الائتلاف الألماني الحاكم يسعى لاحتواء تبعات انقطاع الغاز الروسي

وسط اختلاف الأولويات بين مكوّناته الحزبية

اهتمام الألمان يتركز أكثر فأكثر على خزانات الغاز (أ.ب)
اهتمام الألمان يتركز أكثر فأكثر على خزانات الغاز (أ.ب)
TT

الائتلاف الألماني الحاكم يسعى لاحتواء تبعات انقطاع الغاز الروسي

اهتمام الألمان يتركز أكثر فأكثر على خزانات الغاز (أ.ب)
اهتمام الألمان يتركز أكثر فأكثر على خزانات الغاز (أ.ب)

انقطاع الغاز الروسي بشكل شبه كلّي عن ألمانيا منذ بضعة أيام، أدخل البلاد في متاهة من انعدام اليقين فيما يتعلق بأمن الطاقة. وكما كان يخشى كثيرون، أوقفت روسيا فعلاً ضخ الغاز إلى ألمانيا عبر خط «نورد ستريم 1»، وأبقت على كميات ضئيلة جداً من الغاز الذي يصل ألمانيا عبر خط أنابيب يمر عبر أوكرانيا.
على الرغم من أن هذا الانقطاع في الغاز لم يأت فجأة، فإن تأثيره لم يكن بالضرورة أقل. ذلك أنه قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا خلال فبراير (شباط) الماضي، كانت ألمانيا تستورد أكثر من 55 في المائة من غازها من روسيا. إلا أن هذه الكمية انخفضت إلى 34 في المائة في أبريل (نيسان) بعد دخول العقوبات الأوروبية حيّز التنفيذ وردّ روسيا بتخفيض واردات الغاز إليها، حتى وصلت في أغسطس (آب) الماضي إلى أدنى مستوياتها، ولم تتجاوز كمية الغاز الروسي الـ9 في المائة من حاجات ألمانيا من الغاز، قبل أن يتوقف تقريباً قبل أيام. ومع أن شركة «غازبروم» تقول، إن سبب وقف ضخ الغاز تقني ويعود لقطع يتعيّن على شركة «سيمنز» الألمانية إصلاحه وإعادته، فإن ألمانيا ترفض هذه الحجج وتؤكد أن السبب محض سياسي، أن روسيا أصبحت «شريكاً غير موثوق به» فيما يتعلق بالغاز.
أيضاً، شركة «سيمنز» الألمانية التي تصون الخط مع شركة «غازبروم»، نفت أن يكون هناك أي سبب تقني يعيق إعادة ضخ الغاز، وقالت، إن العطل يمكن إصلاحه بسرعة عبر أعمال الصيانة الدورية، ثم إنه تكرّر في السابق من دون أن يعيق إمدادات الغاز.
بغض النظر عن السبب، تظل النتيجة واحدة هي أن الغاز الروسي توقف. وبات السؤال الشاغل في ألمانيا، هل يمكن للبلاد أن تجتاز فصل الشتاء من دون الغاز الروسي؟
الحكومة الألمانية تعترف بأن التعايش مع وقف الغاز الروسي لن يكون سهلاً على ألمانيا، لكنها تؤكد أنها قادرة على اجتياز الأشهر المقبلة. ولقد كرّر المستشار الألماني أولاف شولتس هذا التطمين أمام «البوندستاغ» (مجلس النواب) هذا الأسبوع، قائلاً، إن الخطط التي اعتمدها ألمانيا في الأشهر الماضية وبدء تخليها عن الغاز الروسي عاملان ساعداها على الوصول إلى مرحلة مطمئنة. وللعلم، تستخدم ألمانيا الغاز في التدفئة بشكل أساسي وأيضاً لتشغيل المصانع الكبرى. وهي تنتج منه أقل من نصف حاجتها من الكهرباء، في حين تستند إلى موارد أخرى لإنتاج الكهرباء من الطاقة المتجدّدة.
في الواقع، تحاول ألمانيا منذ بداية الحرب في أوكرانيا انتزاع نفسها تدريجياً من الحاجة إلى روسيا من دون أن تتسبب بالكثير من الضرر. وبدأ الوزراء في الحكومة والمستشار شولتس رحلات مكّوكية إلى دول العالم بحثاً عن موارد بديلة للغاز، من كندا إلى السنغال والجزائر. ولقد نجحوا بضمان واردات إضافية من النرويج التي باتت الآن مزوّد ألمانيا الرئيس بالغاز؛ إذ تصل نسبة الواردات من هناك إلى 38 في المائة، إلا أنها عندما حاولت أخيراً زيادة هذه الواردات اصطدمت برفض من النرويج التي أبلغتها بأنها الآن تورّد لها الغاز بطاقتها القصوى ويستحيل رفع هذه النسبة أكثر. وهكذا باتت هولندا موردها الأساسي الثاني؛ إذ تؤمّن الآن 24 في المائة من حاجات ألمانيا من الغاز.
> زيادة المخزون وترشيد الاستهلاك
من جهة ثانية، بالإضافة إلى استعداد الحكومة الألمانية لتنويع مصادر الغاز، فإنها عملت على زيادة مخزون البلاد من الغاز بسرعة، وحدّدت لنفسها مهلاً زمنية لملء الخزانات قبل فصل الشتاء. ومع أن سعة الخزانات المتوافرة الآن وصلت إلى أكثر من 86 في المائة فهي قد لا تمتلئ بأكثر بكثير من ذلك، رغم أن الحكومة تريد الوصول إلى نسبة 90 في المائة بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل كي تضمن مخزوناً يكفي لشهرين أو ثلاثة. ولكن قد يكون هذا الهدف صعباً الآن بعدما أوقفت روسيا ضخ غازها إلى ألمانيا كلياً.
في أي حال، يقول خبراء، إن ألمانيا قادرة الآن على اجتياز الأشهر القليلة المقبلة بالمخزون الموجود لديها الذي سيكون كافياً حتى فبراير المقبل على الأرجح، رغم أن الأمر يعتمد على مدى درجات برودة فصل الشتاء المقبل. ففي العام الماضي مثلاً، أظهرت أرقام رسمية بأن استخدام الغاز انخفض بنسبة 10 في المائة عن العام الذي سبق؛ لأن درجات الحرارة كانت أعلى من المعدل.
وربما دفعت أسعار الغاز، التي كانت قد بدأت ترتفع قبل الحرب في أوكرانيا، مع زيادة الطلب عليها إثر إعادة الفتح بعد جائحة «كوفيد - 19»، بالمستهلكين لاستخدام كميات أقل من الغاز تفادياً لفواتير باهظة.
بعض الخبراء ينصحون اليوم الأفراد والمصانع بتقليص استخدام الغاز إلى حدود الـ20 في المائة، على الرغم من أن الحكومة الألمانية الاتحادية لم تصدر بعد قرارات بهذا الشأن، باستثناء تلك المتعلقة بالمقار العامة. ومع أن الحكومة تكتفي حالياً بالدعوة للاقتصاد في استخدامه، فإن ثمة تفكيراً جدياً الآن بإمكانية تقديم مكافآت للشركات التي ترشّد استهلاكه. وما يستحق الإشارة هنا، أن الحكومة قررت منع رفع درجات التدفئة داخل الابنية الرسمية إلى أكثر من 19 درجة مئوية، وتحاشي استخدام الماء الساخن في الحمّامات داخل تلك الأبنية والحمّامات العامة، وكذلك إطفاء أنوار المحال التجارية ليلاً. كذلك، اتخذت بعض الولايات إجراءات إضافية لتوفير الطاقة، مثل برلين التي بدأت إطفاء أنوار المعالم التاريخية ليلاً.
أيضاً، تراهن الحكومة على خزانات إضافية للغاز المُسال كانت أقرّت شراءها، والمفترض أن يصبح اثنان منها جاهزين بحلول نهاية العام. ويمكن لهذين الخزانين أن يزيدا من مخزون البلاد من الغاز المُسال، وبالتالي يؤمّنان حاجاتها لأشهر إضافية. ولكن هنا مشكلة أخرى، هي أن سعر استيراد الغاز المُسال من الولايات المتحدة وكندا بشكل أساسي، أعلى بكثير من سعر الغاز الآتي من روسيا والنرويج وغيرها من الدول التي يصلها الغاز منها إلى ألمانيا عبر الأنابيب؛ ما يعني زيادة العبء المالي على المستهلكين.
> وسائل طاقة بديلة
على صعيد آخر، دفع نقص الغاز الروسي بألمانيا كذلك للتفكير في وسائل طاقة بديلة كانت قررت التخلي عنها. من هذه الوسائل معامل الطاقة النووية التي كانت قرّرت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل إغلاقها بعد «حادث فوكوشيما» في اليابان عام 2011، رغم أن هذه المعامل النووية - وعددها 17 معملاً - كانت تنتج ثلث حاجة ألمانيا من الكهرباء لغاية العام 2011. وبالفعل، أغلقت هذه المعامل تدريجياً منذ ذلك الحين.
مقابل ذلك، عوّضت ألمانيا عن هذه الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء بالغاز والطاقة المتجددة. وكانت ما زالت 6 معامل نووية تنتج الطاقة، أغلقت 3 منها نهاية العام الماضي، وكان من المقرر إغلاق الثلاثة المتبقية نهاية العام الحالي. وحتى قبل أيام قليلة بقي المستشار شولتس مصرّاً على أن تمديد حياة هذه المعامل أمر غير وارد، متحججاً بأسباب تقنية. وكرّر شولتز، أن قضبان الوقود التي تحتاج إليها المعامل للإنتاج كافية فقط لنهاية العام، وأن الحصول عليها عملية تستغرق 14 شهراً على الأقل. هذا، وتعرّض شولتز لانتقادات كثيرة بسبب تلك التصريحات ولتجاهله فكرة إبقاء المعامل النووية مشغلة بُعيد بدء الحرب في أوكرانيا. وقال منتقدوه، إن الحكومة لو بدأت البحث عن أسواق لتأمين قضبان الوقود في فبراير الماضي، لما كان الانتظار سيكون طويلاً.
> وزير الاقتصاد «الأخضر»
وحول هذا الأمر، بعدما ظل شولتس يستبعد العمل بهذه المصانع الثلاث، عاد وزير الاقتصاد روبرت هابيك - المنتمي إلى حزب «الخضر» البيئي - إلى الإعلان قبل يومين بأن اثنين من هذه المعامل الثلاثة سيبقيان بـ«حالة جهوزية» بعد نهاية العام لاستخدامهما في حالة الطوارئ، من دون أن يعطي تفاصيل حول العوائق التقنية التي كان تذرّع بها المستشار. ويعني قرار هابيك هذا أن صيانة معملين من هذه المعامل الثلاثة ستستمر، وسيكون المعملان جاهزين للعمل ولكن من دون أن ينتجا كهرباء؛ ما تسبب بموجة انتقادات واسعة من قبل المعارضة وخبراء في الطاقة النووية.
وحول هذا الجانب، نقلت صحيفة «راينشيه بوست» عن الخبيرة في الطاقة كلاوديا كمفرت قولها، إن هذا القرار «باهظ الكلفة ويستغرق الكثير من الجهد بشكل لا يوازي المنافع». ونقلت صحيفة «بيلد» عن الخبيرة النووية أنا فيرونيكا فاندلاند قولها، إن كلفة صيانة معمل واحد يومياً تناهز الـ250 ألف يورو، أي أن إبقاء المعملين في حالة جهوزية من دون استخدامها لإنتاج الطاقة يكلف يوميا قرابة الـ500 ألف يورو تصرفها الحكومة من أموال دافعي الضرائب. ورأت الخبيرة الاقتصادية فيرونيكا غريم في لقاء مع «القناة الألمانية الثانية»، أن قرار إبقاء المعامل النووية في حالة تأهب من دون استخدامها لإنتاج الكهرباء «هو أسوأ الحلول الممكنة».
أما على الصعيد السياسي، فقد انتقد زعيم المعارضة فريدريك ميرتز - الذي خلف ميركل في رئاسة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي - قرار الوزير هابيك ووصفه بـ«الجنون»، متهماً الحكومة بالقيام بالقليل للمساعدة في احتواء ارتفاع الأسعار وغياب أمن الطاقة. ويدعو ميرتز منذ أشهر إلى تمديد العمل بالمعامل النووية والتخلي عن الالتزام بمهلة نهاية العام لإغلاقها، لكن المستشار شولتس رد متهما ميركل باتخاذ قرار «إغلاق المعامل النووية ومعامل الفحم من دون إيجاد بدائل».

المستشار أولاف شولتس

جدير بالذكر، أن وزير الاقتصاد هابيك اتخذ القرار «الوسطي» هذا، أمام تزايد الضغوط السياسية عليه من المعارضة ومن داخل الحكومة. فهذا الوزير «الأخضر» الملتزم بحماية البيئة يعارض الطاقة النووية من منطلق آيديولوجي، بينما يروّج الحزب الديمقراطي الحر - الصديق لمجتمع الأعمال، والشريك الثالث في الحكومة مع الاشتراكيين و«الخضر» - منذ بداية الحرب في أوكرانيا إلى الإبقاء على المعامل النووية واستمرار إنتاج الكهرباء منها للتعويض عن كميات الكهرباء التي كانت تنتج من الغاز.
وحقاً، تتكرر دعوات وزير المالية كريستيان ليندنر، المنتمي إلى الديمقراطيين الأحرار، للإبقاء على المعامل النووية الثالثة، ولكن ليس في حالة تأهب فقط، بل في حالة نشاط كامل. ولقد قال ليندنر لصحيفة «تسودويتشه تسايتونغ» قبل يومين، إن الإبقاء على المعامل الثلاثة «يؤمّن استقراراً في الشبكة... ولا يجوز أن نكون انتقائيين كثيراً، بل علينا القبول بما يسهل حياتنا فعلياً واقتصادياً».
وعليه، بانتظار مرور أشهر الشتاء الصعبة، بدأت منذ الآن ألمانيا إعادة تقييم كامل لعهد أنجيلا ميركل، المستشارة التي أيقظت ضمير الأمة بفتحها الباب أمام اللاجئين السوريين، لكنها تواجه اليوم اتهامات بأنها أوصلت ألمانيا إلى مكان تحولت فيه فعلاً إلى «أسيرة لروسيا» كما وصفها دونالد ترمب عام 2018.
> سباق بين الأحزاب الألمانية على البدائل والأولويات
عدا عن الجدل الثائر في ألمانيا حول الطاقة النووية، عاد الجدل أيضاً حول استخدام الفحم الحجري الذي كانت ألمانيا قد تعهدت بوقف استخدامه لإنتاج الطاقة بحلول العام 2030؛ بهدف الوفاء بالتزاماتها البيئية.
بيد أن الحكومة أولاف شولتس الائتلافية أقرّت تمديد العمل ببعض معامل الفحم الحجري الأحفوري التي كان من المفترض أن تتوقف عن العمل قريباً، رغم أضرارها البيئية الكبيرة. ومع ذلك تصرّ الحكومة بأنها ستكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها البيئية.
وزراء الحزب الديمقراطي الحر داخل الحكومة الائتلافية الحالية يدعون إلى أكثر من ذلك بعد، ويريد «عميدهم» وزير المالية كريستيان ليندنر أن تناقش ألمانيا بشكل جدّي مسألة التنقيب عن الغاز بهدف تغيير القوانين التي دخلت حيز التنفيذ عام 2017، والتي تمنع ما يعرف بـ«تكسير» الصخر للوصول إلى الغاز، بسبب مخاطر بيئية. ويقول الديمقراطيون الأحرار استناداً إلى تقارير من متخصصين بيئيين، إن المخاطر التي يمكن أن تنجم عن تكسير الصخر للوصول إلى مخزون الغاز يمكن السيطرة عليها. ومن هذه المخاطر تلويث المياه الجوفية والتسبب بهزات أرضية.
في المقابل، يرفض الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الحاكم وحزب «الخضر» مجرّد الخوض في هذا النقاش. لكن الديمقراطيين الأحرار يلقون في هذا الأمر تأييداً من الديمقراطيين المسيحيين، مع أن زعيمة الديمقراطيين المسيحيين السابقة والمستشارة السابقة أنجيلا ميركل هي التي مرّرت قانون منع التنقيب عن الغاز. هذا، ويقدر خبراء أن مخزون الغاز في ألمانيا يمكن أن يكفي حاجاتها لـ5 أو 10 سنوات مقبلة، حسب نوعيته. وهذا تحديداً ما يدفع معارضي التنقيب لرفض النقاش في الفكرة. وهؤلاء يقولون، إن نوعية وجودة هذا الغاز غير معروفتين، والاختبارات التي ستجرى عليه ستستغرق سنوات وقد تتوصل إلى أنه غير صالح للاستخدام بسبب جودته المتدنية.
> حزمة مساعدات حكومية للتخفيف من المعاناة المرتقبة
مع احتدام الجدل حول سبل تعويض النقض في الغاز الروسي، والبحث عن بدائل بأسعار معقولة، تستمر الفواتير بالنسبة للمستهلكين الألمان بالارتفاع. ووفق التقارير المتداولة، أصبح العديد من الأعمال والمحال الصغيرة مهددا بالإفلاس بسبب العجز عن دفع الفواتير التي ارتفعت معدلاتها 3 أضعاف على الأقل خلال الأشهر الماضية، وتواصل ارتفاعها.
وفعلاً أقرّت الحكومة الاتحادية الألمانية حزمتَي مساعدات حتى الآن لمحاولة تخفيف العبء على المواطنين وأصحاب الأعمال، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة - في الوقت نفسه الذي يرتفع فيها التضخم ووصل إلى 8 في المائة الشهر الماضي - يعني أن هذه المساعدات لا تحدث فارقاً كبيراً. وحتى الآن لا يبدو أن الحكومة تخطط لمساعدات يمكنها تنتشل شركات مهددة بالإفلاس.


مقالات ذات صلة

أوروبا علم اليونان (رويترز)

اليونان تسعى للحصول على صور إعدام النازيين لعدد من مواطنيها

قالت اليونان إنها ستحاول الحصول على صور تظهر على ما يبدو اللحظات الأخيرة لـ200 مواطن يوناني أعدمتهم فرقة إعدام نازية في أثينا خلال الحرب العالمية الثانية.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تحليل إخباري الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا قنبلة من الحرب العالمية الثانية (أ.ف.ب)

إزالة قنبلة من الحرب العالمية الثانية زنتها نصف طن من ورشة في بلغراد

أعلنت الشرطة الصربية عن إزالة قنبلة جوية تبلغ زنتها 470 كيلوغراماً تعود إلى الحرب العالمية الثانية من ورشة بناء في وسط العاصمة بلغراد.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
أوروبا المكان المخصص في مقبرة كتابوي لعائلة فرنكو بمدينة فيرول مسقط رأس الديكتاتور (رويترز)

خمسون عاماً على رحيل فرنكو

منذ خمسين عاماً، طوت إسبانيا صفحة الجنرال فرنسيسكو فرنكو الذي قاد أطول نظام ديكتاتوري في تاريخ أوروبا الغربية الحديث

شوقي الريّس (مدريد)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.