مانشستر يونايتد... قصة نادٍ يقدم مستويات سيئة ويمنح لاعبيه أعلى الرواتب

الخروج من دوري الأبطال كان أحدث مثال على تفكك الفريق وكشف عدم وجود رؤية واضحة للمستقبل

مشهد انكسار لاعبي مانشستر يونايتد بات متكرراً ودليلاً على الخلل في إدارة النادي (إ.ب.أ)
مشهد انكسار لاعبي مانشستر يونايتد بات متكرراً ودليلاً على الخلل في إدارة النادي (إ.ب.أ)
TT

مانشستر يونايتد... قصة نادٍ يقدم مستويات سيئة ويمنح لاعبيه أعلى الرواتب

مشهد انكسار لاعبي مانشستر يونايتد بات متكرراً ودليلاً على الخلل في إدارة النادي (إ.ب.أ)
مشهد انكسار لاعبي مانشستر يونايتد بات متكرراً ودليلاً على الخلل في إدارة النادي (إ.ب.أ)

قال أحد الشعراء الإنجليز في العصور الوسطى: «هذه الحجارة الجدارية عجيبة، فقد حطمتها الأقدار، كما تم تحطيم الأرصفة، وعمل العمالقة آخذ في الاضمحلال».
في الحقيقة، لم يحب الشعر الإنجليزي في العصور الوسطى شيئاً أفضل من «الخراب الجميل»، إن جاز التعبير، فكان يتطرق إلى أشياء مثل التعفن المكسو بالطحالب، والعظمة المحتضرة، والمدفأة الفارغة. لكن لكي أكون منصفاً، يجب أن أشير أيضاً إلى أن إنجلترا في العصور الوسطى كانت أيضاً باردة ورطبة وعرضة للقتال العنيف!
وبالتالي، لو كان الشعراء الإنجليز في العصور الوسطى موجودين اليوم، فإنهم كانوا سيجدون بكل تأكيد مادة دسمة لتناول الوضع الحالي لمانشستر يونايتد: التلويح بالأذرع، والوجوه المعذبة، والحزن الغريب لتلك الأضواء البيضاء الباردة في منتصف الأسبوع.
وقبل يوم واحد من الخسارة أمام أتلتيكو مدريد بهدف دون رد في دور الستة عشر لدوري أبطال أوروبا، وهي الخسارة التي لا تلقي بظلالها على الموسم الحالي للفريق فحسب، ولكن على الموسم المقبل أيضاً، تم تداول الأخبار التي تفيد بأن ملعب «أولد ترافورد» قد تتم تسويته وإعادة بنائه من الألف إلى الياء.


هل يستحق ماغواير أن يكون أغلى مدافع في إنجلترا؟ (إ.ب.أ)

ربما يكون هذا منطقياً من الناحية الاقتصادية، لكن هناك قلقاً كبيراً فيما يتعلق بالشكل الجمالي لهذا الملعب الرائع. لكن ما يحدث في مانشستر يونايتد هو نتيجة طبيعية للإنفاق الزائد وقلة المردود على أرض الواقع، الذي يعني أن مانشستر يونايتد لن يفوز بأي بطولة مرة أخرى هذا العام. ويبدو أن الرياضة على مستوى النخبة، أو على الأقل الجزء الذي نراه على أرض الملعب، لا يزال يخضع لشكل من أشكال المنطق.
لا أعني بهذا توجيه انتقادات إلى مانشستر يونايتد وحده، فهناك أندية أخرى في الدوري الإنجليزي الممتاز تدار بطريقة مثيرة للسخرية. لكن الموضوع هنا هو تجربة ملعب «أولد ترافورد» الفريدة في كرة القدم على مستوى النخبة، وهو الأمر الذي يعكس قبل كل شيء قصة المستوى المتراجع، وقصة الجشع الذي يُقابل بالمكافأة.
لقد فشل مانشستر يونايتد خلال السنوات الخمس الماضية في الفوز بأي بطولة. وخلال تلك الفترة، تعاقد النادي مع ثلاثة مديرين فنيين بشكل مثير للضحك، وتعاقد مع عدد من اللاعبين البارزين بمبالغ فلكية من دون أي دراسة واضحة لكيفية الاستفادة من هؤلاء اللاعبين معاً بشكل جماعي يصب في مصلحة الفريق في نهاية المطاف. كما حاول النادي الانضمام إلى بطولة دوري السوبر الأوروبي، واتخذ قراراً ربما يهدف إلى إلهاء الناس عما يحدث داخل الفريق من خلال التعاقد مع لاعب يبلغ من العمر 37 عاماً - كريستيانو رونالدو - ومنحه راتباً أسبوعياً يصل إلى نصف مليون جنيه إسترليني!
فما الرسالة، كما نقول في صحافة كرة القدم، التي كانت ستصل إلينا لو أدى هذا الفشل الذريع في كل المستويات داخل النادي إلى تحقيق النجاح في نهاية الأمر؟ وعلاوة على ذلك، فإن المشكلة الكبرى تتمثل في أن انهيار مانشستر يونايتد يزداد بمرور الوقت، ويكفي أن نرى ريو فرديناند وبول سكولز، جالسين مثل الآلهة القديمة الحزينة حول منضدة تحليل المباريات على شاشة التلفزيون، وهما يتحدثان عن حلول مفرطة في البساطة لهذه المشاكل المعقدة والمتراكمة التي يعاني منها النادي منذ سنوات.


رونالدو في سن الـ37 لم يعد قادراً على تلبية طلبات مدربه (رويترز)

وظل سكولز يؤكد خلال النقاشات بعد المباراة أن «المدير الفني الجيد حقاً» يمكن أن يحل مشاكل مانشستر يونايتد على أرض الملعب، بل وكان هناك تلميح إلى الهوس بالماضي، في ظل الحديث عما كان يحققه الفريق تحت قيادة المدير الفني الأسطوري السير أليكس فيرغسون. يتعين على مانشستر يونايتد أن يدرك حقيقة أنه لم تعد الأندية تحكمها شخصية واحدة، وأن النجاح ينبع من اتباع سياسة مدروسة وواضحة.
لكن سكولز كان محقاً في رأيه بشأن المدير الفني، فمنذ اعتزال السير أليكس فيرغسون، تعاقد مانشستر يونايتد مع ثلاثة مديرين فنيين - بما في ذلك ديفيد مويز وأولي غونار سولسكاير ورالف رانغنيك - لم يفوزوا من قبل بأي بطولة للدوري. لقد فشل أيضاً الهولندي الخبير لويس فان غال والبرتغالي المتفرد جوزيه مورينيو في تحقيق نجاح فوري، ولا يبدو حتى الآن أن الألماني رانغنيك الذي جاء في مهمة إنقاذ وبشكل مؤقت سيترك بصمة واضحة على مستوى ونتائج الفريق. لقد فشل في إقناع عشاق النادي بأن لديه خطة واضحة لحل المشاكل الكبيرة التي يعاني منها الفريق. كان مسؤولو مانشستر يونايتد يعتقدون أن مجرد التعاقد مع مدير فني ألماني صارم سيعيد الفريق إلى المسار الصحيح، لكن اتضح أن الأمر ليس بهذه السهولة.
لقد وُصف الفريق الحالي لمانشستر يونايتد مراراً وتكراراً خلال هذا الأسبوع بأنه «أغلى فريق تم تجميعه على الإطلاق»، لكن هذا يتجاهل حقيقة دفع مبالغ زائدة للاعبين يتم تقديرهم وتقييمهم بشكل مبالغ فيه.
يعد هاري ماغواير هو أغلى مدافع إنجليزي بفارق كبير عن باقي نظرائه في الدوري وربما أوروبا... فهل هو حقاً أفضل مدافع؟ بل هل هو حتى مدافع جيد جداً؟ إنه لاعب يؤدي بحماس ولعب بشكل جيد مع هال سيتي (54 مباراة) ومع ليستر سيتي (69 مباراة) قبل أن يقرر مانشستر يونايتد التعاقد معه وجعله أغلى مدافع إنجليزي في التاريخ.
لقد عانى اللاعبون من هذا الارتباك، وكانت هناك أحاديث كثيرة بعد الخسارة المؤلمة أمام مانشستر سيتي بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد عن وجود لاعبين لا يحاولون تقديم أفضل ما لديهم داخل المستطيل الأخضر، فضلاً عن توتر الأجواء داخل غرفة خلع الملابس.
وقد أشار رانغنيك بعد هذه المباراة التي أخرج فيها رونالدو من حساباته، إلى أنه لا يعلم ما إذا كان هدافه البرتغالي سعيداً في مانشستر يونايتد أم لا، ما أثار التكهنات بشأن وضع اللاعب ومستقبله في أولد ترافورد.
عاد رونالدو هذا الموسم إلى يونايتد بعد رحيله في عام 2009 إلى ريال مدريد الإسباني، وبدا غير راضٍ عقب إبقائه على دكة البدلاء مرات عدة.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية على وجه التحديد، بدا النجم البرتغالي في حالة بدنية تعكس عمره الحقيقي، وبالتالي، أصبح وجوده داخل الملعب يمثل مشكلة تكتيكية لأي مدير فني، خصوصاً إذا كان مثل رالف رانغنيك الذي يعتمد على الضغط العالي والمتواصل على الفريق المنافس. ويجب الاعتراف بأن رونالدو لم يعد يقدم المستويات نفسها التي كان يقدمها من قبل. لكن على الرغم من أنه فقد كثيراً من قدراته، فإنه ما زال يمتلك الكثير أيضاً.
الحقيقة هي أن اللاعبين ليسوا سيئين من الناحية الشخصية، وأن مانشستر يونايتد يمكن أن يخسر، لأنه ليس جيداً داخل الملعب، كما يحدث مع بعض الأندية الأقل شهرة. عندما سجل أتلتيكو مدريد هدف الفوز الأسبوع الماضي، بدا ماغواير وزميله بالدفاع ديوغو دالوت تائهين وعاجزين وغير قادرين على مواجهة لاعبي النادي الإسباني الأكثر قوة ومهارة. فهل يعود السبب في هذا إلى بعض المشاكل الثقافية العميقة في غرفة خلع الملابس؟ أم أن السبب في ذلك يعود إلى أن ماغواير ودالوت قد طُلب منهما اللعب من دون وجود أي خطة واضحة أو نظام مدروس؟
وفي وقت لاحق، وبينما كان مانشستر يونايتد يسعى للعودة في نتيجة المباراة، أشرك رانغنيك كلاً من نيمانيا ماتيتش وإدينسون كافاني وخوان ماتا، الذين يبلغ مجموع عمرهم معاً 101 عام! فهل هذا مناسب للعب في الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا؟ وهل يمكن لهذا الأمر أن يساعد مانشستر يونايتد في الفوز على نادٍ مثل أتلتيكو مدريد، الذي تقل فاتورة أجور لاعبيه عن نصف أجور لاعبي مانشستر يونايتد، لكنهم على الأقل يقدمون أداء متماسكاً ويجعلون المشاهد يشعر بأن هناك فريقاً جماعياً داخل الملعب؟
وكما أشار فرديناند على قناة «بي تي سبورت»، هناك حاجة إلى حل «شامل». إن ما يقدمه مانشستر يونايتد حالياً هو نتاج منطقي تماماً لعدم وجود رؤية واضحة وللفجوة الهائلة بين المدير الفني وملاك النادي، التي يتم ملؤها بعدد هائل من المسؤولين.
من الواضح للجميع أن مانشستر يونايتد يقدم مستويات سيئة للغاية داخل الملعب، ومن الواضح أيضاً أنه لا توجد رؤية واضحة أو سياسة مدروسة داخل النادي، وبالتالي فربما يكون الحل الوحيد هو تغيير ملكية النادي!



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.