جيسي مارش: لم أكمل عملي في ليدز بعد

بعد الفوز على ليفربول... وشكوك عديدة حامت حول مستقبل المدير الفني الأميركي

سمرفيل (الثاني من اليمين) يمنح ليدز المتعثر فوزاً مفاجئاً على مضيفه ليفربول (أ.ف.ب)
سمرفيل (الثاني من اليمين) يمنح ليدز المتعثر فوزاً مفاجئاً على مضيفه ليفربول (أ.ف.ب)
TT

جيسي مارش: لم أكمل عملي في ليدز بعد

سمرفيل (الثاني من اليمين) يمنح ليدز المتعثر فوزاً مفاجئاً على مضيفه ليفربول (أ.ف.ب)
سمرفيل (الثاني من اليمين) يمنح ليدز المتعثر فوزاً مفاجئاً على مضيفه ليفربول (أ.ف.ب)

يفصل ما يقرب من 4 آلاف ميل بين مدينتي ليدز البريطانية وراسين الأميركية، لكن يمكن القول إن القيم التي تعلمها واستوعبها المدير الفني جيسي مارش عندما كان طفلاً في تلك المدينة الأميركية هي التي تجعله يحتفظ بمنصبه حتى الآن كمدير فني لنادي ليدز يونايتد، فسكان هذا الجزء من الولايات المتحدة معروفون بالتواضع الشديد ودماثة الخلق واللطف، ويبدو أن مارش يجسد كل تلك الصفات، على الأقل بعيداً عن ملاعب كرة القدم!
لقد تحلى المدير الفني لليدز يونايتد بالهدوء الشديد والصبر في مواجهة التساؤلات والشكوك الكثيرة المحيطة بمستقبله غير المستقر، وهي الصفات التي جعلت المديرين التنفيذيين للنادي يصبرون على المدير الفني الأميركي الذي تولى قيادة الفريق خلفاً لمارسيلو بيلسا. ولن نبالغ على الإطلاق عندما نقول إن هذه الصفات الرائعة لمارش بعيداً عن الملعب هي التي منحته وقتاً إضافياً في قيادة الفريق رغم سوء النتائج. وقاد مارش ليدز يونايتد للفوز على ليفربول في معقله بملعب «أنفيلد» بهدفين مقابل هدف وحيد، ليكون هذا أول فوز يحققه ليدز يونايتد في الدوري الإنجليزي الممتاز في تسع مباريات تحت قيادة مارش، كما جاء هذا الفوز لينهي سلسلة من أربع هزائم متتالية للفريق. وتنقسم الآراء حول ما إذا كان مارش سيئ الحظ أم أنه غير مناسب من الأساس لقيادة الفريق.
يقول المدير الفني الأميركي: «نحن من نتسبب في خسارتنا. لقد كانت كل المباريات السابقة متوازنة، لكن عندما ترتفع مستويات التوتر لدى اللاعبين، تقل مستويات تركيزهم. وعندما تسنح لنا الفرص، فإننا لا نستغلها». من المؤكد أن أي مدير فني آخر كان سيفقد أعصابه وتركيزه في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها مارش، لكن المدير الفني الأميركي لا يزال محافظاً على هدوئه ورباطة جأشه إلى حدٍ كبير. وخلال السنوات التي قضاها في دراسة التاريخ في جامعة برينستون، اكتسب مارش مستوى من الثقة بالنفس يمكن أن يتخطى أحياناً الحدود البسيطة الفاصلة بين الثقة والغرور.
وقد ساعدته هذه الثقة كثيراً خلال مسيرته كلاعب خط وسط في نادي شيكاغو فاير، ثم كمدير فني لنيويورك ريد بولز وريد بول سالزبورغ، ثم خلال ولايته الأقل نجاحاً مع نادي لايبزيغ. يقول المدير الفني، الذي يبلغ من العمر 49 عاماً هذا الشهر: «لم أخسر هذا العدد من المباريات في حياتي المهنية بأكملها. أنا غاضب بشدة، وقد سئمت ومللت من أن نكون الفريق الأفضل ثم نخرج من دون أي نقاط. لكنني تحدثت كثيراً مع مجلس الإدارة وهو يدعمني بشدة».


حظي مارش بثقة مسؤولي ليدز رغم النتائج السيئة (أ.ف.ب)

ورغم أن مارش لا يزال يعتمد على طريقة الضغط العالي على حامل الكرة في جميع أنحاء الملعب، فإنه ليس من نوعية المديرين الفنيين الذين يلتزمون بطريقة لعب واحدة ويرفضون التغيير. وعلاوة على ذلك، كشف مارش مؤخراً عن أنه ستكون هناك العديد من التعديلات، والتي كان من أبرزها الاعتماد بشكل أكبر على اختصاصي علم النفس في قاعدة التدريب الخاصة بنادي ليدز يونايتد، وهو ما يعد اعترافاً ضمنياً بأن وقوفه الدائم بجوار خط التماس لتوجيه التعليمات للاعبيه ربما أدى في بعض الأحيان إلى تشتيت انتباه اللاعبين وعدم الانضباط داخل الملعب، وهو ما كلف الفريق غالياً في كثير من الأحيان. وهناك مشكلة أخرى تتعلق بتدني ثقة اللاعبين في أنفسهم، وهو الأمر الذي يفسر الأسباب وراء إهدار باتريك بامفورد لتسع فرص محققة هذا الموسم، بشكل غير مألوف من اللاعب، الذي كان يجيد استغلال أنصاف الفرص أمام المرمى.
وبعدما ابتعد بامفورد عن الملاعب الموسم الماضي بسبب الإصابة، أصبح اللاعب قريباً من استعادة لياقته البدنية بالكامل. لكن رغم أن اللاعب يتحرك بشكل ممتاز داخل المستطيل الأخضر، فإنه لم يستعد بعد خطورته الكبيرة في إنهاء الهجمات، وهو ما يتسبب في مشاكل كبيرة للفريق، خاصة أنه المهاجم الوحيد الذي أظهر من قبل كفاءة كبيرة في تحويل أنصاف الفرص إلى أهداف. من الواضح أن بامفورد يبدو متوتراً للغاية في الوقت الحالي، وهو الأمر الذي ظهر من خلال عادته الأخيرة بالنزول إلى نفق الملعب، ربما للذهاب إلى المرحاض، قبل وقت قصير من مشاركته كبديل. ومع ذلك، فإن مارش ليس وحده الذي يعتقد أنه بمجرد أن يسجل بامفورد هدفه الأول ويخفف الضغط من على كاهله، فإنه سيحرز المزيد من الأهداف بعد ذلك.
من الممكن أن تكون الأرقام خادعة، لكن مسؤولي النادي المملوك بنسبة 44 في المائة من قبل شركة «سان فرانسيسكو 49 إنتربرايزيس» المهووسة بالإحصاءات، لاحظوا أن ليدز يونايتد يأتي في المرتبة السابعة بين جميع أندية الدوري الإنجليزي الممتاز فيما يتعلق بإحصائية «الأهداف المتوقعة»، وينطبق الشيء نفسه على متوسط استحواذ الفريق على الكرة في المباريات، والذي يصل إلى 52.5 في المائة. ورغم بعض الأخطاء الفردية الكارثية، فإن خط دفاع الفريق يعمل بشكل جيد للغاية، وخير دليل على ذلك أن ستة أندية فقط في الدوري الإنجليزي الممتاز تعرضت لتسديدات على المرمى أقل من التسديدات التي تعرض لها مرمى ليدز يونايتد. يقول مارش عن ذلك: «نعلم أننا متماسكون في الخط الخلفي».
ورغم أن ليدز يونايتد أنفق 99 مليون جنيه إسترليني على التعاقد مع لاعبين جدد - أبرزهم لاعبو خط الوسط برندن آرونسون، وتايلر آدامز، ومارك روكا - فإنه استعاد 97.5 مليون جنيه إسترليني من بيع عدد من اللاعبين، وخسر أفضل لاعبين كانا لديه، وهما نجم خط وسط المنتخب الإنجليزي كالفين فيليبس، والجناح البرازيلي رافينيا. يعرف مارش أنه أخطأ بشدة عندما لم يتعاقد مع مهاجم جيد ليكون بديلا لبامفورد، لكنه قال عن ذلك بكل هدوء ومن دون أن يوجه أصابع الاتهام لأحد: «لن أنظر إلى الماضي وأقول إنه كان يتعين علي القيام بهذا الأمر أو ذاك، أو أن أحمل أي شخص آخر المسؤولية». ويجب الإشارة إلى أن مارش مقرب للغاية من مدير كرة القدم بالنادي، فيكتور أورتا، ويدرك جيداً أنه يجب توفير الأموال لإعادة تطوير ملعب «إيلاند رود».
لقد وضع أورتا مارش على رأس قائمة تضم 39 مديراً فنياً آخر تم اختيارهم في قائمة طويلة ليكون أحدهم خليفة لبيلسا، ويبدو أنه لا يرغب في الإطاحة بمارش، حتى في ظل التقارير التي تشير إلى رغبة النادي في التعاقد مع رافائيل بينيتيز. والأهم من ذلك، أن لاعبي الفريق، الذي سيخوض مباراة هامة على ملعبه أمام بورنموث يوم السبت المقبل، لا يزالون مقتنعين تماماً بمارش وفلسفته التدريبية. وقال قائد الفريق، ليام كوبر: «نحن ندعم المدير الفني تماماً، ونثق بجيسي. نحن من خذلنا أنفسنا».
قد يسخر البعض من تصريحات كوبر، لكنه في الحقيقة معروف بإخلاصه الشديد، ويبدو - كما هو الحال مع معظم زملائه في الفريق - أنه يستمتع بالعمل مع المدير الفني الأميركي الذي يشعر بالسعادة وهو يجري مناقشات مع لاعبين تتعلق بالخطط الفنية والتكتيكية، كما يتبادل النكات مع لاعبيه عبر تطبيق «واتساب» ويعاملهم على أنهم رجال ناضجون.
لقد شاهد مارش والده وهو يعمل في نوبات العمل الليلية على خط التجميع في مصنع للجرارات في مدينة راسين الأميركية، وكتب رسالة من 117 صفحة عن الوعي بالزلزال في كاليفورنيا، واصطحب زوجته وأطفاله الثلاثة في رحلة لمدة ستة أشهر في جنوب شرقي آسيا والشرق الأوسط، وكانت مصر محطته المفضلة خلال تلك الرحلة. لقد جعلته كل هذه التجارب المتنوعة للغاية بارعاً في التواصل مع الأشخاص من جميع الخلفيات. إن هذه المواهب والصفات الشخصية المميزة هي التي جعلته يحظى بدعم كبير من جانب مجلس الإدارة واللاعبين والجمهور، في الوقت الحالي على الأقل. وقال مارش: «لم أكمل عملي بعد. لكنني لست غبياً، فأنا أدرك تماماً أنه إذا لم نحقق الفوز فإنني أضع مجلس الإدارة في موقف صعب».


مقالات ذات صلة

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الرياضة الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

أصدرت محكمة في نابولي حكماً بالسجن، في حق مُدافع فريق «مونتسا» الدولي أرماندو إيتزو، لمدة 5 أعوام؛ بسبب مشاركته في التلاعب بنتيجة مباراة في كرة القدم. وقال محاموه إن إيتزو، الذي خاض 3 مباريات دولية، سيستأنف الحكم. واتُّهِم إيتزو، مع لاعبين آخرين، بالمساعدة على التلاعب في نتيجة مباراة «دوري الدرجة الثانية» بين ناديه وقتها «أفيلينو»، و«مودينا»، خلال موسم 2013 - 2014، وفقاً لوكالات الأنباء الإيطالية. ووجدت محكمة في نابولي أن اللاعب، البالغ من العمر 31 عاماً، مذنب بالتواطؤ مع «كامورا»، منظمة المافيا في المدينة، ولكن أيضاً بتهمة الاحتيال الرياضي، لموافقته على التأثير على نتيجة المباراة مقابل المال.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الرياضة الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

أعلنت رابطة الدوري الإسباني لكرة القدم، اليوم (الخميس)، أن الأندية قلصت حجم الخسائر في موسم 2021 - 2022 لأكثر من ستة أضعاف ليصل إلى 140 مليون يورو (155 مليون دولار)، بينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 23 في المائة لتتعافى بشكل كبير من آثار وباء «كوفيد - 19». وأضافت الرابطة أن صافي العجز هو الأصغر في مسابقات الدوري الخمس الكبرى في أوروبا، والتي خسرت إجمالي 3.1 مليار يورو، وفقاً للبيانات المتاحة وحساباتها الخاصة، إذ يحتل الدوري الألماني المركز الثاني بخسائر بقيمة 205 ملايين يورو. وتتوقع رابطة الدوري الإسباني تحقيق صافي ربح يقل عن 30 مليون يورو في الموسم الحالي، ورأت أنه «لا يزال بعيداً عن المستويات قب

«الشرق الأوسط» (مدريد)
الرياضة التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

منح فريق التعاون ما تبقى من منافسات دوري المحترفين السعودي بُعداً جديداً من الإثارة، وذلك بعدما أسقط ضيفه الاتحاد بنتيجة 2-1 ليلحق به الخسارة الثانية هذا الموسم، الأمر الذي حرم الاتحاد من فرصة الانفراد بالصدارة ليستمر فارق النقاط الثلاث بينه وبين الوصيف النصر. وخطف فهد الرشيدي، لاعب التعاون، نجومية المباراة بعدما سجل لفريقه «ثنائية» في شباك البرازيلي غروهي الذي لم تستقبل شباكه هذا الموسم سوى 9 أهداف قبل مواجهة التعاون. وأنعشت هذه الخسارة حظوظ فريق النصر الذي سيكون بحاجة لتعثر الاتحاد وخسارته لأربع نقاط في المباريات المقبلة مقابل انتصاره فيما تبقى من منافسات كي يصعد لصدارة الترتيب. وكان راغد ال

الرياضة هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

يسعى فريق الهلال لتكرار إنجاز مواطنه فريق الاتحاد، بتتويجه بلقب دوري أبطال آسيا بنظامها الجديد لمدة عامين متتاليين، وذلك عندما يحل ضيفاً على منافسه أوراوا ريد دياموندز الياباني، السبت، على ملعب سايتاما 2022 بالعاصمة طوكيو، بعد تعادل الفريقين ذهاباً في الرياض 1 - 1. وبحسب الإحصاءات الرسمية للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، فإن فريق سوون سامسونغ بلو وينغز الكوري الجنوبي تمكّن من تحقيق النسختين الأخيرتين من بطولة الأندية الآسيوية أبطال الدوري بالنظام القديم، بعد الفوز بالكأس مرتين متتاليتين موسمي 2000 - 2001 و2001 - 2002. وتؤكد الأرقام الرسمية أنه منذ اعتماد الاسم الجديد للبطولة «دوري أبطال آسيا» في عا

فارس الفزي (الرياض)
الرياضة رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

تعد الملاكمة رغد النعيمي، أول سعودية تشارك في البطولات الرسمية، وقد دوّنت اسمها بأحرف من ذهب في سجلات الرياضة بالمملكة، عندما دشنت مسيرتها الدولية بفوز تاريخي على الأوغندية بربتشوال أوكيدا في النزال الذي احتضنته حلبة الدرعية خلال فبراير (شباط) الماضي. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قالت النعيمي «كنت واثقة من فوزي في تلك المواجهة، لقد تدربت جيداً على المستوى البدني والنفسي، وعادة ما أقوم بالاستعداد ذهنياً لمثل هذه المواجهات، كانت المرة الأولى التي أنازل خلالها على حلبة دولية، وكنت مستعدة لجميع السيناريوهات وأنا سعيدة بكوني رفعت علم بلدي السعودية، وكانت هناك لحظة تخللني فيها شعور جميل حينما سمعت الج


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.