لحظات رياضية مذهلة في 2021: رحيل ليونيل ميسي عن برشلونة

الثامن من أغسطس شهد زلزالاً كروياً برحيل ميسي عن برشلونة في مشهد لم يكن يتوقعه أحد (غيتي)
الثامن من أغسطس شهد زلزالاً كروياً برحيل ميسي عن برشلونة في مشهد لم يكن يتوقعه أحد (غيتي)
TT

لحظات رياضية مذهلة في 2021: رحيل ليونيل ميسي عن برشلونة

الثامن من أغسطس شهد زلزالاً كروياً برحيل ميسي عن برشلونة في مشهد لم يكن يتوقعه أحد (غيتي)
الثامن من أغسطس شهد زلزالاً كروياً برحيل ميسي عن برشلونة في مشهد لم يكن يتوقعه أحد (غيتي)

حتى عندما تم الإعلان رسمياً عن رحيل النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي عن برشلونة، لم يكن الأمر يبدو حقيقياً. وحتى عندما كان رئيس برشلونة يقف هناك ويؤكد رحيل ميسي، لم يكن الأمر يبدو صحيحاً. وحتى بعد كل تلك التحذيرات، كان الجميع يتشبث بالأمل في أن يكون هناك حل ما.
وبالفعل، كان هناك أمل في بقاء ميسي داخل «كامب نو»، ففي حوالي الساعة التاسعة مساءً من يوم الرابع من أغسطس (آب)، هبط ليونيل ميسي وعائلته في كاتالونيا، على متن طائرة خاصة من «إيبيزا». لقد جاء ميسي لتوقيع عقد جديد مع برشلونة، وتلاشت كل هذه المخاوف؛ لكن فجأة تم الإعلان عن بيان يؤكد أنه سيرحل.
كان ميسي قد انضم لبرشلونة وهو في الثالثة عشرة من عمره. والآن، وصل إلى سن الرابعة والثلاثين، وبعد أن أصبح كل شيء بالنسبة للنادي، فإنه سوف يرحل. لم يكن أي شخص يتوقع حدوث ذلك على الإطلاق، وما زال كثيرون يؤكدون أنهم لم يكونوا يتوقعون هذا. وحتى ميسي نفسه لم يكن يتوقع أن يأتي اليوم الذي يرحل فيه عن النادي الكاتالوني.
وقال في النهاية بعد 3 أيام، وبعد التأخير الذي كان بمثابة سبب آخر جعل الجميع يعتقد بأنه سيبقى: «كنا مقتنعين بأننا سنستمر هنا، في المنزل». وصدر البيان في الخامس من أغسطس، في تمام الساعة 7.33 مساءً، وسرعان ما انتشر في كل مكان، وكان عنوان البيان يقول: «ليو ميسي لن يبقى في نادي برشلونة». انتظر، ماذا تقول؟
وقال البيان: «على الرغم من توصل برشلونة وليونيل ميسي إلى اتفاق، وعلى الرغم من النية الواضحة لكلا الطرفين لتوقيع عقد جديد اليوم، فإن هذا لا يمكن أن يحدث بسبب لوائح الدوري الإسباني بشأن تسجيل اللاعبين». لقد تم إلقاء اللوم على طرف آخر، في الوقت الحالي.
لقد كان البيان فاتراً وقصيراً، للدرجة التي تجعل المرء يشعر وكأنه خدعة، أو كارت يتم توزيعه لتحقيق هدف ما. ثم ساد الصمت، ولم نر وداعاً مؤثراً وباكياً لأعظم لاعب في تاريخ النادي، ولم ينشر أي لاعب رسائل وداعية، ولم يقل ميسي أي شيء، وكأن الجميع لا يريدون الاعتراف بأن مسيرة اللاعب داخل برشلونة قد انتهت.
وفي اليوم التالي، تحدث رئيس النادي، خوان لابورتا؛ مشيراً إلى أنه لم يكن من الممكن التعاقد مع ميسي، بسبب وصول النادي إلى الحد الأقصى لسقف الرواتب المحدد من قبل رابطة الدوري الإسباني. وحتى من دون راتبه، كان الوضع «غير مستدام»، وبالتالي فإن رحيله غير كافٍ لإصلاح الأوضاع المالية بالنادي.
لكن حتى ذلك الحين، لم يبدُ أن الأمر قد انتهى تماماً؛ ربما تكون المرحلة الأولى من الحزن هي الإنكار، وكان من الطبيعي التفكير في أنه يجب أن تكون هناك طريقة ما لإصلاح هذا الأمر، من خلال القيام بأي شيء ممكن!
كان ذلك في أوائل أغسطس، وكان لا يزال هناك متسع من الوقت، حتى لو قال لابورتا إنه لا فائدة من «إطالة العذاب». فماذا سيحدث لو أدرك مسؤولو الدوري الإسباني ما سيخسرونه ومنحوا استثناء لبرشلونة؟ وماذا لو لعب ميسي من دون مقابل؟ ومهما كان هذا الاقتراح غير عادل، تخيلوا حجم التأثير الذي كان سيحدث لو تم تطبيق هذا الاقتراح! وعندما تم طرح هذه الأفكار، لم يقل لابورتا: «انسوا الأمر»؛ لكنه قال إنه لن يعطي «أملاً كاذباً»، وهو ما كان مثيراً للسخرية في حقيقة الأمر.
وعندما تحدث ميسي أخيراً، قال إنه «غير مستعد» للرحيل، ولا أي شخص آخر. لكن بطريقة ما كانوا جميعاً مستعدين. فقبل عام، كان ميسي نفسه قد أعلن أنه يريد الرحيل.
وكان الرئيس المؤقت للنادي آنذاك، كارلوس توسكيتس، قد اعترف بأنه من الناحية الاقتصادية كان يتعين على النادي بيع النجم الأرجنتيني. وتم انتخاب لابورتا رئيساً للنادي في ظروف صعبة للغاية؛ حيث كان الجميع يعلمون أنه لا يمكن للنادي تحمل نفقات ميسي. ثم كانت هناك حقيقة أساسية تم التغاضي عنها، وهي أن ميسي لم يعد لاعباً في برشلونة بعد الآن؛ حيث انتهى عقده في الأول من يوليو (تموز).
لكن كانت هناك رسائل أخرى. لقد خاض لابورتا حملته الانتخابية بناءً على وعد أساسي واحد، وهو أنه سينجح في الإبقاء على ميسي. وبالفعل، تناول ميسي وجبة الغداء مع لابورتا بعد الانتخابات، وتم التوصل لاتفاق؛ لكن لم يكن من الممكن تنفيذه. وعندما انتهى عقده، جاء العنوان الرئيسي لصحيفة «سبورت» اليومية الكاتالونية يقول: «رجاء الهدوء! ميسي سيبقى في برشلونة».
لكن في صباح اليوم التالي اعترف لابورتا قائلاً: «كنت أود أن أعلن بقاء ميسي؛ لكن لا يمكننا التأكيد على ذلك حتى الآن، ونحن نبحث عن أفضل حل».
وفي الثالث من يوليو، تناول لابورتا وجبة الغداء مع رئيس رابطة الدوري الإسباني الممتاز، خافيير تيباس، وغادر معتقداً بأنه سيتم العثور على صيغة مناسبة تمكِّن النادي من الاحتفاظ بلاعبه الفذ. وبحلول منتصف يوليو، علم برشلونة بإمكانية الوصول إلى حل؛ لكنه لم يعلن عن ذلك.
لقد اعترف لابورتا في وقت لاحق بأنه كان يعتقد أن ميسي قد ينقذهم جميعاً في اللحظة الأخيرة، وحتى قبل ظهور ميسي الوداعي، كان من الممكن تصديق ذلك بطريقة ما. لكن عندما ظهر ميسي، كانت الدموع بعينيه، وسط تلميحات بالاتهامات.
لكن الشيء اللافت للنظر هو السرعة التي يتحرك بها الناس، فحتى هتافات «ميسي» التي رددها الجمهور في الدقيقة العاشرة، لم تستمر حتى في الشوط الثاني من المباراة الافتتاحية في الموسم؛ وذهب القميص رقم 10 إلى أنسو فاتي بشكل عادي، وخالٍ من الضجة؛ وحتى اللافتات الاحتجاجية على رحيله لم تظهر إلا ليوم واحد فقط، واختفت بعد ذلك.
ومع ذلك، هناك تذكيرات دورية مؤلمة بفداحة الخسارة التي تكبدها النادي، برحيل أعظم لاعب في تاريخه، وما حدث بالفعل يجب أن يجعل لابورتا يطرح على نفسه هذه الأسئلة: هل تم القيام بما يكفي حقاً؟ وهل كان بالإمكان تفادي رحيل ميسي؟ وهل كان الأمر يتعلق بالمال فقط؟ وما هو الدور الذي لعبه ريال مدريد ومشروع الدوري الإسباني الممتاز في كل هذا؟ وما هو الدور الذي لعبته رابطة الدوري الإسباني الممتاز؟ ولماذا كان لابورتا يتحدث بشكل معين طوال الوقت ثم غير رأيه فجأة؟ ومن الذي جعله يغير رأيه؟ ولماذا لم ينتظر لوقت أطول ويستنفد كل السبل الممكنة؟ وهل كان ذلك سيؤدي إلى نتيجة إيجابية؟ ربما يكون هذا السؤال الأخير هو الأسهل، فالإجابة عليه هي: لا.
والآن، يحتل برشلونة المركز الخامس في جدول ترتيب الدوري الإسباني الممتاز، بفارق 15 نقطة عن غريمه ريال مدريد المتصدر.
وخرج من بطولة دوري أبطال أوروبا التي سجل فيها ميسي وحده أكثر من ضعف الأهداف التي سجلها النادي بأكمله! لقد كان هناك شعور بالشفقة لدى رؤيته في باريس، نظراً لأنه هو نفسه لم يكن يريد أن يكون هناك.
وعندما سُئل ميسي عما إذا كان بإمكانه اللعب مجاناً لبرشلونة، قال إنه ربما كان سيفعل لو طلبوا منه ذلك. وأشار لابورتا إلى أن ميسي كان بإمكانه بذل مزيد من الجهد أيضاً، وهي التصريحات التي أشارت إلى وجود انقسام وخلافات بين الطرفين. وعندما سُئل والد ميسي عما حدث، رد قائلاً: «اسألوا النادي».
وقال ميسي: «اعتقدت أنه قد تم التوصل إلى حل. لا يزال من الصعب استيعاب ما حدث. كان هناك عديد من الهزائم؛ لكن كانت هناك دائماً فرصة أخرى. لكن الأمر لم يكن كذلك هذه المرة، فلم يعد من الممكن العودة مرة أخرى».
لقد كان الأمر حقيقياً هذه المرة، وشهد الثامن من أغسطس زلزالاً كروياً برحيل ميسي عن برشلونة، في مشهد لم يكن يتوقعه أحد!


مقالات ذات صلة

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

رياضة عالمية فريق برشلونة (رويترز)

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

يتطلع فريق برشلونة للعودة لطريق الانتصارات عندما يستضيف فريق جيرونا بعد غد السبت في الجولة التاسعة من الدوري الإسباني لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
رياضة عالمية سيميوني قال إن فريقه لعب بشكل سيء أمام لاس بالماس (رويترز)

سيميوني: الدفاع جزء من أسلوبنا... نحتاج لاعبين يفهمون ذلك

أبدى دييغو سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد أسفه إزاء الأداء السيئ لفريقه بعد أن تلقت آماله الضعيفة في إحراز لقب دوري الدرجة الأولى الإسباني لكرة القدم ضربة قوية

«الشرق الأوسط» (مدريد )
رياضة عالمية لاعبو برشلونة خلال الإعداد لمواجهة اتلتيكو الصعبة بالكأس (ا ب ا)

قمة نارية بين برشلونة وأتلتيكو مدريد في نصف نهائي كأس إسبانيا اليوم

على وقع صراع ثلاثي ناري على صدارة الدوري الإسباني لكرة القدم، يصطدم برشلونة أول الترتيب بأتلتيكو مدريد الثالث في ذهاب نصف نهائي الكأس اليوم، في حين يحل ريال

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية لاعبو الريال خلال التدريبات الأخيرة (إ.ب.أ)

ديربي مدريد يشعل صراع الصدارة على وقع أزمة «التحكيم»

يقف ريال مدريد أمام مهمة معقدة وصعبة تحتم على لاعبيه التركيز عندما يواجهون أتلتيكو مدريد السبت، من أجل الحفاظ على صدارتهم للدوري الإسباني لكرة

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية انشيلوتي اعترف أن الريال في وضع صعب (إ.ب.أ)

أنشيلوتي قبل القمة الإسبانية: نحن في حالة طوارئ!

اعترف المدرب الإيطالي لنادي ريال مدريد متصدر الدوري الإسباني، كارلو أنشيلوتي، بأن فريقه «في حالة طوارئ» عشية ديربي حاسم نسبياً أمام ضيفه وجاره ومطارده المباشر

«الشرق الأوسط» (مدريد)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.