جوردي كرويف: برشلونة لا يزال استثنائياً... واللاعبون مستعدون للتضحية بالأموال

جوردي كرويف (يسار) يرحب بضم أوباميانغ إلى النادي الكاتالوني (إ.ب.أ)
جوردي كرويف (يسار) يرحب بضم أوباميانغ إلى النادي الكاتالوني (إ.ب.أ)
TT

جوردي كرويف: برشلونة لا يزال استثنائياً... واللاعبون مستعدون للتضحية بالأموال

جوردي كرويف (يسار) يرحب بضم أوباميانغ إلى النادي الكاتالوني (إ.ب.أ)
جوردي كرويف (يسار) يرحب بضم أوباميانغ إلى النادي الكاتالوني (إ.ب.أ)

يقول المستشار الرياضي لنادي برشلونة، جوردي كرويف: «في النهاية، هناك شعور بالارتياح، ونحمد الله على ما وصلنا إليه. وإذا كانت الصفقات الجديدة مناسبة وقدمت مستويات جيدة، فسوف تشعر بأن العمل قد تم بشكل جيد». كان يتبقى دقيقة واحدة فقط قبل منتصف الليل في اليوم الأخير لفترة الانتقالات الشتوية الأخيرة، عندما وصلت الأوراق أخيراً وعرف برشلونة أنه بإمكانه تسجيل بيير إيمريك أوباميانغ، ليكون المهاجم الغابوني هو الصفقة الرابعة التي يبرمها برشلونة في يناير (كانون الثاني). وبعد ستة أسابيع، سجل أوباميانغ هدفين وصنع هدفاً آخر لفيران توريس، المنضم أيضاً لبرشلونة في فترة الانتقالات الشتوية الأخيرة، في المباراة التي سحق فيها النادي الكاتالوني غريمه التقليدي ريال مدريد برباعية نظيفة على ملعب «سانتياغو برنابيو».
وشهدت هذه المباراة إحراز أوباميانغ لهدفه التاسع منذ انتقاله لـ«كامب نو»، كما كانت المباراة رقم 12 لبرشلونة من دون هزيمة. وبالتالي، تشير كل المؤشرات إلى أن النادي الكاتالوني بدأ يستعيد عافيته ويعود إلى المسار الصحيح. إنها ليست مهمة سهلة على الإطلاق، حيث تتطلب اتخاذ قرارات يمكن أن «تحطم القلب»، كما لا يزال برشلونة يعاني من أزمة، وإن كانت بدرجة أقل. وفي الأول من سبتمبر (أيلول) الماضي، تولى جوردي كرويف منصب المستشار الرياضي للنادي، ثم عُيِن مديراً لكرة القدم الدولية، وأصبح الآن سكرتيراً فنياً بحكم الأمر الواقع، حيث يعمل جنباً إلى جنب مع المدير الفني للفريق، تشافي هيرنانديز، ومدير الكرة، ماتيو أليماني، فيما يتعلق بإبرام الصفقات الجديدة. لكن الاستعدادات تعود إلى ما هو أبعد من ذلك - فقد كان كرويف لاعباً ومدرباً ومديراً رياضياً.
يتحدث كرويف ببلاغة عن كيفية تعلمه من المدير الفني الاسكوتلندي السير أليكس فيرغسون، الذي يصفه بأنه «رجل سابق لعصره» و«لا يرحم»، لكنه «إنسان»، حتى لو لم يكن يدرك آنذاك أنه يتعلم مثل هذه الدروس. وكان والده يوهان، الذي توفي قبل ستة أعوام وكان سيكمل عامه الخامس والسبعين هذا العام، الشخصية الأكثر تأثيراً في عالم كرة القدم. لقد تركت مؤسسة كرويف إرثاً كبيراً، وهي تحتفل الآن بمرور ربع قرن من الزمان على إنشائها، ومن المؤكد أن جوردي كرويف هو أكثر شخص يشعر بأهمية هذا المكان.
لقد بنى يوهان كرويف برشلونة الحديث، والآن يساعد نجله جوردي في إعادة بناء الفريق مرة أخرى. وتجب الإشارة إلى أن المهمة صعبة للغاية، فقد رحل النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي بعدما عجز النادي عن دفع راتبه ورواتب لاعبين آخرين؛ ووصل حجم الدين إلى 1.35 مليار يورو في أغسطس (آب) الماضي، وحصل النادي على مزيد من القروض منذ ذلك الحين؛ واضطر اللاعبون إلى تخفيض رواتبهم، وعندما أعلنت رابطة الدوري الإسباني الممتاز مؤخراً عن سقف الرواتب، كان برشلونة قد تجاوز هذا السقف بـ144 مليون يورو - النادي الوحيد الذي يمتلك أرقاماً سلبية في هذا الصدد. باختصار شديد، لا يملك النادي أموالاً. لذلك، دعونا نطرح السؤال التالي: كيف تمكن برشلونة رغم هذه الأزمة المالية الطاحنة من التعاقد مع فيران توريس مقابل 55 مليون يورو؟ وكيف تعاقد مع داني ألفيش، وأداما تراوري، وأوباميانغ؟
يقول كرويف: «يمكن تلخيص الأمر في عبارة واحدة وهي: استهلاك الدين، حيث نقسم التكلفة على عدد معين من السنوات ونعمل من هذا المنطلق». لكن العملية معقدة للغاية، حيث يضع النادي خططاً طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى تعمل بالتوازي بعضها مع بعض، وهو التوازن المنشود بين إعادة بناء الفريق وخفض الديون. إن الصفقات التي عقدها برشلونة في فترة الانتقالات الشتوية الماضية تشمل صفقات انتقال نهائية وصفقات على سبيل الإعارة وصفقات مجانية بعد نهاية عقود اللاعبين مع أنديتهم الأصلية، وعُقد بعضها في اللحظات الأخيرة باعتبار ذلك السبيل الوحيدة للخروج من هذه الأزمة. وكانت الصفقة الرابعة التي أبرمها النادي هي داني ألفيش، الذي يبلغ من العمر 38 عاماً ولم يكن يلعب لأي نادٍ، ويريد العودة إلى ناديه السابق من أجل اللعب والمشاركة مع منتخب بلاده في نهائيات كأس العالم.
يقول كرويف عن ذلك: «قواعد اللعب المالي النظيف في إسبانيا والمشكلات الاقتصادية تعني أن كثيراً من الأشياء التي كانت ممكنة بشكل طبيعي في الماضي لم تعد ممكنة الآن». هذه القواعد تعني أن برشلونة يمكنه استثمار يورو واحد فقط مقابل كل أربعة يستطيع ادخارها؛ كما يقول كرويف، الذي يضيف: «الأمر أكثر صرامة مما هو عليه في بقية أنحاء أوروبا، وهو أمر يثير الفضول. الأمر أكثر مرونة في إنجلترا. أما في إسبانيا فيتم حظرك، لذا يجب أن تكون مبدعاً للخروج من هذه الأزمة».
ويضيف: «الآلية معقدة وجديدة بالنسبة لي، لكن ماتيو يفهمها جيداً. من المهم جداً أن يكون لديك فريق جيد، وأن يكون هناك اتصال مباشر، وأن يكون هناك صدق ووضوح مع الجميع. في بعض الأحيان تتوصل إلى حل يتعلق بكرة القدم ولا يمكنك القيام به. عندما تمر بموسم صعب فإنك تعاني بشدة، لكن ذلك يساعدك أيضاً في الرؤية بوضوح ووضع الأولويات المناسبة: قد تكون هناك بعض المراكز التي تريد تدعيمها، لكن ما الذي تحتاجه خلال هذه الأشهر الأربعة؟».
ويتابع: «في ظل هذا الوضع الاقتصادي الصعب، والحدود التي تفرضها قواعد اللعب المالي النظيف، يتعين على اللاعبين القادمين لبرشلونة أن تكون لديهم رغبة كبيرة للعب هنا. إنهم يعلمون أنه بإمكانهم الحصول على قدر أكبر من الأموال في أماكن أخرى، كما أن جميع اللاعبين الأربعة الذين تعاقدنا معهم يبذلون جهداً كبيراً من أجل مساعدة الفريق، وهو ما يجب أن نشيد به. لا يزال برشلونة نادياً استثنائياً، وما زال لدى كثير من اللاعبين رغبة في خسارة الأموال من أجل اللعب له».
وكان ألفيش قد أكد أن فريقه برشلونة عاش «ليلة للتاريخ» عقب الفوز الكاسح على ملعب ريال مدريد. وشارك ألفيش بدلاً من جوردي ألبا خلال الدقائق الأربع الأخيرة، بعدما اعتاد اللعب أساسيا مع برشلونة في مواجهات الكلاسيكو خلال فترة احترافه الأولى بين عامي 2008 و2016. ولدى سؤاله عما إذا كان هذا هو الفوز الأفضل على الريال، أوضح ألفيش: «إنه صعب، الفوز هنا دائماً ما يجلب السعادة، لن أختار، لكن هذه اللحظات دائماً ما تكون استثنائية». وأضاف: «لم نفز عليهم منذ فترة... وكسر هذا الحاجز أمر استثنائي».
وتجب الإشارة إلى أن ألفيش يحصل على الحد الأدنى للراتب الذي يسمح به الدوري الإسباني الممتاز، كما وافق أوباميانغ على الحصول على راتب أقل بكثير مما كان يحصل عليه مع آرسنال من أجل الانضمام لبرشلونة. وهذا يعني أن الأمر لم يكن سهلاً على الإطلاق، فالصفقة التي كانت تبدو مستحيلة في فترة ما بعد الظهيرة لليوم الأخير من فترة الانتقالات تم إحياؤها وإنهاؤها بنجاح قبل دقائق معدودة من الموعد النهائي وضم اللاعب بشكل نهائي بدلاً من ضمه على سبيل الإعارة، واضطر المهاجم الغابوني إلى إلغاء عقده مع آرسنال.
يقول كرويف: «الاعتماد على أطراف ثالثة في اليوم الأخير من فترة الانتقالات أمر صعب. كما أن التعاقد مع اللاعب بشكل دائم يكون أكثر تعقيداً بكثير من التعاقد على سبيل الإعارة وحسم الموقف النهائي في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز). أنت تنتظر، ويكون هناك شعور بالتوتر، وفترة الانتقالات على وشك الإغلاق، ولا يمكنك البحث عن بدائل، خصوصاً أن المهاجمين المميزين يكونون محط أنظار جميع الأندية التي تسعى لتدعيم خط هجومها. لكن القدر كان له دور ونحن سعداء بذلك. الجميع يشعر بالراحة عندما بدأت الأمور تسير بشكل جيد».
ويضيف: «فيران توريس يمثل حلاً قصيراً ومتوسطاً وطويل الأجل، وهو يمثل إضافة كبيرة للنادي. ولو لم يتعرض للإصابة لكان من الصعب جداً التعاقد معه. لولا تلك الإصابة فإنه كان سيلعب ويسجل الأهداف، وبالتالي كان مانشستر سيتي سيرفض بيعه. في بعض الأحيان ترى فرصة يجب اغتنامها بسرعة في سوق الانتقالات. إنه مصاب، وفريقه يفوز من دونه، وهي الظروف التي تخلق موقفاً لا يأتي دائماً، لكنه حدث هذه المرة». ويتابع: «دائماً ما تكون فترة الانتقالات الشتوية صعبة، لأن الأندية لن توافق على أن تمنحك لاعباً على سبيل الإعارة، وهو يلعب معها بشكل أساسي. لذلك، لديك لاعبون لا يلعبون كثيراً، لكن الدوري الإنجليزي الممتاز يتمتع بسرعة هائلة ويعتمد كثيراً على القوة البدنية، بحيث يكتسب اللاعب الذي يلعب هناك منذ بضع سنوات عادات وظروفاً معينة. هذا لا يعني أننا لم نفكر في التعاقد مع لاعبين جيدين آخرين من دوريات أخرى، لكن التعاقد مع لاعب قادم من الدوري الإنجليزي الممتاز يكون أكثر أماناً لأنك تعلم أن اللاعبين الذين يلعبون هناك يمتلكون القوة المطلوبة».
وخلال ثلاث مباريات لعبها في إسبانيا، أسهم آداما تراوري في عدد من الأهداف يعادل نفس عدد الأهداف التي أسهم فيها خلال آخر 25 مباراة له في الدوري الإنجليزي الممتاز. وفي المقابل، فإن عدد الأهداف التي سجلها اللاعب البرازيلي فيليب كوتينيو خلال عشر مباريات مع أستون فيلا يعادل عدد الأهداف التي سجلها خلال الموسمين الماضيين بالكامل مع برشلونة. يقول كرويف: «يمكن أن يحدث ذلك في عالم كرة القدم، وهذا ليس ذنب أحد». ومن المؤكد أن هذا الأمر يسعده أيضاً لأن تألق كوتينيو سيساعد برشلونة على بيعه بمقابل مادي جيد يساعد النادي في التغلب على مشاكله المالية.
كانت هناك اقتراحات بأن يتولى كرويف قيادة برشلونة بشكل مؤقت بعد إقالة رونالد كومان. وبدلاً من ذلك، تولى سيرجي بارخوان قيادة الفريق مؤقتاً حتى جاء تشافي. وتحسنت الأمور بشكل كبير تحت قيادة المدير الفني الإسباني الشاب، الذي يعمل معه كرويف عن كثب. يقول كرويف: «لقد كنت لاعباً ومدرباً ومديراً رياضياً، لكن لاعب كرة القدم هو أجمل شيء على الإطلاق، ولا أعرف ما الدور الذي سأقوم به في غضون 10 سنوات من الآن، لكن ما أعرفه حقاً هو أنني أركز بشكل كامل على أي دور أقوم به هنا، ولا أشتت انتباهي بأي شيء آخر. والقاعدة الأولى التي أؤمن بها دائماً هي ألا أنظر إلى وظيفة شخص آخر. ما يساعد أي مدير فني هو أن يضع نصب عينيه هدفاً معيناً يسعى لتحقيقه، وأن يكوّن فريقاً من 11 لاعباً متفاهمين للغاية فيما بينهم. قد تعتقد أن هذا اللاعب أو ذاك جيد للغاية، لكنه لا يناسب الطريقة التي يلعب بها فريقك. ومن المفيد مناقشة الأمور مع المديرين الفنيين بلغتهم الأصلية. هذا لا يعني بالضرورة أنك ستفهم الأمر بشكل صحيح، لكنه يساعدك في فهم اللاعب والمدرب بصورة أفضل ومعرفة احتياجات كل منهما».
من المؤكد أن برشلونة قد حقق نجاحاً كبيراً في فترة الانتقالات الشتوية الأخيرة، والدليل على ذلك أن الفريق لم يتعرض لأي خسارة منذ اليوم الأخير لفترة الانتقالات، حتى لو أكد كرويف أن الأمر لا يتعلق فقط باللاعبين الأربعة الجدد، والدليل على ذلك أن سيرجيو بوسكيتس وجيرارد بيكيه وجوردي ألبا يقدمون مستويات رائعة. يشير كرويف إلى أن إلقاء اللوم على اللاعبين القدامى هو «أسهل شيء»، مضيفاً: «يستحق المدير الفني الإشادة. صحيح أن اللاعبين الجدد ساعدوا في رفع مستوى الفريق وأضافوا قوة كبيرة وطاقة جديدة، لكن جميع اللاعبين أصبحوا يقدمون مستويات أفضل. يجب أن يكون هناك توازن».
ربما يكون «التوازن» هو أكثر شيء يحتاج إليه برشلونة في الوقت الحالي. لا يزال النادي يعاني من القيود المالية، ويتعين عليه التعامل مع هذه الأزمة في الوقت نفسه الذي يبحث فيه عن الالتزام بقواعد اللعب المالي النظيف لتسهيل إعادة بناء الفريق، ومدركاً أن مخاطر تعميق الديون لا تزال قائمة. هناك لحظة يتحدث فيها كرويف عن المشاكل الموروثة والتعاقدات التي ثبت فيما بعد أنها تمثل عبئاً كبيراً على النادي، وهو الأمر الذي يجعلنا نطرح السؤال التالي: هل التعاقدات التي يبرمها الفريق حالياً يمكن أن تكون مشكلة فيما بعد؟ وماذا لو تحول الإصلاح قصير الأجل إلى التزام طويل الأجل؟ يقول كرويف: «الآن، يتم التحكم في الأمور بحيث لا ترتد علينا بشكل سلبي في المستقبل. يجب التحكم في الرواتب أيضاً، كما تجب إعادة هيكلة الأجور. هذه هي الطريقة التي يجب أن تسير بها الأمور، وإلا سيحدث تأثير سلبي».
تسير الأمور بشكل جيد حتى الآن، لكن لا تزال هناك طريق طويلة يتعين على النادي السير فيها، وإن كان هناك مسار واضح بشكل كبير الآن. دائماً ما ينظر رئيس برشلونة خوان لابورتا إلى يوهان كرويف على أنه مرشد روحي، ودائماً ما يسأل نفسه: ماذا كان سيفعل يوهان كرويف في هذا الموقف أو ذاك؟ ويعترف جوردي بأنه ينظر إلى يوهان كرويف بالنظرة نفسها، حيث نشأ وهو يرى قدرة والده على التنبؤ بما سيأتي. لذا، ماذا كان يوهان كرويف سيقول الآن؟ يقول جوردي ضاحكاً: «ما سيقوله بالضبط عن هذا الموقف، سأحتفظ به لنفسي. لكنه كان إيجابياً في جميع الأوقات وفي كل شيء. كنت دائماً مندهشاً من ذلك: حتى في أصعب لحظات حياته، كان متفائلاً».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.