم أرسنال (غيتي)
سيلفيني يحتفل بأحد اهدافه مع نجوم أرسنال (غيتي)
TT

سيلفينيو: تعلمت من آرسين فينغر كيف أكون مدرباً

سيلفيني يحتفل بأحد اهدافه مع نجوم أرسنال (غيتي)
سيلفيني يحتفل بأحد اهدافه مع نجوم أرسنال (غيتي)

في المقال التالي، يكتب المدير الفني البرازيلي حالياً واللاعب السابق سيلفينيو، عن تجربته مع فريق آرسنال الذي انضم إليه قادماً من نادي كورينثيانز عام 1999، والذي كان يدربه في ذلك الوقت المدير الفني القدير آرسين فينغر، ويضم عدداً من اللاعبين الرائعين الذين سطروا تاريخاً عظيماً للفريق اللندني:
ما زلت أتذكر كل شيء وكأنه حدث اليوم، حيث كان الجميع يحذرني من قوة وسرعة الدوري الإنجليزي الممتاز، وكانت تلك الكلمات تتردد في أذني مثل هتافات المشجعين الإنجليز في المباريات، حيث كان يُقال لي «سيلفيو، سرعة الدوري الإنجليزي الممتاز عالية جداً». كان هذا هو الشيء الوحيد الذي فهمته باللغة الإنجليزية خلال الأيام الأولى لي في آرسنال، لكنني لم أكن قلقاً بشأن إتقاني للغة - ذهبت إلى لندن دون أن أعرف كلمة واحدة باللغة الإنجليزية – أو بشأن الطعام أو طريقة الحياة في إنجلترا. كنت أعلم أنني سأعتاد على كل شيء وأتكيف معه بمرور الوقت.
وكان همي الوحيد هو التكيف مع سرعة كرة القدم الإنجليزية، وكان يتعين عليّ أن أفعل ذلك في أسرع وقت ممكن إذا كنت أريد اللعب حقاً لآرسنال. في كورينثيانز، كنت ألعب كظهير برازيلي كلاسيكي، بمعنى أنني كنت أتقدم للأمام وأهاجم كثيراً من الناحية التي ألعب فيها، وهي الناحية اليسرى. في الواقع، كانت جميع تحركاتي تقريبا في المباراة تركز على الركض إلى الأمام، ولم أكن مطالبا بالقيام بالكثير من الواجبات الدفاعية. كان كل هذا يرتبط أيضاً بطريقة اللعب في كرة القدم البرازيلية نفسها، فهي أبطأ قليلاً من كرة القدم الإنجليزية.
كنت قد لعبت في كورينثيانز لمدة أربع سنوات ونصف السنة، وخضت بعض المباريات الدولية مع منتخب البرازيل. في ذلك الوقت، كنت أرغب في الانتقال إلى إيطاليا في حال رحيلي عن البرازيل؛ إذ كان معظم اللاعبين البرازيليين الشباب يشاهدون الكثير من مباريات الدوري الإيطالي الممتاز؛ لأن عدداً كبيراً من اللاعبين البرازيليين كانوا يقدمون مستويات جيدة مع أكبر الأندية الإيطالية في ذلك الوقت. وفي حالتي، كان هناك احتمال للانتقال إلى إنتر ميلان.
لكن تغير الأمر تماماً بسبب ما فعله المدير الفني السابق لآرسنال، آرسين فينغر. فقبل إحدى المباريات في منتصف الأسبوع مع كورينثيانز، أخبرني أحد الأشخاص بالنادي بأن المدير الفني لآرسنال في ساو باولو - كان يخطط لمشاهدة مباريات عدة - وأنه يريد تناول العشاء معي. وبعد تلك المباراة، ذهبت لتناول العشاء مع فينغر، وكانت الأجواء رائعة منذ اللحظة الأولى. ومن خلال الاستعانة بمترجم، تحدثنا لفترة طويلة، وكان الأمر مريحاً للغاية. لقد أدركت منذ تلك المحادثة الأولى أنه بالفعل شخص مختلف، ويتمتع بمستوى عالٍ من التعليم والقدرة على القيادة.

سيلفينيو بقميص برشلونة (غيتي)

لقد أخبرني بأنه يحب الطريقة التي ألعب بها، وأوضح لي الأسباب التي تجعله يرغب في ضمي لآرسنال. وحتى تلك اللحظة، كان خط دفاع آرسنال يتكون بالكامل من لاعبين دوليين في المنتخب الإنجليزي: ديفيد سيمان في حراسة المرمى، ولي ديكسون في مركز الظهير الأيمن، ومارتن كيون وتوني آدامز في قلب الدفاع، ونيغل وينتربيرن في مركز الظهير الأيسر. لقد كانوا لاعبين رائعين للغاية، لكن فينغر شعر بأن العديد من الأندية في الدوري الإنجليزي الممتاز تعلمت كيف توقف هجمات آرسنال، وفق الطريقة الكلاسيكية 4 - 4 - 2. وكان المدير الفني الفرنسي يتطلع إلى إضافة خيارات جديدة لفريقه، من خلال الاعتماد على ظهيرين قادرين على القيام بالواجبات الهجومية، كما كان الحال معي.
كما تحدث معي فينغر على العشاء عن قدراتي البدنية، وأخبرني بأنه يعرف حقائق معينة عني، مثل الإحصائيات المتعلقة بسرعتي. لقد شعرت بالذهول أثناء الاستماع إليه. وفي النهاية، وقّعت على عقود انتقالي إلى آرسنال بعد ذلك العشاء بفترة وجيزة، وكان ذلك بالتحديد في فترة ما قبل بداية الموسم الجديد في عام 1999. وأصبحت أول لاعب برازيلي في تاريخ آرسنال. لقد ساعدني فينغر على الاندماج والتكيف بسرعة مع الفريق ومع هذا الإيقاع السريع للدوري الإنجليزي الممتاز. كان يريد مني أن أواصل اللعب بالشكل الهجومي، لكنه في الوقت نفسه كان يطالبني بالقيام بواجباتي الدفاعية. وخلال التدريبات، كان مساعد فينغر، بات رايس، يدربني دائما على ذلك، ولم يمنحني أي استراحة. لقد كان يجعلني أركض للخلف من أجل القيام بالواجبات الدفاعية، وكان يتدخل علي بقوة وشراسة في التدريبات. لقد كنت لاعبا سريعا، ولم أكن مدافعاً قوياً من الناحية البدنية، لكنني تعلمت الكثير من بات رايس فيما يتعلق بالجوانب الدفاعية للعبة.
وبعد أشهر عدة، أصبحت لاعباً أساسياً في الفريق، وأصبحت على قدر التحدي، وشعرت بأنني أصبحت لاعباً أكثر اكتمالاً بسبب العمل الكبير الذي قام به الطاقم التدريبي معي. ومنذ ذلك الحين، وبمجرد أن شعرت بالراحة فيما يتعلق بسرعة ووتيرة المباريات، أصبحت أستمتع بلعب كرة القدم في إنجلترا بشكل أكبر بكثير. وكنت أستمتع بالأمر بشكل مضاعف عندما نلعب على ملعبنا، فقد كانت المباريات التي تقام على ملعب هايبري مذهلة بشكل استثنائي. لقد كان لذلك تأثير كبير للغاية علي بسبب الحضور الجماهيري الغفير، واقتراب الجماهير من خط التماس بالقرب من اللاعبين مباشرة؛ وهو ما كان يحفزنا بشكل هائل. وعندما كانت الكرة تخرج من الملعب، كان المشجعون بأنفسهم يعيدون الكرة للاعبين من أجل القيام برمية التماس بسرعة كبيرة. لقد كان شيئاً عظيماً في حقيقة الأمر.
وعلاوة على ذلك، كان الفريق يضم عدداً من اللاعبين الرائعين الذين سطروا تاريخاً عظيماً لآرسنال. لقد كانوا لاعبين من طراز استثنائي في أوروبا وفازوا بالكثير من البطولات والألقاب، وكنت محظوظاً بما يكفي للتعلم منهم. إنني أقول دائماً إن اللعب بجوار لاعبين رائعين - مثل كل لاعبي آرسنال في ذلك الوقت - يجعلك تتحسن وتتطور. وحتى لو لم تكن تشارك في التشكيلة الأساسية، كما كان الحال معي خلال الأشهر القليلة الأولى لي في آرسنال، فإنك تتحسن لأنك تخوض كل حصة تدريبية مع هؤلاء اللاعبين وكأنها اختبار، حيث تسعى لرفع مستواك لتصل إلى نفس مستوى هؤلاء اللاعبين.
لقد قدم لي زملائي الكثير من الدعم. وعلى الرغم من أنني كنت أول برازيلي يلعب لهذا النادي، فإنني لم أشعر بالوحدة على الإطلاق، وهو الأمر الذي ساعدني أيضاً على التكيف بسرعة أكبر.
وعلاوة على ذلك، فإن فينغر كان دائماً حاضراً للتغلب على أي مشاكل قد تواجه الفريق، وكان يهتم بأدق التفاصيل، وكان يتحكم في كل شيء. لقد كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها مديراً فنياً يتخذ قرارات تتعلق بشيء مثل ملعب التدريب الجديد الذي كان آرسنال يبنيه في ذلك الوقت.
لقد كان يتدخل في كل شيء ويهتم بكل شيء: كيف وصل اللاعبون للتدريب، وأين نضع أحذيتنا، والطعام الذي سنتناوله. لقد كان يخطط لكل شيء بدقة شديدة، وكان يمتلك خبرات هائلة بفضل ما تعلمه في جميع أنحاء العالم. وعلاوة على ذلك، كان فينغر يعرف أيضاً كيف يتحكم في كل شيء يتعلق باللاعبين، لكن من دون أن يؤثر ذلك عليهم أو أن يصيبهم بالارتباك. من السهل أن ترى شيئاً كهذا يحدث اليوم، لكن خلال السنوات التي كنت فيها في آرسنال - من 1999 إلى 2001 – كان عدد قليل للغاية من المديرين الفنيين هم من يفعلون ذلك.
ومع ذلك، كان الشيء الأكثر إثارة للدهشة بالنسبة لي هو الأشياء الروتينية التي كنا نقوم بها قبل المباريات، خاصة أنني لم أفعل شيئاً كهذا في البرازيل. في تلك الأيام، كانت مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز تقام عادة من الساعة الثالثة مساءً حتى الخامسة مساءً، ولم تكن الكثير من المباريات تقام في المساء. كنا نصل إلى الفندق الذي كنا نقيم فيه ثم يذهب الفريق بأكمله في نزهة سيراً على الأقدام. وبعد ذلك، كنا نذهب إلى غرفة كبيرة في الفندق ونستلقي على الأرض من أجل القيام ببعض تمارين التأمل وتمارين التنفس. وكان كل ذلك يحدث تحت إشراف وتوجيه فينغر. لقد كانت هذه الأشياء الروتينية تساهم في تحسين حالتك النفسية والذهنية خلال المباراة، وكانت تجعلك أكثر تركيزاً على ما سيحدث بعد ساعات.
لقد كان فينغر يتمتع بالكثير من المزايا والصفات الرائعة، لكن أهم هذه الصفات بالنسبة لي هو أنه كان متقدماً على العديد من المديرين الفنيين فيما يتعلق بالعمل مع اللاعبين. لقد كان يعرف جيداً كيف يختار اللاعبين الذين يناسبون الطريقة التي يلعب بها، وكان يختار دائماً لاعبين رائعين من الناحية الفنية. ويمكنني أن أقول إن كل ما حدث لي في آرسنال كان فينغر قد جعلني أراه بطريقة ما في أول عشاء تناولته معه في البرازيل.
لقد تحدثنا في ذلك اللقاء عن قدراتي البدنية، لكن لم يكن هذا هو الشيء الأكثر أهمية بالنسبة له، فقد كان الأهم هو الطريقة التي ألعب بها، وهذا هو ما جعله يتعاقد معي. والآن، وبعدما أصبحت مديراً فنياً، فإن هذه هي الفلسفة التي أتبعها في عملي، فأهم شيء في لاعب كرة القدم هو الطريقة التي يلعب بها. فإذا كان اللاعب يعمل بجدية كبيرة ويقدم مستويات ثابتة، فسيتمكن من التكيف مع أي شيء.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.