أشعيا برلين ينقّب في جذور الرومانسية

رغم دعواته المبكرة للتعددية والتسامح فإن اسمه ما زال مغموراً عندنا

أشعيا برلين
أشعيا برلين
TT

أشعيا برلين ينقّب في جذور الرومانسية

أشعيا برلين
أشعيا برلين

كثيرة هي أسماء الفلاسفة الغربيين الذي لهم في تاريخ الأفكار موقع وأثر، وتتفاوت أهمية كل اسم تبعاً لدرجة الوعي الفكري بدور العقل في تحقيق حركات التحديث الكبرى وإحداث تحولات حضارية مهمة في حياة البشر. بيد أن من النادر أن نجد فيلسوفاً يراهن على الخيال الرومانتيكي مثلما يراهن على العقل التجريدي في بلوغ الحقائق كأن الخيال والعقل فعل واحد بلا تحجيم في النظر أو التدبر لأي منهما.
ويعد أشعيا برلين (1909 - 1997) من هؤلاء القلائل الذين تجسدت في أعمالهم هذه التعادلية بين الخيال والعقل من خلال تبني مبادئ الرومانتيكية ولا سيما دور العاطفة والأخلاق في الفكر السياسي. وإيزيا الروسي المولد والبريطاني الجنسية فيلسوف ومؤرخ اجتماعي ليبرالي درس تاريخ الأفكار قديمها وحديثها فوجد أن الفكر الإنساني يحتاج إلى إعادة تنظيم عقلاني يضع حداً للفوضى الفكرية وسيادة الخرافة والانصياع الأعمى للعقائد وحماقات الأنظمة القمعية وطيشها.
وكان اهتمام برلين بالملاحم والروايات قد أمدّه بالأفكار فتمثل كثيراً من نصوص الشعراء والروائيين وتولستوي في مقدمتهم، يقول: «حين كنت شاباً قرأت رواية (الحرب والسلم) وكانت تلك قراءة مبكرة للغاية لم يظهر التأثير الفعلي لهذه الرواية علي إلا لاحقاً». وكان شديد البحث عن المقولات التي تخدم توجهاته، كمقولة هيراقليطس «لا يمكن للمياه أن تتوقف عن الجريان»، ومقولة إيمانوئيل كانت «من نسيج الإنسان الفاسد لم يصنع أي شيء مستقيم أبداً»، ومقولة شيلر «الأملود الأعوج»، ومقولة هيردر «إن لكل مجتمع مركز ثقل خاصاً به»، وكذا الحال مع آخرين كأفلاطون وأرسطو وديكارت وفيكو وفيتشه وفولتير وفرويد.
وعلى الرغم مما في آرائه من أهمية تصب في صميم تطلعاتنا وتلائم مرحلتنا الراهنة من قبيل القول بالكوزموبوليتانية والتعددية والتسامح والتنوع الثقافي، فإن اسمه ما زال مغموراً عندنا وقلّما نهتم بنتاجه والتمثل بآرائه. وليس أدل على ذلك الاضطراب العجيب في ترجمة كتبه إلى اللغة العربية حتى إنك لتجد نفس الموضوعات متكررة في كتابين أو ثلاثة، ولكل واحد منها عنوان مختلف، فضلاً عن الاختلاف غير المبرر في ترجمة اسمه «Isaiah Berlin» ما بين (أشعيا وإيزايا وإيزيا وإيسيا وأزيا، وبرلن وبرلين وبيرلن).
إن ما يجعل لهذا الفيلسوف مكانة خاصة في تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة أمران مهمان: الأول حماسته منقطعة النظير للرومانتيكية. وهي في نظره ليست مجرد مذهب أدبي أو حركة تنويرية نشأت في القرن الثامن عشر وألهمت منظّري الحركات الأدبية ومؤرخي الفلسفة كثيراً من الرؤى والنظريات ثم ذوت مع ظهور الواقعية، بل هي حركة تصلح لكل زمان ومكان وهي التي «أحدثت تحولاً هائلاً وجذرياً لم يعد بعده شيء كما كان سابقاً»، نظراً لما فيها من ديمومة تتضاد مع العقلانية ولكونها ثورة دائمة التجدد على كل ما هو تقليدي واتّباعي.
وكثيرة هي الأسس الرومانتيكية التي عليها بنى برلين تصوراته الفكرية، منها أن اللاعقلانية آلية من آليات التفكير، والعقل الذي نمجده مجرد «دمية محشوّة، منحتها الخرافة الصارخة واللاعقلانية صفات الألوهية» ومنها أن المعايير القابلة للبرهنة لم تعد طريقاً للوصول إلى الحقائق، بل إن للمفاجئ والبدائي والنائي أن يكون طريقاً للمعرفة والتوق إلى اللانهائية وتمجيد الإرادة في الثورة ضد خرافة العالم المثالي.
ومع إيمانه بأن الحقيقة أجمل شيء في العالم بأسره، غير أن للأخلاق أهمية أكبر، من هنا احتلت القيم الأخلاقية المركز في توجهاته الرومانتيكية وبسببها صار يُعرف بفيلسوف القيم الذي استقرأ تاريخ البشرية فوجد من الضروري الدعوة إلى نظام عالمي جديد وجد إرهاصاته في أعمال الروائيين هكسلي وأوريل، وهذا الأمر يجعله سباقاً في الدخول إلى المرحلة ما بعد الأنوارية الرافضة للأناركية أو الفوضوية.
وبسبب نزعته الأخلاقية، بدا برلين واثقاً أولاً من أفول الأفكار الطوباوية في السعي وراء المثل الأعلى داخل العالم الغربي، ومتشائماً ثانياً مما يراه في العالم المعاصر من نزعات قومية وعواصف آيديولوجية وحكومات استبدادية ونزعات شوفينية وتمييز عنصري وتعصب ديني.
وهو متأثر في نزوعه الرومانتيكي هذا بالفيلسوف الإيطالي جيمامباتيستا فيكو (1668 - 1744) تأثراً كبيراً في وقت لم يكن أحد في جامعة أكسفورد -كما يذكر برلين- قد سمع بفيكو سوى كوليغوود الذي ترجم له كتاب «كروس» وحضه على قراءته. وبالفعل قرأه وأعجبته أفكاره لا سيما فكرة تعاقب الحضارات البشرية. وإذا كان جوهان غوتلب فيتشه هو الأب الروحي للرومانتيكية فإن فيكو في نظر برلين هو الأب الحقيقي لمفهوم الثقافة الحديثة والتعددية الثقافية التي تقرّ أن لكل ثقافة أصيلة رؤية تنفرد بها، وهو الذي لم يفترض أن البشر منغلقون على عصورهم أو ثقافاتهم معزولون في صناديق لا نوافذ لها. وهذه النظرة الانفتاحية التي دشنها فيكو في كتابه «العلم الجديد» سابقة لما أرساه علماء الاجتماع الأنثربولوجيون فيما بعد حول أساطير وسلوكيات المجتمعات البدائية فلم يروها هراء أو بربرية، بل ذهبوا إلى أن أقدم القبائل البدائية كان عندها الخيال قوياً مثلما هي قدراتها العقلية.
وكما تأثر إدوارد سعيد بفيكو في التنظير لما بعد الكولونيالية كذلك تأثر برلين بفيكو في القول بالتعددية والانفتاح والاندماج وهو ما جعله يضيف إلى علم الأخلاق كثيراً من الرؤى الجديدة، وهو القائل: «أمضيت أربعين عاماً من عمري في محاولة أن أقول شيئاً عمّا أقحمني في هذا الشأن خصوصاً عن نقطة تحول نجم عنها تغير حاسم في أفكاري».
إن النقطة الحاسمة في تأثر برلين بفيكو تنبع من هذا التلاقي بين الخيال الرومانتيكي والتفكير العقلي التجريدي. وبسبب ذلك صار برلين مفكراً كوزموبوليتانياً، وشرح الأمر كالآتي: «فكرة أنك تستطيع أن تفهم البشر الآخرين فقط من خلال بيئتهم التي تختلف كثيراً عن بيئتك هذا هو أصل فكرة الانتماء، لهذا السبب كانت فكرة إنسان كوزموبوليتاني يشعر بالانتماء في باريس كما يشعر به في كوبنهاغن أو آيسلندا أو الهند».
ولأن الخيال الخصب المتنوع هو قطب رحى الحركة الرومانتيكية في الفن والفلسفة، ذهب إلى أن الحقيقة ليست واحدة أو لا تتجزأ -كما يرى الفكر الغربي- بل هي قابلة للنقد. ومن هنا آمن بأن للفنتازيا أهمية لا غنى عنها في فهم المعرفة التاريخية، منطلقاً من إيمان صميم بالترابط الوثيق بين فلسفة الأفكار وجماليات الفن ودورها في توجيه النشاط الإنساني، مؤكداً أن التكامل في النظرة الشمولية للفن لا يأتي إلا من التلاقي الخالص والحتمي ببين الفلسفة والفن.
الأمر الثاني في أطروحة الفيلسوف برلين، يتمثل في توجيه نزعته الرومانتيكية توجيهاً قصدياً باتجاه معارضة الماركسية. وإذا كنا نضع في كفة واحدة كل ما تقدم من تأثر برلين بالرومانتيكية كحركة تنويرية وبفيكو كمفكر تعددي، فإن الكفة الأخرى التي تعادلها تتمثل في موقف برلين من كارل ماركس ونقده اللاذع له. وأول ذلك هجومه الصارم عليه بوصفه كارهاً للرومانتيكية والأكثر عداءً للعاطفة، يحب القتال في جميع الجبهات، يرى تاريخ المجتمع هو تاريخ النضال بين طبقات يناوئ بعضها بعضاً ولا بد أن تخرج إحداها منه منتصرة وهي دوماً طبقة البروليتاريا.
وتتبع طفولة ماركس ومراهقته وتنقلاته فوجده مفكراً «كانت تعوزه تماماً صفات القائد أو الزعيم الشعبي العظيم وهو لم يكن داعية عبقرياً مثل الديمقراطي الروسي إسكندر هوزن، ولم تكن لديه بلاغة بامونين العجيبة... فلم يكن معروفاً لدى عامة الناس»، (كتابه: كارل ماركس، ترجمة عبد الكريم أحمد، دار القلم، القاهرة، ص2).
ويتجلى حنقه على ماركس أكثر حين يدخل إلى تفاصيل فلسفته من ناحية أنه تكلم باسم قانون الطبيعة لا باسم البشر وأن هدفه كشف الحقيقة ودحض الأباطيل قبل كل شيء. وأنه كرس حياته لوضع الخطط التي تكفل انتصار الذين وضع نفسه على رأسهم وهو انتصار كان التطور التاريخي -كما يرى برلين- كفيلاً بأن يحققه على أي حال.
أما لماذا صار ماركس رائداً لجيله؟ فلاعتقاده الصارم بضرورة قطع كل صلة بالماضي من أجل إقامة نظام اجتماعي جديد لما بدا لماركس أيضاً من «أن المشاعر الإنسانية المخلصة ستار تترعرع خلفه بذور الضعف والخيانة بعيداً عن الأنظار نتيجة للرغبة في الوصول إلى حل وسط مع الرجعية... يقوم على الخوف من الحقيقة»، (الكتاب، ص 10).
وكثيرة هي مواطن سخرية برلين من ماركس، فالمدة التي قضاها ماركس مثلاً في مكتبة المتحف البريطاني بلندن -وخلالها لم يقابل إلا قلة من الإنجليز فلم يفهم أسلوبهم في الحياة- لا تختلف عن المدة التي يمكن له أن يقضيها في أي مدينة أخرى مثل مدغشقر شرط أن يجد فيها الكتب والجرائد. كما سخر من ماركس وهو يستشهد بحادثة جرت عام 1843 فيها دخل ماركس -وكان محرراً لجريدة راديكالية- في مشادة حول موضوع اقتصادي كان فيه جاهلاً جهلاً تاماً بمبادئ النمو الاقتصادي وتاريخه ثم قام بتعليم نفسه ليظهر عام 1848 كمفكر سياسي واقتصادي يضع نظرية اقتصادية كاملة عن المجتمع وتطوره معبراً بتعالٍ عن أنه سيعطي كل ذي حق حقه. ولإيمان برلين بأن الأشياء لا يمكن أن توصف دون الرجوع إلى أهداف صانعيها، وجد أن كثيراً من المبادئ التي جاء بها ماركس هي ببساطة غصب لأفكار فلاسفة سابقين، ذلك أن القرن الثامن عشر لم يكن مجدباً من مثل هذه المبادئ، وكل الذي فعله ماركس وصار بسببه مشهوراً هو أنه أعطى أجوبة صريحة مألوفة لأسئلة كانت تشغل أذهان الناس في ذلك العهد.
ومن المبادئ المغصوبة (المادية الجدلية) ووجدها برلين بصورتها الكاملة في رسالة كتبها هولباخ قبل ماركس بقرن وكان فيها مديناً بالكثير لسبينوزا ثم أعاد فيورباخ كتابتها بصورة معدلة في عهد ماركس نفسه. ومنها مقولة «التاريخ البشري هو تاريخ الصراع بين الطبقات الاجتماعية» التي تعود لسان سيمون، وأول من قال بحتمية وقوع الأزمات الاقتصادية هو سيسموندي، وأن نظرية القيمة تعود إلى لوك وآدم سمث، ونظرية الاستغلال وفائض القيمة تعود إلى فوربيه وهودجسكين. وتابع برلين قائلاً: «وإنه لمن السهولة بمكان أن نستمر في هذه القائمة إلى أبعد من ذلك»، (ص 12). إن الإخلاص الذي تجمّل به إيزايا برلين تجاه الرومانتيكية جعله متحزباً لها ومتعصباً لمبادئها، ملغياً كل ما سواها من النزعات والحركات المذهبية التي قبلها والتي بعدها. ومن ثم بدا متطرفاً وهو يحاكم ماركس بمقصلة العاطفة ويضعه بين مطرقة الخيال وسندان العقل. ويبقى الأهم من ذلك نظام الأخلاق الذي فيه وجد برلين للقيم مكاناً رئيسياً، به تتوافق حياة البشر.


مقالات ذات صلة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)
كتب من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن.

شرف الدين ماجدولين
كتب اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس

«الشرق الأوسط» (دمشق)

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء
TT

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن وتبدلت عتباتها. لذا تعيش بعض الأحياء بتحولاتها، وكأنما هي أنوية مدن تحيا في أعطاف مدينة «أم». وحين تتبدل تقاسيم المدن أو تشيخ، وعندما يطرأ عليها غرباء، أو يمر بها غزاة عابرون، تفقد الكثير من معالمها ومفرداتها وسمات أهلها، تطفو تدريجياً على السطح كتل وامتدادات شائهة، وأحياناً تتحول إلى هياكل، لكنها تتشبث بتسمياتها وبألقابها وما يتعارف الناس به عليها. وحتى حين تسلب عناوينها الأولى، ولو لحين من الدهر، فإنها لا تلبث أن تستعيدها، في مقاطع أغنيات وأبيات شعر وصور أفلام قديمة، وفي ملامح أبطال يقتنصون تفاصيلها في فصول روايات خالدة.

من داخل حي «مونمارتر» (Montmartre)، حيث تمترس ثوار كمونة باريس، وطالب إميل زولا في «الأسبوع الدامي» بهدمه على رؤوس «المتمردين السفلة»، نشأت إحدى أكثر المعالم العمرانية احتضاناً للأساطير الباريسية، ذلك ما دعا الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو Olivier Renault المختص في إعداد تصانيف عن الأحياء التاريخية لعاصمة الأنوار إلى إصدار كتاب بعنوان «مونمارتر: أمكنة الأساطير» (Montmartre: Les lieux de légende) (منشورات باريغرام، باريس، 2026)، لتأريخ محال ودور وأزقة وساحات وبارات ومطاعم ومراسم، سكنت مجازات الشعر والرواية ومشاهد المسرح والسينما ولوحات كبار الانطباعيين ممن صنعوا عنفوان الفن الحديث والمعاصر.

يتقدم الكتاب لقارئه بتواضع مخاتل، دونما ادعاءات معرفية كبرى، قصاراه سرد حكاية فضاء أليف وخالب للأذهان، فبدا مزيجاً من «سيرة الفضاء» و«المونوغرافيا الفنية» و«الدليل التاريخي المصور»، إلا أنه يفلح في تقديم قصة نشأة حي كان عبارة عن قرية تقع خارج حدود باريس الإدارية، تميزت بتلتها المطلة على المدينة، ومزارع الكروم، والطواحين، وبيوت العمال والمزارعين البسطاء. قبل أن تعيد مخططات «البارون هوسمان»، قائد ثورة التحديث العمراني في باريس، على عهد نابليون الثالث، إلحاق هضبة «مونمارتر» الواقعة في الحزام الهامشي، الآهل بالشطار والخارجين عن القانون، بباريس، لتصبح الدائرة الثامنة عشرة. وموطن المواقع التي صنعت قسطاً غير يسير من أسطورة باريس: «فيلا الفنون، وشارع هيجيسيب مورو، وشارع ليبيك، أمام محترف فان غوخ، ومحل كورتلين في شارع أورشامب، ومحترف براك في شارع سيمون ديرور. إننا لا نعرف دائماً أننا نمر أمام عناوين رسم فيها، أو كتب، أو غنى، أو أحبّ فيها كل من: بيكاسو، وبونار، وباسكين، وكاركو، وموديغلياني، وبروان، وماكس غاكوب، ومارسيل إيميه، وريفيردي، وسيلين» (ص 12).

وعبر فصلين كبيرين يحمل أولهما عنوان «جادة كليشي وروافده»، والثاني وسم «هضبة مونمارتر»، يقوم الكتاب باستنطاق الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها، من كُتَّاب ورسامين، وأناس عاشوا في الظل أيضاً: من مثل تجار الأصباغ الذين يصبح أحدهم فجأةً صاحب رواق فني، أو أصحاب المطاعم والحانات ممن يمحو بعضهم بكرم ديون عباقرة تضوروا جوعاً زمناً ما. وسرعان ما تتجلى مباحث الفصلين وفقراتهما المؤثثة باللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية لأبنية وشخصيات وشوارع وحدائق من أزمنة شتى، حيزاً لاستحضار أسماء رمزية، قادت الكاتب تدريجياً إلى الحديث عن الحركات التي انتسبوا إليها، من الانطباعية، وجماعة الأنبياء، إلى التكعيبية والسوريالية والمستقبلية... علامات فارقة في تاريخ الفن وتاريخ باريس على حد سواء.

الشيء الأكيد أن سيرة «مونمارتر»، كما سعى لنسج معالمها أوليفيي رونو، تقصدت تجميع التراث المجازي والحسي للحيز المديني المؤلف بين السحر والقسوة، والوقوف عند عتبات تكون الأسطوريات الحية، من المفردات إلى الوصفات الحياتية، ومن الأطباق والروائح إلى الجدران المحيطة بمواطن السهر: «لم يكن الأمر مجرد أسطورة؛ فمن فان غوخ إلى أوتريلو، كان هذا الحي حقاً، وأكثر من أي حي آخر، معقل البوهيمية. وعلى هذه المرتفعات، التقى جيلان أو ثلاثة من الفنانين والكتاب الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً. وفي هذه الكوكبة اللامعة، يرى البعض اليوم أن أعمالهم كانت لتدر عليهم الملايين، غير أن بداياتهم - وأحياناً نهاياتهم - كانت صعبة في الغالب، تغرق في العوز أو الفقر المدقع. وإذا كان ديغا أو بونار لم يعرفا الجوع قط، فإن آخرين، مثل ماكس غاكوب أو ريفيردي أو فان دونغن، قد ذاقوا مرارته حقاً في هذا الحي» (ص 13).

يستنطق الكتاب الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها من كُتَّاب ورسامين وأناس عاشوا في الظل أيضاً

إنها المنطلقات التي مكّنت مونمارتر، كما تؤكد محاور الكتاب، من أن ينتزع لقباً لا يخلو من حس غرائبي، هو «عاصمة باريس». الذي يحيل على ما اكتنزه المحيط العمراني من ملاذ حسي وذهني، حيث كان صخب المقاهي والملاهي الليلية يتصادى مع الاختراق التشكيلّي والموسيقي والمسرحي والشعري. بالقدر ذاته التي كان الحي فيه أيضاً ذاكرة كبرى للألم، أرخت لعذابات المرض والجوع والإدمان لعشرات الأسماء الشهيرة التي صنعت مجده، كانت إيجارات البيوت فيه منخفضة، واستطاع الفنانون المفلسون تحمل تكلفة محترف مختصر، في «باتو لافوار» مثلاً، أو في شارع «كورتو»، وتمكن الكتاب، ممن لا يملكون قوت يومهم، من العثور على غرف علوية ضيقة، أو زوايا صغيرة في الأفنية الخلفية للمنازل. وكان الحي أيضاً موطن النبيذ الرخيص، والطعام الذي قد يدفع حسابه الآخرون، وكان أصحاب المطاعم، من مثل «الأرنب» أو «الشاليه» يمنحون الفنانين من ذوي العوز المزمن (وهم الغالبية) وجبات مؤجلة الدفع دوماً.

تدريجياً يتحول الكتاب إلى شبه سيرة لحي في مواجهة بقية باريس، وفي مقابل حي بذاته هو «مونبارناس» فقد كان مونمارتر موطن الخلق والشطح التخييلي، في مواجهة العقلانية والسطوع البراغماتي لأحياء النخبة الأخرى، وظل كذلك حتى الحرب العالمية الأولى. وحين فرض «مونبارناس» نفسه مركزاً جديداً للإبداع التشكيلي والشعري والمسرحي والروائي... هجر الشعراء والفنانون تلّة مونمارتر تدريجياً، ولم يسلك الطريق المعاكس سوى قلة من السرياليين الذين كان معظمهم يمقتون الياقات البيضاء.

ليس من شك أن للمدن صلات رمزية بتحولات أسمائها، ليس فقط في ذاكرة الناس، وما تتوسله من تآويل حقيقية أو ملفقة، وإنما أساساً في لغة الأدب والفن، ومهما تعددت التحويرات والاختزالات لتلك الأسماء فإنها تبقى متصلة بالأصل الأوحد، الذي يعنيها في البدء والمنتهى. باريس هي جماع تفاصيل كبرى تمتد من «موبرناس» إلى «سان ميشيل» ومن «الحي اللاتيني» إلى «بير لاشيز»، ومن «الشانزيليزي» إلى «مونمارتر»...، وقد تتلاشى المدن وتبقى تسمياتها المعجونة بالنكهات والألوان والحرارة والماء والرقصات وطعم الكلام، في صدى الداخل العميق؛ إذ هي جزء من صناعة القدر الشقي أو السعيد الذي نسائله يومياً، لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بحق هو فن تحويل المجال إلى رواية، هو تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية بمحيطها كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنياً. ولن يستطيع السارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونما إعادة تركيب وتوليف وتصرف في ملامح المدن التي استوعبت نزقها وتقلباتها، وبغير ما قيمة مضافة تجسر المسافة بين الذات ومنبتها. هكذا تروي سير الأحياء لعنات مسترسلة وبركات ضائعة، قد تقول ما كان، أو ما راود أحلام ساكنتها وصانعي فتنتها، وقد تُكتب مواساة للذات عن فقدان مراتع الطفولة واليفاعة، أو تطهراً من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بأحياء عتيقة، وقد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والشرفات والمباني والوجوه بالأبيض والأسود.


اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً
TT

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور بين مستويات نفسية وفانتازية وجسدية معقدة تخص بطله «سلامة»، الذي تبدو أزمته الشخصية بوابة لكثير من التساؤلات حول الوحدة، والغرابة، والتسليم، وحدود الجسد والهوية، بل حدود ما يمكن للعقل نفسه أن يصدقه أو يحتمله.

تُحيل الرواية الصادرة عن دار «المحروسة» بالقاهرة، لبنية العالمين الاجتماعي والداخلي لـ«سلامة»، بوصفهما وجهين للاغتراب نفسه، فالعزلة النفسية التي يعيشها البطل الأربعيني الأعزب، الموظف في بنك حكومي، تجد طريقها إلى أسلوب حياته الصارم، بما في ذلك كراهيته للإجازات، وتجنبه المواصلات العامة، ونفوره من المقاهي والاختلاط بصوره كافة، ضمن محاولاته الدائمة للسيطرة على عالمه المحيط الذي يشعر داخله بالتهديد والارتباك، لتصبح حياته «يوماً وحيداً مُتكرراً منذ سنوات».

في المقابل، يسلط السرد الضوء على مدى استغراق «سلامة» في أحلام يقظته، وتأثره الكامل بشاشة «التلفزيون»؛ يستقي منها المعرفة والبهجة، حتى تصوراته الانهزامية عن الحب: «لم يرَ «سلامة» رجلاً فقيراً أسود يحب ويتزوج على شاشة التلفزيون»، وهي مرجعية يكشف السرد عن أن «سلامة» يتبناها بصورة لا واعية ضمن تسليمه الكامل بمرجعية «الشاشة»، على نحوٍ تُلخصّه العبارة الدالة: «كان يولّي وجهه للتلفزيون، وظهره إلى العالم».

أرضية نفسية

من هذا العالم المُشبّع بالخيالات البديلة، يبدأ السرد في زحزحة الواقع نفسه، فلا يندفع عبد النبي نحو «الغرائبي» قبل أن يهيئ له أرضيته النفسية، عبر شخصية اعتادت العيش بين الواقع وظلاله المتخيلة، وهكذا يفتح الباب أمام ظهور كائن غامض يُطلق عليه السرد اسم «شيء»، يُراقب «سلامة» ويحدِّثه ويناديه باسمه من داخل جسده، رغم تركيبته النافرة أصلاً من الآخر الغريب.

وتنهض هذه المفارقة على خلق مستويات متداخلة من الدهشة، إذ يمهد السرد تدريجياً لصوت أو «شيء» يسمعه «سلامة» من داخله، قبل أن يفجّر مفاجأة استشعاره لحالات تشبه «غثيان» الحمل، ليضع القارئ بدوره داخل منطقة ملتبسة تتداخل فيها حدود النفسي والبيولوجي، والواقعي والمتخيَّل: «استعاد رعبه كاملاً إزاء هذا الصوت الداخلي الأخرس الذي يُخبره بأن روحاً حيّة تسكن بداخله الآن، روحاً أخرى غير تلك التي خرج بها من بطن أمه».

غير أن الرواية لا تتعامل مع هذا الـ«شيء» بوصفه مفارقة غرائبية أو حدثاً فانتازياً، بقدر ما تجعله أداة لتفكيك الحدود المستقرة بين النفسي والبيولوجي والهُوية الجسدية، وبين ما ينتمي إلى الداخل وما يُفترض أنه يأتي من الخارج، بحيث يتحوّل الالتباس نفسه إلى أحد المحركات الأساسية للرواية.

خيال تعويضي

يُعزز عبد النبي من تأثير التاريخ الشخصي والعائلي لبطله «سلامة»، عبر استدعاء ذكرياته الممتدة مع التنمر عليه بوصفه «محدود القدرات العقلية»، وصولاً إلى دلالة اسمه نفسه، المستمد من أحد أبطال السيرة الهلالية، ليكشف السرد عن تعلّق والده الراحل بمِخيال تلك السيرة القائم على البطولة والفروسية، إلى الحد الذي يدفعه إلى إطلاق أسماء أبطالها على أبنائه كنوع من التقمص الوجداني والدرامي لعالمها والتيمّن ببطولاتها.

يبدو ثمة خيط خفي يربط الأب بابنه؛ فكلاهما يلجأ، بطريقته، إلى مِخيال بديل يعوّض تهميشه في الواقع، ولا يتوقف هذا الميل إلى تجاوز الواقع عند السيرة الشعبية أو أحلام اليقظة، بل يمتد إلى علاقة «سلامة» بالصورة الفوتوغرافية نفسها، بوصفها مساحة قابلة لإعادة التخييل، مما يكشف عن مهارات «سلامة» الاستثنائية في تسييل الحدود بين الواقع والصورة والذكرى، ليُعيد معايشة لحظات لم يعد الواقع قادراً على استعادتها.

بعد ظهور «شيء»، بما يفرضه من فانتازيا ومفارقات هزلية، ومساءلة الجسد نفسه، ومع تصاعد حضوره كشخصية تُقاسم «سلامة» البطولة، لا يعود السؤال متعلقاً بوجوده من عدمه، بقدر ما يصبح متعلقاً بطبيعة هذا الوجود نفسه؛ هل هو امتداد لوعي «سلامة» أم كيان مستقل عنه؟ لا سيما أن السرد لا يتوقف عند تقديمه بوصفه مجرد عرَض غرائبي، بل يدفع السرد باستمرار لمنح «شيء» ملامح شخصية روائية مُحكمة.

علاقة جنينية

كما يستثمر عبد النبي الآصرة البيولوجية بين الأم وجنينها في بناء عدد من المشاهد الهزلية والغرائبية التي تمنح «شيء» حضوراً متزايداً داخل الرواية، فالكائن لا يكتفي بمشاركة «سلامة» جسده، بل يبدو متأثراً بما يتناوله من طعام أو ما يستنشقه من دخان، كأن السرد يعيد تخيّل «العلاقة الجنينية» بكل ما تنطوي عليه من اعتماد وتشارك حسّي، وهي مشاهد تسهم في ترسيخ «شيء» بوصفه وجوداً حياً يتفاعل مع العالم. فلا يتعامل الكاتب معه بوصفه ظلاً لشخصية البطل، بل يعمل تدريجياً على منحه وجوده الخاص؛ فهو يمتلك مساراً للنمو، ووعياً يتسع بمرور الوقت، وقدرة على الحوار والتعليق وإبداء الرأي، بل تكوين علاقة خاصة بالعالم، وكما تشير الرواية إلى تطوره الجسدي عبر إحالات مرتبطة بعمر الجنين، فإنها تمنحه في الوقت نفسه معرفة وخبرة لا تتناسبان مع حداثة وجوده البيولوجي، بما يجعله يتجاوز موقع «المخلوق» أو «التابع» ليقترب من موقع الشريك السردي الكامل.

ويتمثل أحد أبرز تحديات السرد في بناء سياق لغوي يتجاوز ثنائية «المونولوغ» و«الديالوغ» معاً، ليؤسس علاقة لغوية ثالثة بين «سلامة» و«شيء» الذي يسكنه، يُطلِق عليها السرد أحياناً «التخاطر»، فيما تبدو أقرب إلى منطقة ذهنية مشتركة تتسع بتطوّر العلاقة بين الطرفين، وتكتسب تدريجياً ذاكرتها وقاموسها الخاص، كأن الرواية تجعل اللغة نفسها جزءاً من فعل الخلق، بحيث يتشكّل الكائن ولغته وعلاقته بالعالم بالتوازي، إلى أن يصبح «شيء» قطباً موازياً لـ«سلامة» داخل البنية السردية، فيتبادلان الحديث البدائي بدايةً من «صباح الخير» وصولاً إلى أسئلة وجودية معقدة مثل: «هل أنت سعيد يا سلامة».

تعزيزاً لهذا الحضور المُتنامي، يبدو «شيء» مطَّلعاً على أدق تفاصيل «سلامة» الداخلية؛ أحلامه، وهواجسه، وتطلعاته المكبوتة تجاه الأنثى والجنس، كما يمتلك معرفة تتجاوز خبرته المباشرة بالعالم، بما يمنحه حضوراً يتجاوز مجرد الكائن البيولوجي أو الصوت النفسي، ليقترب أحياناً من كيان ماورائي قادر على قراءة الداخل الإنساني.

يضاعف السرد من اتساع «شيء» ككيان روائي عبر الجمع بين الطابع الماورائي لحضوره، والإيحاء بقدرات عقلية ومعرفية تتجاوز شروط وجوده البيولوجي، ففي أحد المشاهد يُحدّث «شيء» صاحبه «سلامة» عن أنواع نادرة من الفراشات، في مفارقة لافتة بين «العقل المحدود» الذي ظلّ «سلامة» يُوصم به طوال حياته، ووعي يبدو أكثر اتساعاً وتعقيداً للكائن الذي يتخلّق من داخله.


وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»
TT

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس، مختتماً بها ‏رباعيته الأندلسية بعد أعماله «صقر قريش» بجزأيه، و«مواعيد ‌‏قرطبة»، و«خريف إشبيلية»، التي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي.

وتتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في ‏الأندلس، من خلال استعادة السنوات الأخيرة من حكم بني ‏نصر ‏في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏في لحظة تاريخية أنهت ثمانية قرون من الحضور ‏العربي في ‏شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة، ‏يقول فيه على لسان بطله: «مواطئ أقدام العامة خيرٌ من ‏مجلس ‏السلطان»، في إشارة إلى التحول القاسي من سلطان كان يحكم ‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين.

ويعيد وليد سيف في الرواية تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد ‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن ‏الصورة ‏التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس، فالرواية ‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي.

ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم ‏المسؤولية التاريخية، ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي علقت ‌‏بذاكرة سقوط غرناطة، ومنها المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: «ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال»، ‏إذ ‏ينفي بطل الرواية صحتها، مقدماً والدته بوصفها شخصية ‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته.

وتمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ ‏يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي ‌‏وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف.

تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في ‏غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام، في مقابل ‌‏حضور قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بعده الإنساني، يقدم من خلالها الكاتب مدينة غرناطة ‌‏عالماً كاملاً يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، ‏وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا ‌‏القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي ‏يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع، هدفه توحيد إسبانيا تحت ‌‏سلطتها وطرد العرب واليهود منها. وفي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار ‌‏وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع. ويبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، ‏إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، ‌‏في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل ‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب ‌‏وانقسامهم.

رواية «غرناطة.. آخر الأيام» صدرت عن «الأهلية للنشر والتوزيع» في الأردن، وتقع في 565 ‌‏صفحة من القطع المتوسط.