ديفيد دين: الأموال أصبحت تتحكم بكل شيء في عالم كرة القدم وعلينا أن نتقبل الواقع

رئيس آرسنال السابق يتحدث عن إنجازاته وإخفاقاته مع النادي ومستقبل اللعبة

ديفيد دين تعاقد مع المدير الفني الفرنسي آرسين فينغر إلى جانب لاعبين بارزين (غيتي)
ديفيد دين تعاقد مع المدير الفني الفرنسي آرسين فينغر إلى جانب لاعبين بارزين (غيتي)
TT

ديفيد دين: الأموال أصبحت تتحكم بكل شيء في عالم كرة القدم وعلينا أن نتقبل الواقع

ديفيد دين تعاقد مع المدير الفني الفرنسي آرسين فينغر إلى جانب لاعبين بارزين (غيتي)
ديفيد دين تعاقد مع المدير الفني الفرنسي آرسين فينغر إلى جانب لاعبين بارزين (غيتي)

يضع رئيس آرسنال السابق، ديفيد دين، قلماً في جيبه دائماً، ولا يتركه في أي مكان يذهب إليه. وحتى خلال الليل، عندما يذهب إلى النوم، فإنه يضع هذا القلم بجانبه على منضدة بجوار الفراش. يعمل دين في مجال الأعمال التجارية منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، وكان أحد الدروس الأولى التي تعلمها، هو أنه من المفيد أن يكون لديك قصة ترويها. ولذا، فهو يحمل هذا القلم الآن أمام الكاميرا: قلم من ماركة «مونت بلانك» الذي استخدمه في توقيع عقود ضم كل من دينيس بيركامب، وتيري هنري، وسول كامبل، وكثيرين غيرهم، لآرسنال.
لكن هذا لا يعني أن دين بحاجة إلى من يذكره بالأوقات السعيدة. يبلغ دين من العمر 79 عاماً، ولا يزال يتذكر كل شيء بأدق التفاصيل، منذ أن كان مشجعاً لآرسنال وحتى أصبح مالكاً للنادي. كما أن أبرز إنجازاته على الإطلاق مع نادي آرسنال، كانت: لقب الدوري الإنجليزي في عام 1989، والحصول على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز بشكله الجديد مع «فريق آرسنال الذي لا يقهر» في عام 2004، والتعاقد مع المدير الفني الفرنسي آرسين فينغر الذي لم يكن معروفاً آنذاك؛ لكنه حقق إنجازات استثنائية مع «المدفعجية».
هذه هي الذكريات التي كتبها دين في كتابه الجديد، والذي يحمل اسم «استدعاء الطلقات». لكن هناك قصصاً مؤلمة أيضاً: في عام 1984، تعرضت شركته التي كانت تعمل في مجال تصدير السكر، لعملية احتيال بمبلغ 15 مليون جنيه إسترليني من قبل محتال إجرامي، وهي المحنة التي لم يتحدث عنها دين من قبل. لكن الذكرى الأكثر إيلاماً على الإطلاق يتذكرها دين بتاريخ ووقت محددين؛ حيث يقول: «الثامن عشر من أبريل (نيسان) عام 2007، الساعة الخامسة مساء». كانت تلك هي اللحظة التي دخل فيها بيتر هيل وود، رئيس آرسنال (الشريك الأول في ملكية آرسنال ويملك صلاحية إقالة دين) إلى مكتبه، لكي يخبره بأنه أقيل من منصبه ويتعين عليه الرحيل عن النادي. لقد كان دين منخرطاً على مدار أشهر في نزاعات داخلية في مجالس الإدارة حول تمويل الاستاد الجديد، وخطته لجذب استثمارات خارجية للتغلب على المشكلات المالية التي يعانيها النادي. وأخيراً، تلقى دين أمراً بحزم أمتعته ومغادرة المبنى على الفور. أخرج دين هاتفه لإبلاغ عائلته؛ لكنه اكتشف أن الشركة قد قطعت حتى الاتصال عن الهاتف.
يقول دين الآن: «لم أتحدث إلى أي شخص منذ 15 عاماً عن الطريقة التي رحلت بها عن آرسنال. أنا لست من نوعية الأشخاص الذين يحبون الحديث عن الأشياء السلبية. لكن ليس لدي ما أخجل منه. أريد أن يقوم النادي بعمل جيد، بغض النظر عن الطريقة التي رحلت بها، أو الطريقة التي رحل بها آرسين فينغر، وهو الأمر الذي كان مؤلماً بالقدر نفسه. يشعر كل منا بألم شديد؛ لأننا لم ننتهِ من الأعمال التي كان من المفترض أن نقوم بها. كان لدينا شيء مميز حقاً، وعندما سقط هذا الشيء كان ذلك مؤلماً للغاية».
وكانت الأجزاء الأكثر متعة في الكتاب هي تلك التي تتحدث عن فريق «آرسنال الذي لا يقهر»، وهو الفريق الذي كان دين يقدره تماماً مثل عائلته. يقول عن ذلك: «لقد كانت لحظة استثنائية من الزمن. أتذكر أنني بعد كل مباراة كنت أذهب إلى غرفة خلع الملابس وأصافح الأولاد. ولا تزال كلمات سول كامبل ترن دائماً بصوت عالٍ وواضح في أذني، عندما كان يقول لي إنه يتعين علينا جميعاً أن نواصل المضي قدماً، ونستمر في تحقيق الانتصارات. وقد فعلوا ذلك بالفعل. قمنا بتجميع مجموعة من اللاعبين الرائعين الذين كانوا يلعبون معاً بتناغم كبير، وكأنهم يعزفون مقطوعة موسيقية».
وبعد إقالته من منصبه، كان دين يشاهد آرسنال من بعيد، بينما كان صديقه القديم فينغر يكافح من أجل الحفاظ على هذه المؤسسة التي بدأت تتراجع. يقول دين عن مجلس الإدارة الحالي: «لقد ارتكبوا أخطاء بلا شك. أخطاء سيئة على مر السنين في سوق انتقالات اللاعبين، وفي طريقة إدارة النادي. لكن الخبر السار هو أنه مر 15 عاماً منذ رحيلي، ويبدو أنهم الآن في مسار تصاعدي. لقد استقرت السفينة أخيراً».
لا يزال دين يذهب لمشاهدة أكبر عدد ممكن من المباريات التي يلعبها آرسنال على ملعبه. لكنه لا يملك الكثير من الوقت هذه الأيام؛ حيث يعمل سفيراً للدوري الإنجليزي الممتاز والاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، كما عمل في ملف استضافة إنجلترا لنهائيات كأس العالم 2018، وهو الأمر الذي أخفق في نهاية المطاف، وعمل في عديد من لجان الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا). لكن المشروع الذي يجعله يشعر بحماس أكبر هو «مشروع التوأمة»، وهو مخطط إرشادي تنظم فيه أندية كرة القدم دورات في السجون المحلية، وهو ما يسمح للنزلاء بتعلم المهارات والمؤهلات الأساسية. لقد زار جميع السجون الـ113 في إنجلترا وويلز، وشاهد بنفسه الخلل الوظيفي في هذا النظام.
يقول دين: «يمكنني التحدث معك لفترة طويلة حول هذا الموضوع. لقد عانوا نقص التمويل، وكثير منهم يعانون نقصاً في الموظفين هذه الأيام. يقضي السجناء وقتاً طويلاً جداً خلف القضبان. لا يمكنك أن تضع كلباً في قفص لمدة 20 ساعة في اليوم؛ لكن بعض السجناء يقضون مثل هذه المدة الطويلة خلف القضبان. فرصة إعادة التأهيل ضئيلة. الأمر يتكلف 48 ألف جنيه إسترليني سنوياً لإبقاء شخص ما في السجن. إنهم بشر، لقد فقدوا حريتهم وفقدوا وظائفهم، لذلك فهم بحاجة إلى فرصة ليكونوا أشخاصاً أفضل».
لقد أصبحت المنافسة مع الأندية العملاقة التي تتلقى تمويلاً من الدول أمراً صعباً للغاية بالنسبة لفينغر في سنواته الأخيرة مع آرسنال، وهناك مفارقة هنا: لم يعمل أحد خلال فترة دين في آرسنال بجدية أكبر لجذب ملياردير لشراء النادي أكثر من دين نفسه الذي يقول عن ذلك: «لم يكن لدينا مستثمر مالي قوي. كنت أرى الطريقة التي تسير بها الأمور في مانشستر يونايتد، ثم في مانشستر سيتي، وأخيراً في نيوكاسل. لقد كنا بحاجة إلى مستثمر قوي، بحاجة إلى ملياردير. لم أكن أريد أن يتخلف آرسين فينغر عن الركب».
لكن هل هذا شيء جيد لكرة القدم؟ يجيب دين قائلاً: «هذا هو ما وصلنا إليه الآن. إنها صناعة تنافسية. وأخشى -لا سيما في المستوى الأعلى- أن الأموال هي التي أصبحت تتحكم في كل شيء. أعتقد أن مُلاك الأندية يعملون بإخلاص شديد، وأعتقد أن دوافعهم جيدة. يمكننا التحدث عن دوري السوبر الأوروبي الذي كان كارثياً؛ لكن غالبية ملاك الأندية يتوقعون الحصول على عائد من الأموال التي يستثمرونها».
وربما تكون هذه هي مفارقة دين: رجل رحلته الكروية تكتنفها الرومانسية؛ لكنه في الوقت نفسه واحد من أصعب وأذكى الأشخاص الواقعيين. ويمكن وصف دين بأنه «صندوق ذكريات» يمشي على الأرض، ويؤمن بأن كُلاً من ناديه ورياضته قد تغيرا بشكل لا رجعة فيه. ويقول: «إنه أمر لا مفر منه يا جوناثان. لا يمكنك أن توقف هذا المد».


مقالات ذات صلة

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الرياضة الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

أصدرت محكمة في نابولي حكماً بالسجن، في حق مُدافع فريق «مونتسا» الدولي أرماندو إيتزو، لمدة 5 أعوام؛ بسبب مشاركته في التلاعب بنتيجة مباراة في كرة القدم. وقال محاموه إن إيتزو، الذي خاض 3 مباريات دولية، سيستأنف الحكم. واتُّهِم إيتزو، مع لاعبين آخرين، بالمساعدة على التلاعب في نتيجة مباراة «دوري الدرجة الثانية» بين ناديه وقتها «أفيلينو»، و«مودينا»، خلال موسم 2013 - 2014، وفقاً لوكالات الأنباء الإيطالية. ووجدت محكمة في نابولي أن اللاعب، البالغ من العمر 31 عاماً، مذنب بالتواطؤ مع «كامورا»، منظمة المافيا في المدينة، ولكن أيضاً بتهمة الاحتيال الرياضي، لموافقته على التأثير على نتيجة المباراة مقابل المال.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الرياضة الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

أعلنت رابطة الدوري الإسباني لكرة القدم، اليوم (الخميس)، أن الأندية قلصت حجم الخسائر في موسم 2021 - 2022 لأكثر من ستة أضعاف ليصل إلى 140 مليون يورو (155 مليون دولار)، بينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 23 في المائة لتتعافى بشكل كبير من آثار وباء «كوفيد - 19». وأضافت الرابطة أن صافي العجز هو الأصغر في مسابقات الدوري الخمس الكبرى في أوروبا، والتي خسرت إجمالي 3.1 مليار يورو، وفقاً للبيانات المتاحة وحساباتها الخاصة، إذ يحتل الدوري الألماني المركز الثاني بخسائر بقيمة 205 ملايين يورو. وتتوقع رابطة الدوري الإسباني تحقيق صافي ربح يقل عن 30 مليون يورو في الموسم الحالي، ورأت أنه «لا يزال بعيداً عن المستويات قب

«الشرق الأوسط» (مدريد)
الرياضة التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

منح فريق التعاون ما تبقى من منافسات دوري المحترفين السعودي بُعداً جديداً من الإثارة، وذلك بعدما أسقط ضيفه الاتحاد بنتيجة 2-1 ليلحق به الخسارة الثانية هذا الموسم، الأمر الذي حرم الاتحاد من فرصة الانفراد بالصدارة ليستمر فارق النقاط الثلاث بينه وبين الوصيف النصر. وخطف فهد الرشيدي، لاعب التعاون، نجومية المباراة بعدما سجل لفريقه «ثنائية» في شباك البرازيلي غروهي الذي لم تستقبل شباكه هذا الموسم سوى 9 أهداف قبل مواجهة التعاون. وأنعشت هذه الخسارة حظوظ فريق النصر الذي سيكون بحاجة لتعثر الاتحاد وخسارته لأربع نقاط في المباريات المقبلة مقابل انتصاره فيما تبقى من منافسات كي يصعد لصدارة الترتيب. وكان راغد ال

الرياضة هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

يسعى فريق الهلال لتكرار إنجاز مواطنه فريق الاتحاد، بتتويجه بلقب دوري أبطال آسيا بنظامها الجديد لمدة عامين متتاليين، وذلك عندما يحل ضيفاً على منافسه أوراوا ريد دياموندز الياباني، السبت، على ملعب سايتاما 2022 بالعاصمة طوكيو، بعد تعادل الفريقين ذهاباً في الرياض 1 - 1. وبحسب الإحصاءات الرسمية للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، فإن فريق سوون سامسونغ بلو وينغز الكوري الجنوبي تمكّن من تحقيق النسختين الأخيرتين من بطولة الأندية الآسيوية أبطال الدوري بالنظام القديم، بعد الفوز بالكأس مرتين متتاليتين موسمي 2000 - 2001 و2001 - 2002. وتؤكد الأرقام الرسمية أنه منذ اعتماد الاسم الجديد للبطولة «دوري أبطال آسيا» في عا

فارس الفزي (الرياض)
الرياضة رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

تعد الملاكمة رغد النعيمي، أول سعودية تشارك في البطولات الرسمية، وقد دوّنت اسمها بأحرف من ذهب في سجلات الرياضة بالمملكة، عندما دشنت مسيرتها الدولية بفوز تاريخي على الأوغندية بربتشوال أوكيدا في النزال الذي احتضنته حلبة الدرعية خلال فبراير (شباط) الماضي. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قالت النعيمي «كنت واثقة من فوزي في تلك المواجهة، لقد تدربت جيداً على المستوى البدني والنفسي، وعادة ما أقوم بالاستعداد ذهنياً لمثل هذه المواجهات، كانت المرة الأولى التي أنازل خلالها على حلبة دولية، وكنت مستعدة لجميع السيناريوهات وأنا سعيدة بكوني رفعت علم بلدي السعودية، وكانت هناك لحظة تخللني فيها شعور جميل حينما سمعت الج


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.