ملايين الحرائق تضرب الغابات سنوياً

تغيُّر المناخ يزيد تكرارها وشدّتها

من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

ملايين الحرائق تضرب الغابات سنوياً

من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
من حرائق الغابات في جنوب غربي فرنسا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

بعد موجات الحرّ والجفاف الواسعة خلال السنوات الماضية، تشهد مناطق عدة حول العالم حرائق غابات مدمرة لا سابق لها. وتميّز هذا الموسم بتمدد الحرائق وقوَّتها؛ إذ لا يكاد مكان توجد فيه غابات على وجه الأرض إلا وطالته، من شرق البحر المتوسط إلى غربه مروراً بسوريا، ولبنان، وفلسطين، وتركيا، وإيران، واليونان، وسلوفينيا، وفرنسا، والبرتغال، وإسبانيا والمغرب، ومن أستراليا إلى قلب القارة الأفريقية وشمالاً باتجاه ألاسكا وسيبيريا، ومن الغابات الاستوائية في إندونيسيا إلى الغابات المطيرة في الأمازون والحدائق الوطنية في غرب الولايات المتحدة.
وخلال السنوات بين 2002 و2016، طالت الحرائق ما يقارب 423 مليون هكتار من سطح الأرض سنوياً، أي ما يعادل مساحة الهند ومصر مجتمعتين، وثلثا هذه الحرائق كانت في القارة الأفريقية. وخلال الفترة ذاتها حدث أكثر من 13 مليون حريق فردي على مستوى العالم، استمر كل منها ما بين 4 و5 أيام. وكان كل حريق يدمر 440 هكتاراً كمعدّل عالمي، في حين يصل المعدل في أستراليا إلى 1790 هكتاراً لكل حريق. لكن أفريقيا بدأت تشهد حرائق أقل في السنوات الأخيرة، مقارنة بالمناطق الأخرى؛ لأن مساحات شاسعة من أراضي الغابات فيها تحوَّلت إلى أنواع من الزراعات لا تساعد في انتشار الحرائق.
النشاط البشري يُفاقم الحرائق
يرجّح برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب)، في تقريره الأخير عن القضايا الناشئة ذات الاهتمام البيئي، أن تؤدي الظروف المناخية إلى حرائق غابات أكثر خطورة بفعل تزايد تراكيز غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي المسببة لتغيُّر المناخ، وما يصاحب ذلك من تصاعد لعوامل الخطر. ويتسبب ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب المزيد من حالات الجفاف، بإطالة موسم الحرائق وتهيئة الأجواء لحصول حرائق مدمرة وامتدادها على مساحات شاسعة وإلى مناطق جديدة لم تصلها قبلاً.
وتُظهر الأبحاث التي تتناول مناطق غرب أميركا الشمالية، أن موجات الحرّ والجفاف لسنوات عدة لا تؤدي فقط إلى زيادة حرائق الغابات، ولكن تتسبب أيضاً في زيادة شدّتها واتساع نطاقها. وفي أميركا الجنوبية، يرتبط الجفاف الشديد والمديد وارتفاع درجات حرارة الهواء بزيادة عدد الحرائق وشدّتها في المناطق المدارية والأراضي الرطبة التي تغمرها الفيضانات موسمياً، بما في ذلك مناطق لم يسبق لها التعرض لحرائق. وقد تسببت الحرائق في الأرجنتين هذا الموسم بحجب نور الشمس عن عاصمة الباراغواي.
وفي المنطقة المناخية المعتدلة في أستراليا، انخفض هطول الأمطار في الفترة التي تسبق موسم الحرائق بأكثر من 10 في المائة منذ أواخر التسعينات. وفي تشيلي ونيوزيلندا وأجزاء من أفريقيا، أكّدت الأبحاث تأثير تغيُّر المناخ في زيادة ظروف الجفاف ونشاط حرائق الغابات. وفي جنوب أوروبا وعلى محيط البحر المتوسط، يتسبب تغيُّر المناخ في حدوث حرائق أكثر خطورة، حيث ينتقل حوض المتوسط بأكمله إلى نظام أكثر جفافاً.
وتخلص ورقة بحثية، نُشرت مؤخراً في دورية «ريفيو جيوفيزيكس»، إلى أن بعض مناطق الغابات الواقعة على خطوط العرض العليا شهدت زيادة في حرائق الغابات بنسبة 50 في المائة أو أكثر في العقدين الأولين من هذا القرن. في حين يتوقع تقرير صادر عن «يونيب» زيادة عالمية في «الحرائق الشديدة» تصل إلى 14 في المائة بحلول 2030 و50 في المائة مع نهاية القرن.
وفي المقابل، تُفاقم حرائق البراري مشكلة تغيُّر المناخ. وتشير الدراسات إلى أن فقدان غابات الأمازون المطيرة وذوبان الجليد الدائم في القطب الشمالي عاملان محتملان في تسريع تغيُّر المناخ. وتتسبب إزالة الغابات في منطقة الأمازون في تحويلها من مستوعب للكربون إلى مصدر له، كما تساهم الحرائق في المناطق السيبيرية إلى تسريع ذوبان الجليد القطبي. ومن مسببات حرائق الغابات أيضاً، تغيُّر استخدام الأراضي ونهج إدارة الحرائق الذي لا يقدّر العلاقة الوثيقة التي تطورت على مدى آلاف السنين بين الغطاء النباتي والنيران. وتؤسس التفاعلات بين الغطاء النباتي والمناخ على مدى فترات طويلة نمطاً معيّناً لتكرار حرائق الغابات في نظام بيئي محدد، ويُعرف هذا النمط بنظام الحرائق الطبيعي، الذي يُعدّ ضرورياً لعمل العديد من النظم البيئية. لكن الحرائق الشديدة والمتكررة التي يشهدها العالم اليوم تتجاوز نظام التوازن الطبيعي متسببة بالإخلال به.
أشجار الصنوبر، وأنواع شائعة أخرى في الغابات الشمالية وغابات حوض المتوسط، تخزن بذورها في أكواز لسنوات حتى يتسبب حدوث حريق في إطلاقها. وتحفّز حرائق الغابات الأزهار في النباتات المحلية المنتجة للأبصال مثل أنواع الأوركيد والزنابق، وفي الأعشاب المعمّرة. ويمكن أن يؤدي الدخان والخشب المتفحّم إلى أنبات البذور في العديد من الأنواع في أراضي الشجيرات المعرّضة للحرائق.
وتؤدي الانحرافات عن نظام الحرائق السائد، في التوقيت أو التواتر أو الحجم أو الشدّة، إلى تغيُّرات بيئية كبيرة في كل من النظم البيئية المعتمدة على الحرائق لتزدهر، وفي النظم البيئية الحساسة للحرائق، حيث تكون الآثار السلبية أكبر من الآثار الإيجابية.
على سبيل المثال، تُعدّ الغابات الاستوائية المطيرة حسّاسة للحرائق، ويندر أن تندلع وتنتشر فيها النيران بسبب غطائها النباتي الرطب، ومع ذلك جعلت الأنشطة البشرية حرائق الغابات شائعة في مناطق من غير المتوقع أن تحصل فيها. في غابات الأمازون المطيرة يتم قطع الغطاء النباتي الأصلي وانتقاء أنواع الأشجار الأكثر قيمة وإزالتها، وتُترك البقايا لتجف حتى يتم إشعالها عمدا لتحضير مساحات تصلح للزارعة أو للرعي. وفي المناطق الاستوائية، بشكل عام، تؤدي تجزئة الغابات وقضم مناطق السافانا والأراضي العشبية إلى خلق الظروف المواتية لحرائق الغابات وخسارة النظم البيئية.
ويعدّ التوسع الحضري المتزايد وتمدد المدن في البراري شكلاً آخر من أشكال تغيُّر استخدام الأراضي وتبديل المناظر الطبيعية. وقد شهدت العقود الأخيرة توسعاً سريعاً للمدن نحو مناطق الغابات في العديد من أنحاء العالم، وتمثل هذه الواجهة البرية الحضرية أكثر الأماكن التي تكون فيها مخاطر حرائق الغابات أكثر وضوحاً.
كما يسهم النشاط البشري إلى حدٍ بعيد في إدخال الأنواع الغازية التي يمكن أن تغيّر أنظمة الحريق، عن طريق تغيير بنية الغطاء النباتي داخل النظام البيئي. وتحتوي العديد من الأعشاب الغازية على كتلة حيوية ورطوبة منخفضة، مما يخلق ظروفاً مواتية لحرائق الغابات. وقد أدى غزو بعض الأعشاب غير الأصلية في الولايات المتحدة إلى زيادة فرص حصول الحرائق بنسبة 230 في المائة وزيادة تكرارها بنسبة 150 في المائة. كما يمكن أن تخلق أنظمة الحرائق المتغيّرة ظروف تعافٍ غير مناسبة للنباتات المحلية بعد حرائق الغابات، ولكنها مناسبة لغزو وازدهار الأنواع التي تتحمل الحرائق.
ويمكن لسياسات مواجهة الحرائق غير الملائمة ومحدودية المعرفة بالخبرات المحلية على إدارتها تقليدياً أن تزيد من تعقيد المشكلة. وفي حالات أخرى، يمكن أن تؤدي محاولات وقف الحرائق في النظم البيئية المعتمدة عليها إلى تراكم الكتلة الحيوية الميتة وزيادة مخاطر الاشتعال. وتؤدي ممارسات كهذه إلى تحولات في نظام الحرائق وتعزز فرص اندلاع الحرائق الكبيرة والمتكررة.
آثار حرائق الغابات ومواجهتها
تنبعث من حرائق الغابات الكبيرة كميات هائلة من الملوثات الجوية، مثل هباب الفحم والجسيمات المعلقة وغازات الاحتباس الحراري. ويمكن للرياح نقل هذه الملوثات إلى مسافات طويلة، حيث تترسب فوق المواقع الطبيعية البعيدة، بما في ذلك الأنهار الجليدية. ويقلل النقل الجوي وترسب هباب الفحم من بياض السطح؛ مما يزيد ذوبان الجليد والثلوج. وهناك دراسات تخلص إلى مساهمة هباب الفحم الناتج من حرائق حوض الأمازون في زيادة ذوبان الأنهار الجليدية على جبال الأنديز.
ويُلاحظ في أعقاب حرائق الغابات الكبيرة ارتفاع مستويات الرواسب في الأنهار، وتغيُّر درجات حرارة المياه وعكارتها، وينعكس ذلك على وفرة الأسماك. وتؤدي التعرية بعد حرائق الغابات إلى جلب مجموعة من العناصر الغذائية والملوثات إلى المسطحات المائية، فتؤثر على جودة المياه وسلامة الأنواع الحية. ويمكن أن تسبب المغذيات، مثل النيتروجين والفوسفور، في المسطحات المائية إلى ازدهار الطحالب وتقليل مستويات الأوكسيجين المذاب؛ مما يشكل خطراً على الكائنات المائية.
كما تؤدي التعرية الناتجة من حرائق الغابات في بعض الحالات إلى انهيار المنحدرات وحصول انزلاقات أرضية. وتطلق حرائق الغابات الواسعة والكبيرة كميات ضخمة من الهباء الجوي، بما في ذلك المعادن النزرة الحيوية الأساسية مثل الحديد. وقد تسبب الانتقال الجوي للهباء الغني بالحديد من حرائق الغابات الأسترالية في صيف 2019 و2020 في تكاثر الطحالب على نطاق واسع في جنوب المحيط الهادي على مدى 4 أشهر.
ويمكن أن تؤدي حرائق الغابات الأكثر تواتراً وشدة إلى تغيير طويل الأجل في تركيبة أنواع النباتات وفي بنية النظم البيئية للغابات. وعندما تصبح الحرائق أكثر تكراراً وشيوعاً، تتناقص فرص تجدد الطبيعة بعد الحرائق. واعتماداً على نوع الغابة الأصلي، يمكن أن يؤدي تكرار الحرائق في التحول إلى الغطاء النباتي غير الحرجي.
ولمواجهة الأسباب والنتائج، تعمل العديد من البلدان على تبني برامج مراقبة وتحذير من اندلاع حرائق الغابات، وإنجاز مبادرات لاستعادة النظم البيئية. في سوريا، على سبيل المثال، أطلقت الهيئة العامة للاستشعار عن بعد في 2021 «منصة الغابات ومراقبة الحرائق»، التي تقدم تحذيرات مسبقة من مخاطر حصول الحرائق في شرق المتوسط. وفي المغرب، جرى رصد ميزانية تناهز 28 مليون دولار لإعادة تشجير نحو 9 آلاف هكتار من الغابات التي أتت عليها الحرائق في شمال المملكة في منتصف هذه السنة.
مع التأثير المركّب للاحترار العالمي الذي يطيل موسم الحرائق ويؤدي إلى مزيد من أحداث الاشتعال الطبيعي، والتغيُّرات في استخدام الأراضي التي تقدم المزيد من الوقود القابل للاحتراق وتعزز المخاطر، وتوسع التجمعات السكانية التي اتخذت موطئاً لها على الواجهة البرية، تنمو التحديات حول قدرة البشر على التعايش مع عنصر النار في النظم البيئية التي يشغلونها. ولتجنب الآثار الكارثية الناتجة من حرائق الغابات العنيفة، يجب أن تتوافق قدرة المجتمعات واستجابتها للحرائق مع معدل تغيُّر المناخ أو تتجاوزه.
وهنا تأتي أهمية زيادة الموازنات المخصصة للتكيُّف مع آثار تغيُّر المناخ لمواجهة مضاعفاته، بدلاً من أن يذهب معظمها لتدابير الحدّ من الانبعاثات. وفي طليعة المهمات اعتماد إدارة سليمة للغابات، وتدريب القوى البشرية المؤهلة للتعامل مع الحرائق وتزويدها بالتجهيزات اللازمة. والمفارقة، أن بعض الدول الأكثر تعرُّضاً للحرائق هي الأقل استعداداً للتعامل معها. ففي حين تبلغ الموازنة المخصصة لمكافحة حرائق الغابات مليار دولار سنوياً في الولايات المتحدة، لا تتجاوز 50 مليون دولار في المكسيك المجاورة، ولا وجود لها على الإطلاق في دول أخرى. المناخ حتماً يتغيّر، والتصدي للآثار لا ينحصر في خفض الانبعاثات الكربونية.



فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».