غوارديولا: مدرب نجح في تطوير كرة القدم الإنجليزية

حقبة المدير الفني في مانشستر سيتي غيرت رؤية المدربين وفلسفتهم في إنجلترا

في حافلة مفتوحة جابت مدينة مانشستر احتفل سيتي وجماهيره بحصد لقب الدوري (رويترز)
في حافلة مفتوحة جابت مدينة مانشستر احتفل سيتي وجماهيره بحصد لقب الدوري (رويترز)
TT

غوارديولا: مدرب نجح في تطوير كرة القدم الإنجليزية

في حافلة مفتوحة جابت مدينة مانشستر احتفل سيتي وجماهيره بحصد لقب الدوري (رويترز)
في حافلة مفتوحة جابت مدينة مانشستر احتفل سيتي وجماهيره بحصد لقب الدوري (رويترز)

تمكن مانشستر سيتي من العودة من حافة الهاوية بعد التأخر بهدفين أمام أستون فيلا في الجولة الأخيرة من الدوري الإنجليزي الممتاز، وبدأ طريق العودة عن طريق إلكاي غوندوغان الذي ارتقى عالياً مثل طائر الفينيق الصغير بشكل رائع، ليضع الكرة برأسه في الشباك. وفي غضون 6 دقائق فقط من ذلك الهدف الافتتاحي، أكمل مانشستر سيتي، بقيادة المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا، الريمونتادا الأكثر جمالاً وإثارة في تاريخ كرة القدم الإنجليزية. لقد كان من الرائع أن يكون الفريق قادراً على العودة بهذه الطريقة، بعدما بدا الأمر وكأن العالم بأكمله يغلق أبوابه في وجهه.
وكان من المناسب أيضاً أن يُسجل غوندوغان الذي كان أول صفقة يبرمها غوارديولا مع مانشستر سيتي، هدف الفوز باللقب، والهدف الثاني له في المباراة، وأن يساهم كل من رحيم سترلينغ وكيفين دي بروين في هذه الأهداف الحاسمة، وهما اللاعبان الموجودان في الفريق خلال الفترة الكاملة لتولي المدير الفني الإسباني القيادة الفنية للفريق. لقد كان مانشستر سيتي هو الأكثر تسجيلاً للأهداف، والأكثر تمريراً، والأكثر استحواذاً على الكرة، بالمقارنة بأي فريق آخر في الدوريات الخمس الكبرى في أوروبا هذا الموسم. وقام جواو كانسيلو ورودري وإيمريك لابورت بتمريرات أكثر من أي لاعب آخر في الدوري الإنجليزي الممتاز (كان كانسيلو الذي يتمتع بقدرة هائلة على اللعب في أكثر من مركز والقيام بأكثر من دور داخل المستطيل الأخضر، أيضاً من بين أفضل 10 لاعبين من حيث الاعتراضات والتدخلات والمراوغات، كما جاء في المركز الثاني عشر من حيث عدد التسديدات على المرمى).
لقد كان مانشستر سيتي يقدم شكلاً من أشكال كرة القدم الشاملة؛ حيث كان يتحكم في زمام الأمور تماماً. وبعد نهاية هذا الموسم المثير، فهذه لحظة جيدة تماماً لالتقاط الأنفاس. لا توجد أي مؤشرات حتى الآن على أن غوارديولا سيرحل عن الفريق عندما ينتهي عقده العام المقبل؛ لكن بعض الأشياء ستتغير الآن؛ حيث وصل عدد من اللاعبين الأساسيين في هذا الفريق إلى ذروة عطائهم الكروي، وسيرحل عدد آخر من اللاعبين خلال الصيف الجاري، كما أن التعاقد مع المهاجم النرويجي الشاب إيرلينغ هالاند يعني أنه سيكون هناك نوع مختلف من إعادة البناء في المستقبل القريب.
وعندما ننظر الآن إلى الوراء، نجد أن السنوات الست الأولى لغوارديولا مع مانشستر سيتي كان لها طابعها المميز للغاية، من حيث العمل الخططي والتكتيكي وطريقة العمل ونموذج الملكية، وبالتالي يمكن القول بأن حقبة غوارديولا في مانشستر سيتي هي الأكثر تحوّلاً في التاريخ الحديث لكرة القدم الإنجليزية. وتجب الإشارة إلى شيئين واضحين للغاية في هذا الصدد. أولاً، يجب الاعتراف بأن غوارديولا حقق نجاحاً مذهلاً؛ حيث قاد «السيتيزنز» للحصول على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز 4 مرات خلال 6 سنوات، لتكون هذه واحدة من أعظم العصور لأي فريق في تاريخ كرة القدم الإنجليزية من حيث الفوز بلقب الدوري.
ومن حيث الأرقام والإحصائيات البحتة، فإن غوارديولا يتساوى الآن مع كيني دالغليش وهربرت تشابمان، ويأتي خلف مات بيسبي بلقب واحد، وخلف بوب بيزلي بلقبين؛ لكنه مثل الجميع يأتي متأخراً كثيراً عن المدير الفني الأسطوري لمانشستر يونايتد السير أليكس فيرغسون الذي حصل على 13 لقباً للدوري خلال 27 عاماً قضاها في ملعب «أولد ترافورد». لكن غوارديولا حقق هذا الإنجاز الكبير خلال فترة زمنية قصيرة، وهو الأمر الذي يجعل هذا الإنجاز أكثر بروزاً وأهمية. إنه ينتمي الآن إلى مجموعة صغيرة –مثل شابمان وبيسبي وبيل شانكلي وأرسين فينغر- التي غيّر نجاحها أيضاً الطريقة التي تُلعب بها كرة القدم؛ بل وطريقة التدريب وطريقة فهمنا للعبة كلها.

غوارديولا وجون ستون وكأس بطولة الدوري (أ.ف.ب)

إن هذا التأثير الخططي والتكتيكي هو الجزء الأكثر وضوحاً في العمل المذهل الذي قام به غوارديولا. وخلال فترة وجوده مع مانشستر سيتي، كانت كرة القدم الإنجليزية تميل بشكل كبير نحو طريقة الاستحواذ على الكرة والتفوق التكتيكي والهوس الكاتالوني الهولندي بتمرير الكرة والاستحواذ عليها لأطول فترة ممكنة، وهو ما يجسده تماماً مانشستر سيتي الآن تحت قيادة غوارديولا. ويمكن شرح ذلك بكل بساطة من خلال الإشارة إلى أنه في الموسم السابق لوصول غوارديولا إلى ملعب الاتحاد، سجل مانشستر سيتي 71 هدفاً، ومرر الكرة 20488 مرة؛ لكن في الموسم الجاري الذي فاز فيه الفريق بلقب الدوري، فإنه سجل 99 هدفاً ومرر الكرة 26132 مرة.
ومن السهل أن نضع في الاعتبار العناصر الأخرى التي كان لها تأثير كبير على اللعبة خلال تلك الفترة، مثل تغيير مهام الأجنحة واقترابها أكثر من المرمى، والاعتماد على المهاجم الوهمي بشكل أكبر بدلاً من المهاجم الصريح، وتقدم ظهراء الجنب للأمام للقيام بمهام هجومية أكبر، والتحسن الهائل الذي طرأ على حراس المرمى فيما يتعلق بلعب الكرة بالقدم. ويجب التأكيد على أن غوارديولا كان المؤثر الأكبر في تطور كل هذه الأمور في كرة القدم الإنجليزية؛ بل وفي تغيير رؤية و«فلسفة» المدربين الإنجليز المبتدئين.
وعندما ننظر إلى الخلف الآن، نجد أنه من المضحك أنه حتى عام 2016 كان لا يزال هناك عداء لهذا المدير الفني الرائع، واتهامه بأنه لم يحقق ما يثبت أنه مدير فني كبير، على الرغم من حصوله على لقب دوري أبطال أوروبا مرتين حتى ذلك الوقت! في ذلك الوقت كانت هناك درجة من السخرية؛ لكن بعد مرور 5 سنوات ونصف، فمن اللافت للنظر أن نرى التأثير المستمر والهائل لغوارديولا على كرة القدم الإنجليزية كلها؛ بل وعلى المنتخب الإنجليزي الوطني الذي كان أبرز ما يميزه على مدار تاريخه الممتد إلى 140 عاماً هو اللعب المباشر والكرات العالية واللياقة البدنية القوية؛ لكنه الآن أصبح يلعب بطريقة مختلفة تعتمد على الاستحواذ على الكرة والصبر؛ بل ووصل الأمر لدرجة أن اللاعبين المحليين تحت 11 عاماً أصبحوا يلعبون في المتنزهات بطريقة مختلفة تعتمد على تمرير الكرة، في الوقت الذي يصرخ فيه الآباء في أبنائهم مطالبين إياهم بالضغط على المنافس والتمرير الدقيق للكرة بدلاً من تشتيتها بشكل طويل، وبالتالي أصبح هناك هوس بالتمرير القصير والاستحواذ على الكرة، ومن المؤكد أن الفضل في ذلك يعود بالطبع إلى غوارديولا.
هناك بالطبع جوانب أخرى لهذا التحول. مانشستر سيتي مملوك لدولة قومية الآن منذ 14 عاماً، ولم يكن هناك أحد مستعداً للتغييرات التي أحدثها هذا النموذج المختلف تماماً من الملكية، وهذه المجموعة المختلفة تماماً من الدوافع والحوافز. ومن نواحٍ كثيرة، كانت الثقافة والتجارة والاقتصاد في إنجلترا عبارة عن تجارة وتصدير واستيراد وتعاقد مع المواهب الشابة اللامعة والمؤثرة، وقد تم تسريع هذا الأمر بشكل كبير بسبب العولمة، فأصبحت قطر تمتلك أطول مبنى في إنجلترا، وأصبحت أبوظبي تمتلك مانشستر سيتي، وأصبح هذا المشروع بطريقته الخاصة بمثابة أعجوبة اقتصادية حديثة تفتح مساحات جديدة وأرضاً جديدة وتبني فريقاً جديداً وأسلوباً جديداً.
لكن هذه التجربة تستحق أيضاً أن يتم الحكم عليها على أنها أكثر من مجرد مجموعة من المباني وكشوف المرتبات. وبينما يحاول كثير من الفرق الأخرى أن ينفق كثيراً من الأموال بطريقتهم الخاصة لتحقيق النجاح خلال الفترة نفسها، كان مانشستر سيتي هو القوة العظمى؛ حيث أضفى على ممارسة الرياضة على مستوى النخبة مشروعاً سياسياً علنياً، مدعوماً باحتياطيات لا حدود لها، وكفاءة تنفيذية وإدارية قصوى.
ومن نواحٍ عديدة، يمكن أن يبدو النجاح الذي حققه مانشستر سيتي عادياً من الخارج: التعاقد مع أفضل المواهب، وإنفاق أكبر قدر من الأموال، والتخلص من اليأس المعتاد والمحسوبية وعدم الكفاءة؛ لكن الحقيقة أن غوارديولا يعد سبباً رئيسياً ومهماً للغاية في تحقيق هذا النجاح، وفي أن يظل هذا المشروع جميلاً ورياضياً قبل أي شيء آخر.
في الحقيقة، يعد مانشستر سيتي هو الأحق بالفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز لأسباب عديدة، من بينها بالطبع أنه أنهى الموسم متفوقاً بفارق نقطة وحيدة عن مطارده ليفربول الذي يقدم هو أيضاً مستويات أكثر من رائعة.


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.