هل كان يتعين على نوتنغهام فورست أن يكون أكثر ولاءً للاعبيه بعد الصعود؟

الاستغناء عن نجومه الذين ساعدوه على العودة إلى «الأضواء» يبدو أمراً غريباً وقاسياً

الحكم يشهر البطاقة الصفراء في  وجه ويلي بولي مدافع فورست خلال الهزيمة الأخيرة أمام فولهام  (رويترز)
الحكم يشهر البطاقة الصفراء في وجه ويلي بولي مدافع فورست خلال الهزيمة الأخيرة أمام فولهام (رويترز)
TT

هل كان يتعين على نوتنغهام فورست أن يكون أكثر ولاءً للاعبيه بعد الصعود؟

الحكم يشهر البطاقة الصفراء في  وجه ويلي بولي مدافع فورست خلال الهزيمة الأخيرة أمام فولهام  (رويترز)
الحكم يشهر البطاقة الصفراء في وجه ويلي بولي مدافع فورست خلال الهزيمة الأخيرة أمام فولهام (رويترز)

في الموسم الافتتاحي للدوري الإنجليزي الممتاز بشكله الجديد، في 1992 – 1993، أنفق المدير الفني لنوتنغهام فورست، براين كلوف، الأموال على التعاقد مع لاعبين اثنين فقط. لقد دفع النادي 800 ألف جنيه إسترليني لإعادة نيل ويب من مانشستر يونايتد، ودفع لنادي كوفنتري سيتي نصف هذا المبلغ تقريباً للتعاقد مع روبرت روزاريو، ليصل إجمالي ما أنفقه النادي آنذاك إلى 1.2 مليون جنيه إسترليني. وبعد مرور ثلاثين عاماً، حطم نوتنغهام فورست الرقم القياسي في الدوري الإنجليزي الممتاز فيما يتعلق بأكبر عدد من التعاقدات في فترة انتقالات واحدة، حيث تعاقد مع 22 لاعباً مقابل 146 مليون جنيه إسترليني هذا الصيف.
لقد انتظر مشجعو نوتنغهام فورست 23 عاماً لكي يعود الفريق للعب في الدوري الإنجليزي الممتاز مرة أخرى، وكانت فرحتهم استثنائية عندما حسم النادي الصعود بفوزه على هيدرسفيلد تاون في المباراة النهائية لملحق الصعود. وجذب موكب النصر في ساحة السوق القديمة بالمدينة آلاف المشجعين، وانضم اللاعبون إلى المدير الفني ستيف كوبر، ومالك النادي إيفانغيلوس ماريناكيس، في شرفة مكاتب المجلس في اليوم التالي لانتصارهم في ملعب ويمبلي. وبالنسبة لضيف ذلك الاحتفال، الممثل الكوميدي مات فوردي، فإن الأجواء الإيجابية لم تتضاءل.
يقول فوردي: «لا يزال هناك شعور سائد بالنشوة، حتى بعد الهزيمة في بعض المباريات الأخيرة. الصعود إلى الدوري الإنجليزي الممتاز كان بمثابة رصاصة من الأدرينالين الخالص. وبالنظر إلى أننا كنا نبدأ المواسم القليلة الماضية في دوري الدرجة الأولى بشكل سيئ للغاية، فإن مستوى التوتر الآن ضئيل بالمقارنة بذلك». في الواقع، كانت بداية نوتنغهام فورست هذا الموسم في الدوري الإنجليزي الممتاز أفضل مما كانت عليه في أيٍّ من الموسمين الأخيرين في دوري الدرجة الأولى، عندما بدأ الفريق بأربع هزائم متتالية. لكن الكثير من اللاعبين الذين انضموا إلى فوردي في تلك الاحتفالات في مايو (أيار) الماضي قد رحلوا عن النادي منذ ذلك الحين. لقد رحل ثلاثة وعشرون لاعباً عن نوتنغهام فورست هذا الصيف، إما بالانضمام إلى أندية جديدة بشكل دائم وإما بالخروج على سبيل الإعارة. لكن كيف يشعر المشجعون حيال تغيير الفريق بهذا الشكل الجذري؟
لقد كانت بعض التغييرات خارجة عن سيطرة النادي، حيث اضطر كوبر إلى استبدال اللاعبين الذين انضموا إلى نوتنغهام فورست على سبيل الإعارة الموسم الماضي، مثل جد سبينس وفيليب زينكرناغيل وجيمس غارنر. يقول فوردي: «لقد قبلنا أيضاً بحقيقة أنه يجب تدعيم صفوف الفريق حتى يكون أفضل في بعض المراكز. على سبيل المثال، تم استبدال بريس سامبا، الذي كان يمتلك شخصية قوية للغاية وقدم أداءً بطولياً في ركلات الترجيح في مباراة نصف نهائي ملحق التصفيات، بحارس أفضل وهو دين هندرسون. لقد كوّن بالتأكيد علاقة قوية مع الجماهير». وأثبت هندرسون بالفعل جدارته بحراسة مرمى الفريق، حيث تصدى لركلتي جزاء من ديكلان رايس وهاري كين.
يقول ريتش فيرارو، مضيف بودكاست 1865: «كان عدد الراحلين يساوي تقريباً عدد الوافدين الجدد، بما في ذلك الكثير من اللاعبين، مثل برايان أوجيدا وجوناثان بانزو، الذين تم التعاقد معهم في ظل الاعتقاد بأننا سنظل في دوري الدرجة الأولى هذا الموسم، لذا فقد رحلوا على سبيل الإعارة. كان لدينا شهران للتحضير للدوري الإنجليزي الممتاز، وهو أمر لم يكن متوقعاً تماماً». ويشير فيرارو إلى أن ماريناكيس لم يبتعد عن التحدي المتمثل في تدعيم صفوف الفريق. وخلال السنوات الخمس الأخيرة منذ استحواذ ماريناكيس على نوتنغهام فورست، تعاقد النادي مع ما يقرب من 80 لاعباً.

هل يقررملاك فورست إقالة كوبر؟ (إ.ب.أ)

وكان ماريناكيس متفائلاً للغاية عندما خاطب الجماهير في موكب النصر، لكنّ بعض المشجعين كانوا حذرين بعض الشيء عندما سمعوا رجل الأعمال اليوناني وهو يتحدث عن طموحاته النبيلة، كما يشرح صحافي كرة القدم دانييل ستوري، الذي يقول: «لقد وقف على درجات مكاتب المجلس وتحدث عن المنافسة في الدوري الإنجليزي الممتاز وليس مجرد البقاء في المسابقة، وهو الأمر الذي ربما كان يفوق توقعاتنا بعض الشيء. لكن من الأرجح الآن أننا سنخوض معركة من أجل تجنب الهبوط لدوري الدرجة الأولى مرة أخرى. وفي الوقت الحالي، سوف أشعر بسعادة كبيرة لو أنهينا الموسم في المركز السابع عشر وتمكنّا من البقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز بفارق الأهداف».
من المؤكد أن المشجعين متشوقون لتحقيق النجاح، لكن ستوري يشعر بأنه كان يتعين على النادي أن يكون أكثر ولاءً للاعبين الذين قادوه للصعود إلى الدوري الإنجليزي الممتاز. وعندما خسر نوتنغهام فورست أمام بورنموث بثلاثة أهداف مقابل هدفين بعدما كان متقدماً بهدفين دون رد على ملعبه الشهر الماضي، كانت هناك صيحات استهجان وسخط من الجماهير ضد بعض اللاعبين الذين قدموا أداءً رائعاً للغاية مع نوتنغهام فورست الموسم الماضي. صحيح أن ستيف كوك وسكوت ماكينا وجو وورال ليسوا أسرع خط دفاع، لكن ستوري يعتقد أنه يتعين على المشجعين التوقف عن مهاجمتهم. ويتفق فوردي مع هذا الرأي قائلاً: «الانتقادات السلبية للاعبين على شبكة الإنترنت ليست مفيدة. لقد تم الهجوم على ريان ييتس ووصفه بأنه ليس جيداً بما يكفي للعب مع الفريق، لكنه لعب دوراً أساسياً في النجاحات التي حققها الفريق الموسم الماضي».
يقول فيرارو: «يستحق اللاعبون مثل ريان ييتس وورال معاملة أفضل. ويجب أن يُكافأوا على كل الجهود التي بذلوها خلال المواسم القليلة الماضية من خلال فرصة اللعب في الدوري الإنجليزي الممتاز». أما بالنسبة للوافدين الجدد، فيقول فيرارو إنه يتعين عليهم فقط العمل بكل قوة لتوطيد علاقتهم بالجماهير، ويضيف: «ما دام هؤلاء اللاعبين يبذلون كل ما في وسعهم، فإننا سنقبلهم بسرعة نسبياً. لقد كان نيكو ويليامز خير مثال على ذلك في المباريات الافتتاحية، من خلال تقديم كل ما لديه في كل مباراة». لقد كان تغيير الفريق بهذا الشكل الجذري بمثابة خطوة جريئة ومحفوفة بالمخاطر، حيث لعب نجل ماريناكيس، ميلتياديس، دوراً أساسياً في ضخ دماء جديدة في صفوف الفريق. قد يبدو الأمر قاسياً بالنسبة إلى اللاعبين الذين رحلوا، لكنّ استطلاعاً لرأي المشجعين أجرته صحيفة «نوتنغهام بوست» في أوائل أغسطس (آب) الماضي أظهر أن 86 في المائة من المشجعين كانوا سعداء بالانتقالات، وأن 88 في المائة منهم كانوا «متفقين تماماً مع ملاك النادي». لكن الأمر قد تغير تماماً عندما لم ينجح الفريق في تحقيق النتائج المرجوة.
كان نوتنغهام فورست يتذيل جدول ترتيب دوري الدرجة الأولى عندما تولى كوبر المسؤولية منذ أكثر من عام، واتخذ الفريق مساراً تصاعدياً منذ ذلك الحين، لكنّ فيرارو يشير إلى أن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما يتخلص الفريق من سلسلة النتائج السلبية، وهي الفترة التي يتعين خلالها على كوبر أن يعمل جاهداً على مساعدة لاعبيه على التحلي بالثقة والمعنويات المرتفعة. يقول فيرارو عن كوبر: «لقد غرس مثل هذه العقلية الجيدة في نفوس هؤلاء اللاعبين، لكنّ السؤال الكبير الآن هو: كيف يتعامل مع سلسلة من الهزائم وتراجع الثقة؟».
ويثق فوردي بأن اللاعبين سيسيرون على نفس نهج الموسم الماضي ويتطور مستواهم ويحققون نتائج أفضل بمرور الوقت. ويقول: «كمشجعين، يتعين علينا أن ندرك أن الأمر يستغرق بعض الوقت حتى يتكيف اللاعبون الجدد. نحن نسير في الاتجاه الصحيح. وبحلول نهاية الموسم، سنتمكن من البقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز». ومع ذلك، يشعر ستوري بالقلق من أن ملاك النادي قد يصابون بالذعر ويقررون إقالة كوبر من منصبه في حال استمرار الفريق بالقرب من مراكز الهبوط عندما يتوقف الدوري الإنجليزي الممتاز في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم بسبب إقامة نهائيات كأس العالم. وقام بورنموث، الذي صعد إلى الدوري الإنجليزي الممتاز مع نوتنغهام فورست، بالفعل بإقالة مديره الفني الذي كان قد قاد الفريق للصعود.
وبالتالي، هناك شعور بالقلق الآن من أنه بعد عام من وصول كوبر ونجاحه في تحقيق تطور ملحوظ داخل النادي، أن يقال من منصبه ليلحق بالكثير من اللاعبين الذين ساعدوا النادي في الصعود. وفي كلتا الحالتين، يأمل مشجعو نوتنغهام فورست ألا ينتهي هذا الموسم بنفس الطريقة التي انتهى بها موسم 1992 - 1993 عندما هبط الفريق إلى دوري الدرجة الأولى.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.