الحوثيون يحولون المولد النبوي إلى «موسم جباية»

إغراق المدن والشوارع باللون الأخضر من أموال اليمنيين

من مظاهر احتفالات الحوثيين بالمولد النبوي في صنعاء
من مظاهر احتفالات الحوثيين بالمولد النبوي في صنعاء
TT

الحوثيون يحولون المولد النبوي إلى «موسم جباية»

من مظاهر احتفالات الحوثيين بالمولد النبوي في صنعاء
من مظاهر احتفالات الحوثيين بالمولد النبوي في صنعاء

«حوّلوا قوت أولادنا إلى أضواء وطلاءات خضراء، وأرزاقنا صبغوا بها الجدران والشوارع والجبال».
بهذه العبارات يحتج صاحب محل تجاري أجبره الحوثيون على دفع مبالغ كبيرة لدعم احتفالهم بذكرى المولد النبوي، وألزموه بطلاء باب محله باللون الأخضر، وشراء الزينة التي يبيعها تجار تابعون لهم كما يقول، فيما قال ناشط سياسي إن الأمر يتجاوز فرض الجباية ونهب الأموال.
يقول المواطنون في المدن التي يسيطر عليها الحوثيون إنهم يشعرون كما لو أنهم يتحركون ليلاً داخل قارورة مشروب «ديو» خضراء اللون، في سخرية من تحول هذه المدن إلى رقعة مصبوغة بالألوان الخضراء نهاراً، ومضاءة باللون نفسه ليلاً، في مشاهد يصفها كثيرون بالغرائبية المزعجة للعيون والذوق، ويتبادلون السخرية حولها.
وأصبحت ذكرى المولد النبوي تمثل موسماً لجبايات الميليشيات وزيادة ثرائها، مقابل إفقار اليمنيين وتجويعهم، كما يقول صاحب محل تجاري لـ«الشرق الأوسط»، مفضّلاً عدم ذكر اسمه، لتجنب التنكيل به من قِبل الميليشيات. ويضيف: «بقدر ما يقدس اليمنيون هذه المناسبة ويجلونها، إلا أنهم صاروا عند اقترابها يشعرون بالقهر والجور مما يحدث لهم خلالها من إفقار ونهب أموال». ويعترف صاحب المحل بأنه يضطر إلى رفع أسعار السلع التي يبيعها لتغطية العجز الذي تتسبب به الجبايات الحوثية، ويشير إلى أنه كتاجر تجزئة تصل إليه السلع وقد زادت أسعارها بالفعل، لأن تجار الجملة يرفعون الأسعار بدورهم نتيجة الجبايات، وهكذا، حسب رأيه، يكون المستهلك هو الحلقة الأضعف وهو الذي يتحمل العبء الأكبر من الجبايات. ويستدرك موضحاً: «هذا لا يعني أن تجار الجملة والتجزئة لا يتعرضون للخسائر، فنحن نرفع الأسعار بقدر يعوض لنا جزءاً من الخسائر، ولا يمكننا رفع الأسعار إلى درجة تفوق قدرة المستهلكين تماماً، ورغم ذلك يقل عدد المستهلكين باستمرار وتتناقص مبيعاتنا دائماً، فتتراجع أرباحنا، والمستهلك يقلص احتياجاته إلى أقصى حد».
ويقدم هذا التاجر شهادة حول ما تعرض له من أجل دفع الجبايات المطلوبة منه، حيث أقدم مسلحون حوثيون يستقلون سيارة تابعة لمكتب الأشغال العامة في العاصمة صنعاء على تهديده بسبب تأخره في الدفع، وبدلاً من دفع 40 ألف ريال (حوالي 70 دولاراً) التي طلبوها منه سابقاً، أجبروه على دفع هذا المبلغ، وإضافة نصفه كأجور للعناصر التي حضرت على متن السيارة.
ودشنت الميليشيات الموالية لإيران موسم الجباية السنوي باسم الاحتفالات بالمولد النبوي مبكراً هذا العام، قبل موعده بأكثر من شهر، وبدأت منذ منتصف أغسطس (آب) الماضي حصر المنازل والمحال والشركات والمؤسسات التجارية والخدمية، عبر أقسام الشرطة ومكاتب الأشغال العامة التي تسيطر عليها، وعبر مسؤولي الحارات، بغرض إنشاء قوائم التبرعات الإجبارية، وتوزيع سندات القبض بأسماء أرباب الأسر وملاك المحال ومديري الشركات.
وفي حين فرضت على السكان دفع مبلغ 3000 ريال (حوالي 6 دولارات) عن كل عائلة مكونة من أربعة أفراد، لدعم الاحتفال بذكرى المولد النبوي، فإنها أعطت كل مسؤول جباية حرية تقدير المبلغ المطلوب من كل عائلة يزيد أفرادها على أربعة، في تصرف وصفه الأهالي بمحاولة إظهار الميليشيات بمظهر يراعي ظروفهم وإمكانياتهم.
إلا أنه، وبحسب الأهالي، فإن تلك المحاولة كانت مكشوفة، لأنه، وبدلاً من فرض مبالغ أقل على العائلات الكبيرة، حدث العكس، وتم فرض مبالغ كبيرة على تلك الأسر، باعتبار أن هذه العائلات لديها مدخولات أكثر بسبب زيادة عدد أفرادها. ووصل الأمر إلى حدّ إلزام بعض العائلات بدفع أضعاف ذلك المبلغ.
وأكّد عدد من الأهالي أن من لم يدفعوا المبالغ التي فُرِضت عليهم، متعللين بعدم مقدرتهم المالية، ألزمتهم الميليشيات بالتبرعات العينية، وأخذت منهم البطانيات والملابس، وطالبت بعضهم بإعداد الطعام لعناصر الميليشيات الذين يعلقون الزينات أو يطلون الجدران، أو لنقاط التفتيش.
وتركت الميليشيات لمسؤولي الجبايات والمشرفين حرية تقدير المبالغ التي يفرضونها على المحال والشركات التجارية والخدمية. ورغم أن مسؤولي الجباية يزعمون أنهم يحددون الأموال المطلوب جبايتها وفقاً لمعايير مسبقة، فإن التجار ورجال الأعمال يشتكون من العشوائية والمبالغة في ذلك، بل إن المشرفين الحوثيين يعدونهم بتقديم تسهيلات لهم إن بادروا بالتبرع بمبالغ إضافية.
وفي المقابل، هددت الميليشيات الانقلابية من رفضوا أو تلكأوا في الاستجابة لحملة الجباية بالعقاب، واتخذت بالفعل إجراءات عقابية ضد عدد من ملاك محال الذهب والمجوهرات، حيث أغلقت محالهم واحتجزت بعضهم، وألزمتهم بدفع مبالغ إضافية مقابل السماح بفتح محالهم أو الإفراج عنهم.
وفرضت الميليشيات على ملاك محال الذهب والمجوهرات مبالغ لا تقل عن 200 ألف ريال (حوالي 350 دولاراً)، واتهمتهم بالتهرب من التبرع لما يعرف بـ«قافلة الرسول الأعظم»، وهي حملة جباية أخرى لصالح مقاتليها وحراس نقاط التفتيش الذين تسميهم «المرابطين».
وبموازاة فرض تبرعات عينية على عدد من المحال في حال تحجج مالكوها بضعف إيراداتهم، أجبرت الميليشيات المطاعم والكافيتريات ومحلات بيع الأطعمة والمشروبات على التبرع بالطعام والشراب للمشاركين في حملات الجباية وتزيين الشوارع ونقاط التفتيش والدوريات الميليشياوية، وفرضت عليها تقديم وجبات يومية متفاوتة العدد، بحسب عدد عناصر الميليشيات الذين يفدون إليها.
وأغرقت الميليشيات المؤسسات الحكومية التي تسيطر عليها بالأقمشة والزينات الخضراء، وخصصت إيرادات عدد منها لأغراض الاحتفالات بالمولد النبوي، وشراء اللافتات واللوحات الضخمة التي يتم نصبها وتعليقها في الشوارع العامة والطرقات الرئيسية.
وتضمنت حملة الجبايات هذا العام تنظيم فعاليات واحتفالات أسبوعية ويومية عبر عُقّال الحارات ومشرفي الأحياء، في خطة تهدف إلى إقناع الأهالي بمزيد من التبرعات، وتكريس الحملة والاحتفالية في حياتهم اليومية.
ويعمل عُقّال الحارات على التنسيق لتنفيذ محاضرات وجلسات في منازل الشخصيات والوجهاء، بالإكراه للرجال والنساء، يتم فيها استضافة قادة الميليشيات لحث الأهالي على التبرع للحملات، وجرى توسيع هذه الفعاليات لتُنَفّذ بشكل يومي في المساجد بين صلاتي المغرب والعشاء.
ويذهب الصحافي في وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» محمد الأغبري، إلى أن جمع الأموال والإثراء على حساب اليمنيين يعدّان من أهداف الميليشيات من احتفالاتها بالمولد النبوي بهذه الطريقة، مضيفاً أن هناك أمرين في غاية الأهمية والخطورة، وهما نشر الطائفية والمذهبية، والاستعراض السياسي بحجم احتفالاتهم وعدد أنصارهم.
ويقول الأغبري في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن تحويل الحوثي المولد النبوي إلى احتفالية رسمية، هو انعكاس لما تمثله الجماعة من مشروع طائفي يعمل على مسخ الدولة الوطنية الجامعة إلى دولة طائفية وعرقية، تختطف المؤسسات وتلزمها بمهمة الاحتفالات الدينية التي يفترض أنها احتفالات شعبية وفردية، وأغلب المجتمعات العربية والإسلامية تقوم بالاحتفال بها كسلوك وحب شخصي ومجتمعي.
ويضيف الأغبري أنه بالإضافة إلى ذلك، تعمل الميليشيات على إعادة برمجة السلوك الشعبي اليمني، وتحويله من الاهتمام المدني القائم على تمييز وتخليد المناسبات الوطنية، إلى التمسك بالمناسبات الدينية، ولكن بصبغة طائفية، وليس بحقيقتها البعيدة عن هذه التحيزات، ولا يستبعد أن تلغي الميليشيات مستقبلاً النظام الجمهوري بشكل علني.
ويختم بالقول: «هناك عملية غسل عقول وأدمغة وتطييف للمجتمع اليمني، وربط للمولد النبوي بمشروعهم المذهبي».


مقالات ذات صلة

وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله

بروفايل وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله (سبأ)

وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله

توفي الخميس، الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، بعد مسيرة امتدت لثمانية عقود، عاصر خلالها مختلف التحولات السياسية في اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

خاص وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

أكّدت وزارة الدفاع اليمنية استمرار الجهود والترتيبات لتنفيذ استراتيجية توحيد القرار العسكري، وإنهاء حالة الانقسام، وتعدد التشكيلات المسلحة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص أفاد حيدان بأنَّ التنسيق الأمني بين اليمن والسعودية في أعلى مستوياته (تصوير: تركي العقيلي)

خاص وزير الداخلية اليمني: خلايا الاغتيالات في عدن مموّلة خارجياً... وتسعى لإفشال الدولة

كشف وزير الداخلية اليمني، اللواء الركن إبراهيم حيدان، عن إفشال ما وصفه بـ«أكبر مخطط للاغتيالات السياسية» في العاصمة المؤقتة عدن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المشروع ينفذ في 3 مديريات ويخدم أكثر من 360 ألف مستفيد (الشرق الأوسط)

مأرب: وضع حجر الأساس لمشروع تعزيز الأمن المائي

يستهدف مشروع الأمن المائي والطاقة تعزيز مصادر المياه وتحسين كفاءة تشغيلها واستدامتها، من خلال حفر وإعادة تأهيل 11 بئراً مزودة بأنظمة طاقة شمسية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

خاص الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».