مسعى حوثي لإحلال 1200 معمم خلفاً للقضاة الشرعيين

مقاتلون تابعون للحوثيين في أحد تجمعات الجماعة في صنعاء (رويترز)
مقاتلون تابعون للحوثيين في أحد تجمعات الجماعة في صنعاء (رويترز)
TT

مسعى حوثي لإحلال 1200 معمم خلفاً للقضاة الشرعيين

مقاتلون تابعون للحوثيين في أحد تجمعات الجماعة في صنعاء (رويترز)
مقاتلون تابعون للحوثيين في أحد تجمعات الجماعة في صنعاء (رويترز)

بعد تشكيل الميليشيات الحوثية في اليمن محاكم تفتيش للعاملين في سلك القضاء، وإحالة عشرات منهم إلى التحقيق؛ اختطفت قاضياً في محافظة ريمة حديثا، واعتدت على آخر بمحافظة إب وسجنته ونكَّلت به، في ممارسات تقول مصادر قضائية إنها تأتي ضمن مخطط «تحويث» القضاء وإحلال أكثر من 1200 من أتباعها الذين تسميهم «القضاة المؤمنين» بدلاً عن القضاة الشرعيين.
وبحسب المصادر، اختطفت ميليشيا الحوثي في محافظة ريمة (200 كيلومتر جنوب غربي صنعاء)، القاضي خالد أحمد سعد حنتوس، رئيس قلم توثيق في إحدى محاكم محافظة ريمة، وأودعته أحد سجونها بتوجيهات من القيادي الحوثي منصور الحكمي، المعين من الميليشيات مديراً لمديرية السلفية.
وفي محافظة إب، اعتدت الميليشيات على رئيس محكمة الحُشا الابتدائية القاضي شمس الدين محمد ناجي المليكي، في مدينة القاعدة بمديرية ذي السفال على بعد 225 كيلومتراً جنوب العاصمة صنعاء، وزجت به سجن إدارة أمن المديرية، بعد نهب ما بحوزته، وتعمد إهانته على خلفية شكوى تقدم بها أحد خصومه.
واستدعت إدارة أمن مدينة القاعدة القاضي المليكي، بعد الشكوى المقدمة ضده، وهو ما قابله القاضي بالامتثال، وبمجرد وصوله أحاطت به عناصر الميليشيا المسيطرة على إدارة الأمن، وأقدمت على نهب متعلقاته الشخصية، والاعتداء عليه وجرَّه إلى السجن، على مرأى من المواطنين الموجودين في المكان.
وحتى كتابة هذه القصة؛ يتعرض القاضي المليكي، برغم الإفراج عنه بتدخل من نيابة ذي السفال؛ لضغوط من قيادات حوثية في إدارة الأمن والمنطقة، لإجباره على الاعتراف بحق خصمه الفار من العدالة، وتقديم تنازل في القضية لصالحه خصومه.
ويقول مصدر قضائي في العاصمة صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، إن ما حدث للقاضي المليكي لا يمكن أن يُعزى إلى غطرسة عناصر الميليشيا المسيطرة على إدارة أمن ذي السفال؛ بقدر ما هو سلوك ممنهج من الميليشيا يهدف إلى إهانة القضاء والعاملين في سلك القضاء غير الخاضعين لسلطتها، لدفعهم إلى الخضوع أو الاستقالة. وأشار المسؤول الذي تحفظ عن ذكر اسمه لوجوده في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية؛ إلى أن هذا الاعتداء على القاضي المليكي ليس الأول من نوعه، ولن يكون الأخير، في ظل رغبة واندفاع الميليشيات إلى تجريف القضاء والسيطرة عليه.
ويذكر المصدر حادثة وقعت حديثاً في صنعاء، عندما استدعت إحدى النيابات القيادي الحوثي عبد الله النُصاري المقرب من محمد علي الحوثي ابن عم زعيم الميليشيات، للتحقيق معه بعد اعتدائه على حرمة منزل أحد المواطنين وترويع النساء والأطفال، في غياب رب المنزل وأبنائه الذكور؛ فأقدم النصاري على اقتحام منزل عضو النيابة الذي كتب الاستدعاء رفقة مسلحيه، وهدده بالقتل.
وأصدر القيادي محمد علي الحوثي مؤخراً قراراً بإيقاف 70 قاضياً وعضو نيابة عن العمل تمهيداً لمحاكمتهم، بناء على تقارير لجان المراقبة والتفتيش التي شكلها في يونيو (حزيران) الماضي.
وعيّن محمد علي الحوثي نفسه على رأس كيان موازٍ لمؤسسة القضاء في مناطق سيطرة الميليشيات، مطلقاً عليه اسم «المنظومة العدلية»، للسيطرة على المحاكم والقضاة وأمناء السر وموثِّقي عقود البيع والشراء، لتوسيع النفوذ على قطاع العقارات الذي يدر عائدات سنوية ضخمة، وإحلال العناصر الحوثية بدلاً عن القضاة الشرعيين.
وكشف مسؤول قضائي لـ«الشرق الأوسط» عن اعتزام الميليشيات إحلال أكثر من 1200 من أنصارها والمنتمين إليها في مواقع قضائية متعددة المستويات والمهام داخل المحاكم والنيابات والهيئات القضائية، أغلبهم من صغار السن وعديمي التأهيل والخبرة، موضحاً أن كافة الإجراءات المتبعة مؤخراً تهدف إلى إزاحة القضاة وأعضاء النيابات الشرعيين لإحلال أتباع الميليشيا في مواقعهم.
وبحسب المسؤول القضائي الذي يتحفظ عن ذكر اسمه حفاظاً على سلامته؛ فإن قائمة أنصار الميليشيات التي ترغب في إحلالها داخل مؤسسات القضاء يتم التعارف عليها في أوساط الميليشيات بـ«القضاة المؤمنين».
ويروي المسؤول القضائي سلسلة الإجراءات التي اتبعتها الميليشيات الحوثية منذ 7 سنوات لإفراغ القضاء من مضمونه بدافع السيطرة عليه، وذلك بدءاً بتشكيل مجلس القضاء الأعلى بصيغة ضعيفة ومن قضاة تابعين ومأمورين، تمهيداً لحملة إعلامية منظمة، شارك فيها مختلف قيادات جماعة الحوثي ومرجعياتها الطائفية، استهدفت مؤسسة القضاء وأفرادها.
ويؤكد أنه بهذه التعيينات والممارسات تم إفقاد المجتمع الثقة في القضاء وإسقاط هيبته ومكانته، وجرت تغذية الحملة بشكل ممنهج لتشارك فيها قطاعات واسعة من أنصار الميليشيات، قبل أن تُقدم على تعيين قاضٍ من أنصارها باسم رئيس الوحدة الفنية للرؤية الوطنية في مجلس القضاء الأعلى، بينما كانت مهمته الحقيقية إدارة المجلس من وراء الكواليس.
ويكمل المسؤول القضائي: «أنشأت الميليشيات عقب ذلك المنظومة العدلية، وأتبعتها بلجان ومكاتب الإنصاف على مستوى المحافظات، إضافة إلى لجان إنصاف خاصة تتبع بعض القيادات العليا والوسيطة للتدخل في أعمال المحاكم وحل النزاعات العقارية والتجارية، بغرض توسيع النفوذ العقاري والتجاري، والاطلاع على بيانات وممتلكات التجار ورجال الأعمال وملاك العقارات».
ويتابع: «وكانت الميليشيات قد بدأت وضع اليد على أموال وممتلكات المعارضين والنازحين، بتعيين ما يعرف بالحارس القضائي لتلك المهمة، فمنحته صلاحيات أوسع من صلاحيات القضاء؛ بل إنها عطلت القوانين الإجرائية لصالحه، ثم توجهت إلى تقليص درجات التقاضي، ومنع القضاة من ممارسة مهامهم وصلاحياتهم الطبيعية والقانونية، ككتابة المستندات وصياغة اتفاقيات التحكيم والتصالح».
ويستطرد: «عينت الميليشيات لمنصب النائب العام عدداً من التابعين والموالين لها خلال 6 سنوات، بعضهم من داخل مؤسسات القضاء وبعضهم من خارجها، وكل نائب جرى تعيينه وعزله وفق أهواء ورغبات القيادات العليا، ثم شكلت لجان محاسبة داخل مجلس القضاء وفي المحكمة العليا».
ويتهكم المسؤول القضائي على أن الميليشيات ذهبت إلى تشكيل لجان مراقبة وتفتيش حتى داخل هيئة التفتيش القضائي، وهي الهيئة التي تختص بالتفتيش على أعمال القضاة لمعرفة درجة كفاءتهم وحرصهم على أداء وظيفتهم، وعرض بياناتهم على مجلس القضاء الأعلى عند النظر في الحركة القضائية، وتلقي الشكاوى ضدهم، ومراقبة سير العمل في المحاكم.


مقالات ذات صلة

وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله

بروفايل وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله (سبأ)

وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله

توفي الخميس، الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، بعد مسيرة امتدت لثمانية عقود، عاصر خلالها مختلف التحولات السياسية في اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

خاص وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

أكّدت وزارة الدفاع اليمنية استمرار الجهود والترتيبات لتنفيذ استراتيجية توحيد القرار العسكري، وإنهاء حالة الانقسام، وتعدد التشكيلات المسلحة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص أفاد حيدان بأنَّ التنسيق الأمني بين اليمن والسعودية في أعلى مستوياته (تصوير: تركي العقيلي)

خاص وزير الداخلية اليمني: خلايا الاغتيالات في عدن مموّلة خارجياً... وتسعى لإفشال الدولة

كشف وزير الداخلية اليمني، اللواء الركن إبراهيم حيدان، عن إفشال ما وصفه بـ«أكبر مخطط للاغتيالات السياسية» في العاصمة المؤقتة عدن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المشروع ينفذ في 3 مديريات ويخدم أكثر من 360 ألف مستفيد (الشرق الأوسط)

مأرب: وضع حجر الأساس لمشروع تعزيز الأمن المائي

يستهدف مشروع الأمن المائي والطاقة تعزيز مصادر المياه وتحسين كفاءة تشغيلها واستدامتها، من خلال حفر وإعادة تأهيل 11 بئراً مزودة بأنظمة طاقة شمسية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

خاص الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».