أربعُ نساء يُعِدْنَ الفلسفة إلى الحياة بعد الحرب العالمية الثانية

كتابان يقدمان حكاية سردية مشوقة عن كفاحهن المضني للعثور على أصواتهن المتفرّدة

أربعُ نساء يُعِدْنَ الفلسفة إلى الحياة بعد الحرب العالمية الثانية
TT

أربعُ نساء يُعِدْنَ الفلسفة إلى الحياة بعد الحرب العالمية الثانية

أربعُ نساء يُعِدْنَ الفلسفة إلى الحياة بعد الحرب العالمية الثانية

واحدةٌ من سمات الكائن البشري أنه كائن فلسفي. قد تخمد بعضُ جذوة المساءلة الفلسفية فيه عندما تتناهبه متطلباتُ إدامة الوجود البيولوجي؛ لكن سرعان ما تستعيد روح التفكّر الفلسفي بعض جذوتها فيه عندما يتجاوز انشغالات إدامة وجوده في هذا العالم.
بدأت شواغل الفلسفة – كما نعرفها في أقلّ تقدير – مع الأطروحات الفلسفية الإغريقية التي انطوت على تمايزات جوهرية صار معها من الممكن تصنيف طريقة التفكير الفلسفي في الإنسان بأنها طريقة أفلاطونية أم أرسطوية. وشهدت الدفقة الفلسفية بعضاً من الانكفاء مع تعاظم حركة التنوير الأوروبي وصعود نجم التفكير العلمي والثورة الصناعية، ثم عدّلت الفلسفة مسارها بحيث تتناغم مع مفاعيل التغييرات الثورية التي جاء بها العلم والتقنية؛ وهنا أراد بعضُ المفكرين والفلاسفة مع بدايات القرن العشرين قصر الانشغالات الفلسفية على وقائع اختبارية محدّدة وخاضعة للقياس حتى باتت الفلسفة من وجهة نظرهم أقرب إلى مبحث علمي. لم يقتصر الأمر على محاولة بعض الفلاسفة تحويل الفلسفة إلى «فلسفة علمية خالصة»؛ بل راحوا يدرسون المحدوديات الكامنة في اللغة وحدود التفكير البشري المحكومة بهذه المقيّدات اللغوية، وكان من نتائج ذلك أن تغوّلت الفلسفة العلمية التي نشأت من تعاضد الفلسفة التحليلية (أو فلسفة التحليل اللغوي كما تسمى في الأدبيات الفلسفية) مع الفلسفة الوضعية المنطقية إلى حدّ باتت معه الأخلاقيات والميتافيزيقا ومباحث الفلسفة التقليدية تعدُّ مباحث غير منتجة. ظلّ أمر الفلسفة على هذه الشاكلة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم حصلت انعطافة كبرى عقب تلك الحرب وفي العقود اللاحقة التي تلتها، ولعلّ من المثير أن نشهد نوعاً من شيوع الاهتمام العالمي بالفلسفات التقليدية (مثل الرواقية) ومحاولة إحيائها بعد دراستها على ضوء مباحث معرفية جديدة (مثل علم النفس المعرفي). الإنسان كائن ميتافيزيقي بعد كلّ شيء ولن يقنع بترتيب وجوده البشري ضمن نطاقات العلم والنظرة العلمية، وثمة قناعة سائدة بأنّ العقلانية العلمية الكاملة تنطوي على تبخيس وإفقارٍ لجوهر ميتافيزيقي كامن في روح الإنسان.
ولعلّها مصادفةٌ غريبة – أو ربما فعلٌ مقصودٌ – أن يصدر كتابان لا يفصلُ بين موعدي نشرهما سوى بضعة أشهر، يتناول فيهما مؤلفو الكتابين أربعاً من أشهر فيلسوفات بريطانيا والعالم. الكتابان هما...
- الكتاب الأول: بِوسْع النساء بلوغُ شيء ما
- The Women Are Up to Something
لمؤلفه بنجامين ليبسكوم Benjamin J.B. Lipscomb. نُشر الكتاب مطلع شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2021. ومن المفيد التدقيق في العنوان الثانوي المطوّل للكتاب حيث يكشف فيه المؤلف عن جوهر مسعاه: «كيف أشاعت إليزابيث أنسكوم وفيليبا فوت وماري ميغلي وآيريس مردوك الثورة في الأخلاقيات».
- الكتاب الثاني: حيوانات ميتافيزيقية
- Metaphysical Animals
لمؤلفَتيْه كلير ماك كمهيل Clare Mac Cumhaill وراشيل وايسمان Rachael Wiseman. نُشِر الكتاب يوم 10 مايو (أيار) 2022. وسيكون أمراً مفيداً كذلك – كما هو الحال مع الكتاب السابق – أن نقرأ العنوان الثانوي الطويل للكتاب «كيف أعادت أربع نساء الفلسفة إلى الحياة». يكاد الكتابان يتماثلان في مقاربتيهما الفلسفيتين؛ وقد يعترض البعض أنّ الكتاب الأول إنما يتناول مبحث الأخلاقيات، وليس الفلسفة بعامة؛ لكن سيكون واضحاً بعد قراءة الكتاب أنّ الأخلاقيات هنا يقصَدُ بها مبحث الفلسفة الأخلاقية. يروي الكتابان - بصيغة سيرية أحياناً، وأحياناً أخرى بصيغة مساءلات معمّقة لأطروحات فلسفية تأريخية – حكاية أربع نساء (هنّ آيريس مردوك Iris Murdoch وفيليبا فوت Philippa Foot وإليزابيث أنسكوم Elizabeth Anscombe وماري ميغلي Mary Midgley) جمعتهنّ الأقدارُ الطيبة ليكنّ طالبات فلسفة في جامعة أكسفورد خلال الحرب العالمية الثانية. هناك وجدت أولئك النسوة عالماً بدا خالياً من الرجال الذين ذهبوا للحرب، وكان الباقون من الرجال يندرجون في فئتين؛ طاعنين في السن أو عاجزين عن خوض المساجلات الفكرية العنيفة. كانت أكسفورد حينها مكاناً يمكن فيه لصوت النساء أن يُسمَعَ، على عكس واقع الحال قبل نشوب الحرب.
ماذا كانت أولئك الفتيات اليافعات سيجدن في أكسفورد لو التحقن بها قبل الحرب؟ تجيب إحداهن – وهي الفيلسوفة ماري ميغلي – بأنهنّ كنّ على الأغلب سيجدن عالماً فلسفياً يهيمنُ عليه بعضُ الشباب اليافعين والأذكياء، يتقدّمهم أي جي آير A. J. Ayer الذي صار كتابه «اللغة والحقيقة والمنطق» Language، Truth and Logic المنشور عام 1936 بمثابة الكتاب المبشّر الذي لا غنى عنه بالفلسفة الوضعية المنطقية Logical Positivism – تلك الفلسفة التي طوّرتها حلقة فيينا المعروفة، ثم امتدّت لتشمل القارة الأوروبية كافة، وقد تقنّعت أحياناً بمسمّيات من قبيل الفلسفة الجديدة أو الفلسفة التحليلية. تقوم رؤية آير على أساس حاجة الفلسفة إلى حدّ فاصل يمكن أن يكون معياراً إجرائياً للتمييز بين الفلسفة الحقيقية وبين لغو الكلام (أو الفلسفة غير المنتجة). الفلسفة الحقيقية بموجب رؤية آير تتأسس على عبارات واضحة يمكن اختبارها حسياً في العالم الواقعي؛ وبهذا تكون الفلسفة الحقيقية مسمّى آخر للعلم؛ أما الفلسفة التقليدية (الأخلاقيات، الميتافيزيقا) وكذلك اللاهوت والجماليات والقيم والتشخيصات الذاتية، ليست سوى أباطيل قول غير منتجة. لا شيء منتج بموجب هذه الرؤية سوى عالم العلم الصلب، البارد، الذي يمكن إخضاعه للاختبار.
قاومت كلّ من أولئك الفتيات الأربع، بأشكال مختلفة وأزمان مختلفة، هذا الإجماع الفلسفي السائد في أكسفورد. تساءلت فيليبا فوت؛ كيف يمكن للمرء أن يقبل بهذا الاتجاه الفلسفي للوضعية المنطقية وهو يرى صور معسكرات الاعتقال النازية الفظيعة؟ كان آير يرى أنّ الانحياز الأخلاقي هو محضُ موقف فردي لا علاقة له بعالم الوقائع؛ وبالتالي هو تفضيلٌ أخلاقي لا يخضعُ لقاعدة الصوابية أو التخطئة؛ بمعنى أنّ ما قد يكون لديك صواباً من الناحية الأخلاقية قد لا يكون كذلك لدى آخرين، وليس ثمة إجماعٌ يمكن بلوغه في هذا الشأن، على العكس من الحال مع وقائع العالم الطبيعي. أكّدت فوت وزميلاتها، وهنّ لم يزلن طالبات فلسفة في أكسفورد، أليس من الضروري تأكيد إجماعٍ أخلاقي على كون النازية خطأ، وأنّ مناهضيها على صواب؟ سعت هؤلاء الفتيات - اللواتي سيصبحن أسماء لامعة في عالم الفلسفة لاحقاً – إلى بلوغ مقاربة فلسفية جديدة تناقضُ الوضعية المنطقية، وترى في مظاهر القسوة والشر في العالم أشياء ينبغي إخضاعها للمساءلة الفلسفية، بمثل ما يفعل العلم مع الصخور والأنهار والحشرات.
يمضي القارئ مع المؤلفين في هذين الكتابين في متابعة حكاية سردية مشوّقة عن أربع نساء لامعات يكافحن وسط أدغال أكاديمية مشتبكة للعثور على أصواتهن الفلسفية المتفرّدة خارج نطاق الدرس الأكاديمي السائد، وكنّ بالإضافة إلى مسعاهن الفلسفي يجتهدن لرسم صورة جديدة بديلة عن الكائن البشري ومكانته في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
لم يقدّم المؤلفون في هذين الكتابين أطروحات فلسفية ومساجلات فكرية وحسب؛ بل ثمّة تفصيلات شخصية تخصُّ أولئك الفيلسوفات الأربع. كانت مردوك تفوق زميلاتها في الوقوع بشراك الحب وتعقيداته، وكانت عقب كلّ تجربة تشهدُ تغييراً فلسفياً تجاه موضوعة الصداقة والحب، وهو الأمر الذي نشهدُ أثره واضحاً في كتاباتها الفلسفية والروائية اللاحقة، كما لا يخفى على المتابع لأعمالها أنّ بصمات أفلاطون وتوماس الأكويني وفيتغنشتاين تبدو جلية فيها. على عكس مردوك - التي لم تنتسب إلى سلك الخدمة الجامعية الأكاديمية، وفضّلت متابعة عملها كروائية فيلسوفة – فإنّ كلاً من آنسكوم وميغلي حازت شهرتها من عملها في نطاق الفلسفة الأكاديمية. تبدو ميغلي أكثر النساء الأربع تجذراً في العالم الفلسفي، ويُعرفُ عنها أنها بدأت نشر أولى كتبها، وهي في التاسعة والخمسين، ثمّ تتالت كتبها اللاحقة التي قاربت العشرين تباعاً، أنهتها بكتاب عن سيرتها الذاتية.
يظلّ موضوع أننا «كائنات ميتافيزيقية» مثيراً للتفكّر والتساؤل، وهو بعضُ ما تسعى له الفيلسوفات الأربع. نحن في نهاية المطاف لسنا محض كائنات تستخدم اللغة وتطرحُ الأسئلة وتوظّفُ التمثيلات الرمزية في حياتها (مثل الرياضيات والفن... إلخ)؛ بل يوجد سعي ممضٌّ لديها نحو كلّ ما هو غامض ومتعالٍ على الوجود البشري. قد يجد بعضنا هوى في نفسه لاتخاذ موقف مناصر للفلسفة التحليلية والوضعية المنطقية، وبخاصة إذا ما عاش حياة هادئة غير حافلة بكثير من الاضطرابات الحياتية والفكرية؛ لكنّ كلّ من اختبر حياة عاصفة بالمتغيرات، غالباً ما يجدُ نفسه منحازاً نحو آفاق فلسفية أبعد من حدود فلسفة آير التحليلية. يتناغم مؤلفو الكتابين مع هذه الرؤية ويتشاركون القناعة بأنّ الحياة الحافلة بضروب الأهوال التي عاشتها هؤلاء النساء الفيلسوفات الأربع وسط جحيم الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن أدوارهنّ السياسية وعلاقات الحب العاصفة التي خضنها، كلّ هذا كان له أعظم الأثر في تشكيل مواقفهنّ الفلسفية التي طبعت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان لها تأثيرها البيّن على مسار الفلسفة العالمية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

فجَّر مقترح برلماني بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى في مصر جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مَن يراه فرصةً لتقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى وتنظيم عملهم ومواجهة التجاوزات، ومن يُعده وسيلةً تمنحهم شرعيةً قانونيةً قد يستغلها بعضهم بطرق غير متوقعة لتحقيق مكاسب مادية من خلال محتوى قد يتضمَّن «تجاوزات».

وكان النائب محمد الجندي، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، قد تقدَّم باقتراح برغبة إلى رئيس المجلس بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى الرقمي، ووضعِ إطار مهني وقانوني يُنظِّم ممارسة المهنة ويضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وأكد الجندي أنَّ صناعة المحتوى الرقمي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً وتأثيراً في المجتمع المصري، في ظلِّ التطوُّر المتسارع الذي تشهده مجالات التكنولوجيا والاتصالات والتَّحوُّل الرقمي. وأضاف أنَّ المنصات الرقمية تحوَّلت إلى أدوات رئيسية في تشكيل الوعي العام، لا سيما مع تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 100 مليون مستخدم، إلى جانب الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل هذا القطاع أحد أبرز المجالات الواعدة اقتصادياً وثقافياً.

وحظي المقترح بتفاعل لافت، إذ تصدَّر وسم «نقابة صُنَّاع المحتوى» قوائم الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر يومَي الجمعة والسبت. وتباينت الآراء بين مُؤيِّدٍ يرى في هذا المقترح فرصةً لتقنين الأوضاع وتنظيم عمل صُنَّاع المحتوى، ومُعارض يراه باباً خلفياً قد يتيح لبعض صُنَّاع المحتوى «الرديء» أو «غير اللائق» الظهور في الفضاء العام بصفةٍ مشروعة.

وفي هذا السياق، وصف خالد البرماوي، الخبير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وجود مقترح يستهدف تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى في مصر بأنه «أمر محمود ومطلوب»، لكنه أبدى تحفظه على فكرة إنشاء نقابة خاصة بهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نجد نموذجاً مشابهاً في الولايات المتحدة، لكنه لم يكن في صورة نقابة مستقلة، بل كان فرعاً تابعاً لإحدى النقابات الفنية يضمُّ مؤدي المحتوى. ومن حيث المبدأ، من المهم جداً تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى والمؤثرين، لكن السؤال هو: مَن الجهة التي ستتولى هذا التقنين؟ لا أعتقد أن الأمر يتطلَّب إنشاء نقابة، بل يمكن لصُنَّاع المحتوى أنفسهم، إذا أرادوا تنظيم عملهم وتطويره وحمايته، أن يؤسِّسوا رابطة أو اتحاداً أو جمعية، فالقانون يتيح ذلك».

وكان المقترح البرلماني قد أشار إلى أهمية إنشاء نقابة متخصِّصة لصُنَّاع المحتوى الرقمي تكون بمثابة مظلة قانونية ومهنية للعاملين في هذا المجال، تتولَّى تنظيم المهنة، ووضع ميثاق شرف مهني، وتوفير برامج التدريب والتأهيل، وحماية الحقوق الفكرية، ودعم المحتوى التعليمي والثقافي والتوعوي الهادف. كما لفت إلى أنَّ النمو المتسارع لهذه الصناعة لا يزال بحاجة إلى إطار قانوني ومهني منظَّم يحفظ حقوق العاملين فيها، ويُسهم في مواجهة بعض الظواهر السلبية المرتبطة بالمحتوى غير الهادف أو المضلل.

ويؤكد الخبير في الإعلام الرقمي أنَّ من حق صُنَّاع المحتوى تأسيس كيان يحمي حقوقهم، غير أنَّ حماية المجتمع يجب أن تظلَّ في إطار سلطة وعمل النقابات المعنية، والمجلس الأعلى للإعلام، ووزارة الاتصالات، خصوصاً جهاز تنظيم الاتصالات المعني بالتعامل مع المنصات الرقمية، وهذا الجهاز لا بدَّ أن يعمل على تقنين أوضاع صناع المحتوى.

وتشهد مصر، بصورة متزايدة، حالات توقيف لبعض صُنَّاع المحتوى أو «البلوغرز»؛ بسبب نشرهم محتوى يتضمَّن ما تصفه الجهات الأمنية بـ«تجاوزات تُضرُّ بقيم المجتمع والأسرة المصرية». وقد صدرت بالفعل أحكام بالسجن بحق عدد منهم، تصل في بعض الحالات إلى السجن لمدة 3 سنوات، إلى جانب غرامات مالية، وذلك استناداً إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وكان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قد أصدر تقريراً حول مؤشرات استخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة في العام الحالي، أشار فيه إلى زيادة ملحوظة في استخدام تطبيقات المحتوى الترفيهي بنسبة بلغت 60 في المائة. كما أظهرت مقارنة المؤشرات بالفترة نفسها من عام 2025 ارتفاع استخدام خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول بنسبة 12 في المائة، بالتزامن مع زيادة عدد مستخدمي هذه الخدمات بنحو 7.9 مليون مستخدم جديد.


«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
TT

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)

في فيلا أنيقة بمدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) تصدرتها لافتة «دار إقامة كبار الفنانين» تبدأ الحياة من جديد في أول دار من نوعها بمصر تستقبل الفنانين الكبار لتكون بمثابة حائط الأمان من غدر الزمن، والونس في أوقات الوحدة، والصحبة في خريف العمر.

يعيش الفنان حياة مبهجة حين يحقق نجاحات ويتصدر اسمه وصورته الأفيش ويحيطه التصفيق والإعجاب أينما حل، فيُستقبل بالزهور، ويُقيم في أفخم الفنادق، غير أن النهاية ليست دائماً وردية، لا سيما حين تنحسر الأضواء، وتتبدَّل الأحوال فينزوي، وقد لا يجد المسكن أو المأوى أو الرعاية المطلوبة حين يتقدَّم به العمر.

حدث هذا مع فنانين كبار، فقد عاشت الفنانة فاطمة رشدي إحدى رائدات الفن المصري الملقبة بـ«سارة برنار الشرق» أواخر أيامها في «بنسيون صغير» بوسط القاهرة بعد اعتزالها الفن وتدهور حالتها الصحية والمادية، وكان حلم حياتها أن يكون لها شقة تعيش بها، وتَدخَّل الفنان فريد شوقي لدى المسؤولين حتى خصَّصت لها الدولة وحدة سكنية، لكن الفنانة الرائدة رحلت بعد وقت قليل فلم تهنأ بالإقامة فيها.

دار إقامة كبار الفنانين مجهزة بخدمات كثيرة (إدارة الدار)

في حين عاش الفنان عبد العزيز مكيوي أحد نجوم فيلم «القاهرة 30» أواخر أيامه مُشرداً في شوارع الإسكندرية، وتدخلت نقابة الممثلين لعلاجه وإقامته بدار مسنين قبل وفاته؛ وغيرهما من حالات مماثلة عاشت قمة المجد، وشهدت نهاية مؤلمة على غرار الفنانَين زينات صدقي، وعبد الفتاح القصري. وهذه الحالات وغيرها كانت ماثلة أمام أعين نقابة الممثلين؛ ما جعلهم يتطلعون إلى إقامة دار لرعاية الفنانين الكبار.

يؤكد الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، أن «دار إقامة كبار الفنانين كانت حلماً نتطلَّع إليه من واقع نهايات مأساوية عاشها بعض رموز الفن، لكن هذا الحلم ظلَّ بعيدَ المنال، ولم يتحوَّل إلى واقع سوى حين تدخَّل الشيخ سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة لتمويله منذ البداية، فهو رجل محب لمصر، ويقدِّر الفنانين الذين أثروا الوجدان العربي، وقد تحمَّس لفكرة الدار، ويقوم برعايتها رعاية كاملة، ويتحمَّل جميع نفقاتها، وقد حرص منذ البداية لتكون هذه الدار مجانية بحيث لا يدفع الفنان أي رسوم مقابل إقامته».

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط» أنه «عند تأسيس الدار رأينا أن تكون دار إقامة لكبار الفنانين وليست دار مسنين، لأن بعضهم لا يزال لديه تحفظ على مسمى (دار المسنين)».

وتحتفل الدار بمرور 3 سنوات على تشغيلها الذي بدأ في 16 يوليو (تموز) 2023، وقد حصلت مؤخراً على قطعة أرض جديدة بجوارها ضمن توسُّعاتها الجديدة، واستقبلت نحو 40 فناناً منذ افتتاحها. حسبما يقول مديرها الفنان محمود عبد الغفار، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أنها تستقبل كبار الفنانين للإقامة الكاملة بها مجاناً، وتُقدِّم لهم خدمة فندقية في غرف فردية أنيقة مكيفة بحمام خاص، كما تضم حمام سباحة، ومكتبة، وصالة رياضة، واستراحة لاستقبال الضيوف، وحديقة واسعة.

نقيب الممثلين أشرف زكي والفنان محمود عبد الغفار مع عدد من الفنانين (إدارة دار إقامة كبار الفنانين)

ويشير عبد الغفار إلى أن استقبال الفنانين يتم من خلال تقدُّمهم شخصياً، أو عبر ذويهم، بطلب للإقامة في الدار، وأحياناً من خلال الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين ومؤسس الدار، الذي قد يجد بعض الفنانين متحرجين من التقدم بطلب الإقامة فيها، فيرفع عنهم هذا الحرج، ويدعوهم إلى الإقامة بها، كما حدث مع الفنان محيي إسماعيل.

وخلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في الدار، التقينا الفنان نبيل نور الدين، الذي انتقل للإقامة فيها مؤخراً إثر حادث سير تعرّض له. ويقول: «كنت أعبر الشارع عندما صدمتني دراجة نارية، وخضعت إثر ذلك لجراحة صعبة أقعدتني عن الحركة فترة من الزمن. ورغم أن عائلتي مستورة الحال، والحمد لله، وأن أبناء إخوتي دعوني للإقامة معهم بدلاً من العيش بمفردي في منزلي، فإنني زرت الدار بعد أن اقترح عليَّ الدكتور أشرف زكي الإقامة فيها. وقد أعجبتني كثيراً، وفضّلت أن أعيش وسط أصدقائي. ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه، من العلاج الطبيعي إلى نظافة المكان وأناقته، فضلاً عن توافر جميع الخدمات، حتى باتت بمثابة منزلي».

ويؤكد نبيل نور الدين أنه قرر التوقف عن التمثيل منذ عامين، بعد أن قدّم نحو 400 عمل فني، تنوعت بين الأفلام والمسلسلات والعروض المسرحية، موضحاً أن قراره جاء بسبب تحفظه على أجواء العمل الحالية. ويقول: «في الماضي، كنا ندخل موقع التصوير ونحن جميعاً أصدقاء، أما في السنوات الأخيرة فكنت أبقى وحيداً في غرفتي حتى ينادوني لتصوير المشهد. هذه ليست الأجواء التي اعتدتها وأحببتها».

الشاعرة كوثر مصطفى داخل مكتبة دار إقامة كبار الفنانين (إدارة الدار)

يحصل المقيمون في الدار على رعاية طبية ونفسية واجتماعية؛ إذ تضم عيادة طبية مجهزة، يتناوب عليها طبيب متخصص في أمراض القلب والحالات الحرجة، وطبيبة متخصصة في طب المسنين، إلى جانب استشاري للعلاج الطبيعي. كما تضم الدار مركزاً مجهزاً على أعلى مستوى للعلاج الطبيعي، يعمل تحت إشراف طبي، فضلاً عن توفير رعاية كاملة لمن لا يستطيع خدمة نفسه.

ويشير المخرج أشرف فايق، نجل شقيق الفنان محيي إسماعيل، الذي يقيم في الدار منذ أشهر عدًَّة، إلى أنه بعد انتهاء علاج إسماعيل في المستشفى، تقرر نقله إلى الدار بناءً على اقتراح من الدكتور أشرف زكي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت أن الدار لا ينقصها شيء، سواء من حيث الرعاية أو الإقامة الكاملة أو متابعة الحالة الصحية والنفسية»، لافتاً إلى أن عمه الكاتب بهيج إسماعيل يقيم في الدار منذ 3 سنوات. وأشاد فايق بهذا الصرح العظيم الذي يحفظ كرامة الفنانين، عادّاً ذلك نوعاً من التكريم للفنان.

وأحدثت زيارة الفنانين محمود حميدة، وياسر جلال لدار إقامة كبار الفنانين أثراً إيجابياً كبيراً في المقيمين؛ إذ حرصا على المرور بغرفهم والاطمئنان عليهم. ويلفت مدير الدار إلى أن هذه الزيارات تسعد المقيمين، مؤكداً أن الدار «بيت كل فناني مصر»، وأنها ترحب بزيارة الفنانين لزملائهم المقيمين فيها. ويوضح أن «الإقامة بالدار لا تقتصر على أعضاء نقابة الممثلين، بل تشمل فنانين من مختلف النقابات الفنية، مثل نقابتي الموسيقيين والسينمائيين».


عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.