المغرب... تعزيز العلاقات بإسرائيل وتصعيد جزائري

تأكيد «التعاون الخليجي» قراراته الثابتة الداعمة لمغربية الصحراء

الملك محمد السادس مع الحكومة المغربية الجديدة في 7 أكتوبر الماضي (رويترز)
الملك محمد السادس مع الحكومة المغربية الجديدة في 7 أكتوبر الماضي (رويترز)
TT

المغرب... تعزيز العلاقات بإسرائيل وتصعيد جزائري

الملك محمد السادس مع الحكومة المغربية الجديدة في 7 أكتوبر الماضي (رويترز)
الملك محمد السادس مع الحكومة المغربية الجديدة في 7 أكتوبر الماضي (رويترز)

شكل تعزيز العلاقات بين المغرب وإسرائيل في المجالات العسكرية والأمنية والدبلوماسية، أحد أبرز أحداث سنة 2021 في المغرب.
ورغم أن عودة العلاقات بين البلدين بدأت منذ توقيع الاتفاق الثلاثي بين الولايات والمتحدة والمغرب وإسرائيل، في 22 ديسمبر (كانون الأول) 2020، فإن العلاقات تطورت بشكل أكبر في غضون هذه السنة، خصوصاً مع زيارة وزيري الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد والدفاع بيني غانتس إلى المغرب، والتوقيع على اتفاقيات.
هذه التطورات أدت إلى ارتفاع منسوب التوتر في العلاقات بين المغرب والجزائر، مع أن التوتر متواصل بينهما منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي جراء مناوأة الجزائر وحدة تراب المغرب، وإعلان جبهة البوليساريو الانفصالية عام 1976 من جانب واحد، تأسيس «الجمهورية الصحراوية» بدعم من «جزائر هواري بومدين» و«ليبيا معمر القذافي».
وجاءت عودة العلاقات بين المغرب وإسرائيل، بعد توقيع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، على مرسوم رئاسي في 10 ديسمبر 2020 تعترف بموجبه الولايات المتحدة بمغربية الصحراء، وهو ما شكل تحولاً كبيراً في الموقف الأميركي، لكنه ارتبط باتفاق شامل يقضي بعودة العلاقات بين المغرب وإسرائيل.
وفي 22 ديسمبر 2020، نزلت طائرة إسرائيلية في مطار الرباط، في أول رحلة تجارية مباشرة من إسرائيل إلى المغرب، وعلى متنها مستشار الرئيس ترمب وصهره جاريد كوشنر ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي آنذاك مائير بن شبات، وهو يهودي من أصل مغربي، والمساعد الخاص للرئيس الأميركي والممثل الخاص المكلف المفاوضات الدولية أفراهام بيركوفيتش.
وخلال الزيارة، جرى التوقيع على اتفاقيات بين المغرب وإسرائيل تشمل فتح خط جوي مباشر بين البلدين، وربط النظامين المصرفيين في البلدين، إضافة إلى تدبير موارد المياه، بحسب ما ذكرت مصادر إسرائيلية رسمية.
لكن هذه العلاقات أخذت أبعاداً أكبر منذ زيارتي لبيد وغانتس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إذ جرى التوقيع في أغسطس (آب) 2021 على اتفاقيتين بين لبيد ونظيره المغربي ناصر بوريطة، لتعميق التعاون وتعزيز العلاقات، ومذكرة تفاهم لإحداث آلية للتشاور السياسي.
وشملت الاتفاقية الأولى التعاون في مجال الثقافة والرياضة والشباب وتعزيز وتطوير العلاقات الثنائية والتعاون بشأن الخدمات الجوية بين البلدين. وفعلاً، انطلقت رحلات تجارية مباشرة بين البلدين في 25 يوليو (تموز) الماضي.
واستأثرت زيارة غانتس للرباط باهتمام إعلامي كبير، لأنها الأولى لوزير دفاع إسرائيلي للمغرب. وجرى خلالها التوقيع على مذكرة تفاهم في مجال التعاون العسكري والأمني، وهو الأول من نوعه بين إسرائيل ودولة عربية.
وترسم مذكرة التفاهم التعاون الأمني بين المغرب وإسرائيل بـ«مختلف أشكاله» في مواجهة «التهديدات والتحديات التي تعرفها المنطقة»، بحسب ما قال الجانب الإسرائيلي.
وستتيح هذه المذكرة للمغرب اقتناء معدات عسكرية إسرائيلية عالية التكنولوجيا، إضافة إلى التعاون في التخطيط العملياتي والبحث والتطوير.
لكن هذا التطور في العلاقات مع إسرائيل، وكسب الرباط موقفاً أميركياً داعماً لقضية الصحراء المغربية، أثارا حفيظة الجزائر التي اتخذت سلسلة من المواقف المتشددة تجاه المغرب، وصلت حد التهديد بالحرب.
ولا تخفي الجزائر دعمها لـ«جبهة البوليساريو» التي تطالب بانفصال الصحراء عن المغرب، وتأوي مقاتليها في مخيمات تندوف (جنوب شرقي الجزائر) وتزودهم بالسلاح والعتاد، كما أنها تجند دبلوماسيتها في المحافل الدولية للدفاع عما تصفه بـ«حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير».
وفي أغسطس 2020، أثار مندوب المغرب لدى الأمم المتحدة السفير عمر هلال قضية «القبايل» في الجزائر، كرد فعل على دعم الجزائر لانفصال الصحراء، معتبراً أن شعب القبايل (القبائل) «له أيضاً الحق في تقرير المصير»، ومتسائلاً: «لماذا تنكر الجزائر عليه ما تطالب به المغاربة بشأن الصحراء؟».
وكرد فعل على هذا الموقف، قامت الجزائر بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب يوم 24 أغسطس الماضي، ومنعت الطائرات المغربية من عبور أجوائها، ورفضت تجديد اتفاقية نقل الغاز عبر التراب المغربي إلى أوروبا عبر الأنبوب المغاربي.
وجاءت قضية «التجسس» باستعمال البرنامج الإسرائيلي «بيغاسوس»، لتلقي مزيداً من الزيت على نار التوتر بين البلدين، بعدما اتهمت الجزائر الرباط باستعمال البرنامج للتجسس على كبار مسؤوليها. بيد أن التهديدات اتخذت أبعاداً جدية، حين اتهمت الجزائر الرباط باستهداف شاحنتين جزائريتين بـ«سلاح متطور» في الأول من نوفمبر الماضي، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من مواطنيها في قصف قالت إنه وقع في المنطقة الحدودية بين موريتانيا وأراضي الصحراء (المنطقة العازلة في الصحراء المغربية)، متوعدة بأن الأمر «لن يمر من دون عقاب». فيما نفت الرباط هذه الاتهامات. وصرح مصدر مغربي رفيع المستوى لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) قائلاً: «إذا كانت الجزائر تريد الحرب، فالمغرب لا يريد ذلك». كما نفى المصدر ذاته شن القوات المسلحة الملكية غارة على أهداف مدنية أو عسكرية في الأراضي الموريتانية أو الجزائرية، معتبراً أن «القصف الجوي المغربي لشاحنات جزائرية كانت في طريقها إلى موريتانيا» قضية مفتعلة. كما نفت السلطات الموريتانية تنفيذ أي هجوم داخل أراضيها.
وكشف المصدر ذاته أن شاحنتين جزائريتين عبرتا حقلاً ملغوماً، وكانتا تحملان عتاداً عسكرياً لـ«جبهة البوليساريو». وتبين أن الشاحنتين كانتا تمران في منطقة عازلة شرق الجدار الأمني الذي بناه المغرب لمواجهة هجمات ميليشيات «جبهة البوليساريو»، وهي أرض مغربية منزوعة السلاح تخضع لمراقبة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (مينورسو).
وجاء هذا التصعيد بعد تسجيل مقتل ثلاثة سائقين مغاربة في شمال مالي في سبتمبر (أيلول) 2021، إثر هجوم مسلح لمجهولين على شاحنتهم التجارية، التي كانت تعبر من المغرب إلى أفريقيا. وجرى الحديث آنذاك عن تورط المخابرات الجزائرية في الهجوم.
ويرى مراقبون أن نار الخلافات بين المغرب والجزائر، اشتعلت بقوة مند إعلان الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، وقبلها تحرير الجيش المغربي لمعبر الكركرات الحدودي من عناصر «البوليساريو» الذين عرقلوا حركة النقل التجارية والمدنية بين المغرب وموريتانيا، وإعادة الأمور إلى طبيعتها.
وارتفعت حدة الحملة الجزائرية ضد المغرب بعد زيارة لبيد للرباط، والتي أطلق منها انتقادات للجزائر متهماً إياها بالتقارب مع إيران. كما زادت زيارة غانتس للرباط من ارتفاع حدة التوتر الجزائري.
وكانت الجزائر التي ستحتضن القمة العربية في مارس (آذار) المقبل، أعلنت على لسان مسؤوليها أن القمة المقبلة ستبحث الوضع في فلسطين وقضية الصحراء. ولم يتأخر الرد على الرغبة الجزائرية، وكان واضحاً وصريحاً من القمة الثانية والأربعين الأخيرة لقادة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت في الرياض في 14 ديسمبر برئاسة المملكة العربية السعودية؛ إذ أكد قادة دول مجلس التعاون، وفق ما جاء في البيان الختامي للقمة، على مواقفهم وقراراتهم الثابتة الداعمة لمغربية الصحراء والحفاظ على أمن المملكة المغربية واستقرارها ووحدة أراضيها.
وأشاد البيان الختامي للقمة بقرار مجلس الأمن رقم 2602 الصادر بتاريخ 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 بشأن الصحراء المغربية. كما أكد أهمية الشراكة الاستراتيجية الخاصة بين مجلس التعاون والمملكة المغربية وتنفيذ خطة العمل المشتركة.



بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب التي تدخل تداعياتها الشهر الرابع، يستمرُّ الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة بعد أسبوع من جولة مفاوضات جديدة تستضيفها القاهرة لم تخرج بنتائج نهائية بعد.

وتتباين تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن إمكانية أن تشمل التسوية المرتقبة بين واشنطن وطهران الملف الفلسطيني، بينما أكدوا أن وقف الحرب سيسمح بتفرغ أميركي أكبر لملف الاتفاق في القطاع، والضغط على الأطراف لتحقيق تقدُّم حقيقي.

 

تسوية محتملة وشيكة

 

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي تتوسَّط بلاده بين إيران والولايات المتحدة في منشور السبت على منصة «إكس»: «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى، مع توقُّع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف: «نحن على ثقة بأنَّ اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكِّل أساساً متيناً لسلام دائم»، من دون أن يوضِّح هل ستشمل التسوية ملف غزة أم لا.

غير أنَّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمّح للقطاع في تصريحات صحافية، الجمعة، بالقول: «لن نتخلى أبداً عن (حزب الله)، وإنهاء الحرب سيشمل لبنان وسائر الجبهات».

ولا يعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، الدكتور سعيد عكاشة، أنَّ مذكرة التسوية المطروحة بين واشنطن وطهران قد تشمل ملف قطاع غزة، مؤكداً أنَّ توقيع المذكرة قد يفتح الباب لمنح الإدارة الأميركية مهلة شهرين على الأقل للتفرغ والاهتمام بملف غزة بشكل أكبر بعد توقيع مذكرة التسوية ودفع الاتفاق المتعثر.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن «إيران تريد أن تشمل التسوية لبنان ومناطق أخرى، وهذا المأمول، ولا نعرف متغيرات الأمور ستصل إلى ماذا خلال الساعات المقبلة»، معتقداً أنَّ مفاوضات القاهرة، التي لم تغلق بشكل كامل، تشي بأنَّه لا تزال هناك رؤية قائمة نحو التوصُّل لتسويات كثيرة في ملف قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بالميليشيات المتعاونة مع تل أبيب، وسلاح القطاع، وانسحاب إسرائيل، تزامناً مع تسوية ملف إيران.

ويرجح الرقب في ضوء استمرار مناقشات القاهرة أن ملف غزة لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، لافتاً إلى أنَّ تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية تعزِّز الاعتقاد بأنَّ ملف غزة قد يكون ضمن ملفات التسوية الإقليمية الشاملة المقبلة بشكل كامل.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية خلال موكب جنازته بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشدد إسرائيلي

 

ولم تُكشَف بنود تسوية طهران وواشنطن بعد، غير أنَّ وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صرَّح الجمعة، بأنَّ تل أبيب تتوقَّع من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الالتزام بالمصلحة المشتركة الأميركية - الإسرائيلية في ملف إيران، مشدِّداً على أنَّ تل أبيب «لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

وفي ضوء هذه الرؤية الإسرائيلية، يرجح عكاشة أن «إسرائيل ستواصل تعطيل الاتفاق، و(حماس) ستساعدها على ذلك بإصرارها على الاحتفاظ بما تبقَّى لديها من سلاح متهالك»، متوقعاً أن تستمر إسرائيل في البقاء بالمساحات المحتلة بالقطاع، والعمل على تنفيذ مخطط التهجير عبر تضييق المساحات الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين؛ وقد يصل الإسرائيليون إلى 75 في المائة من 60 في المائة حالياً، ويحصرون الفلسطينيين في 25 في المائة فقط من مساحة القطاع، دون تصعيد عسكري شامل في القطاع لأنَّ ضريبته كبيرة في مواجهة مع المدنيين في ظلِّ أن (حماس) لم تعد قوة عسكرية مؤثرة.

بالمقابل، يحذر الرقب من أنَّه حال تمَّ إنهاء الملفَين اللبناني والإيراني دون الوصول إلى رؤية تسوية واضحة تجاه غزة، فإنَّ ذلك سيثير مخاوف كبرى تكمن في أن يتفرَّد الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع، لا سيما أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعدُّ غزة الورقة الأضعف، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإنَّه يجد نفسه بحاجة ماسة للحصول على أصوات المؤيدين والناخبين من خلال مواصلة ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

مسار الوسطاء

 

ووسط تلك المخاوف، تذهب المطالب الدولية إلى أهمية أن تكون التسوية شاملة كل المنطقة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 9 يونيو (حزيران) الحالي في منشور على منصة «إكس»: «يجب أن تتوقف جميع الهجمات فوراً. ويجب الالتزام الكامل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة».

وجاءت تلك التصريحات الأممية بينما كانت المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في القاهرة مستمرة للتوصُّل إلى اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتفاق على مبدأ حصر السلاح في غزة بيد هيئة فلسطينية «متفق عليها»، مع انتظار لرد إسرائيل، بحسب مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ووسط هذه التطورات، فإنَّ وقف «حرب إيران» قد يساعد على تغيير الأمور، وتتجه الإدارة الأميركية لصبِّ اهتمام أكبر على ملف غزة، مما يتيح للوسطاء للضغط على «حماس» ومحاولة التقدُّم في المفاوضات، ويكون في المقابل هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، بحسب تقديرات عكاشة.

ويعتقد الرقب أن مساعي القاهرة والوسطاء تستمر بنشاط في هذا التوقيت الحرج بتاريخ المنطقة لمحاولة دفع «اتفاق غزة» للأمام، بناء على تسوية مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أهمية أن تنتهي جولة المفاوضات الحالية بالقاهرة بحلٍّ ينهي عراقيل مشروع نتنياهو الرامي إلى استمرار الحرب والتدمير في قطاع غزة.

 

 


نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
TT

نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)

اتسعت عمليات العبث والنهب التي تطول المواقع الأثرية في مناطق سيطرة الحوثيين لتصل إلى مدينة ظفار، عاصمة مملكة حِمْيَر التاريخية، والواقعة حالياً في محافظة إب وسط اتهامات لنافذين بالتورط في أعمال تنقيب غير مشروعة، وتحذيرات من باحثين ومهتمين بالتراث من ضياع ما تبقى من الإرث الحضاري اليمني في ظل غياب الحماية والمحاسبة.

ويؤكد باحثون ومهتمون بالآثار أن الحرب التي أشعلها الحوثيون فتحت الباب أمام موجة غير مسبوقة من تهريب الآثار، حيث يقدَّر خروج أكثر من عشرين ألف قطعة أثرية إلى خارج البلاد خلال السنوات الماضية، في وقت تتعرض فيه مواقع تاريخية عديدة لعمليات نهب متواصلة تهدد بفقدان شواهد مهمة من تاريخ اليمن القديم.

توثيق عمليات تنقيب غير مشروعة في مواقع أثرية يمنية (إعلام محلي)

وقال سكان في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) إن نافذين في مديرية السدة نفّذوا، نهاية الشهر الماضي، عمليات حفر في قرية العرافة الواقعة ضمن منطقة ظفار الأثرية، مستخدمين أجهزة كشف متطورة للبحث عن الكنوز واللقى الأثرية.

وأوضحوا أن أعمال الحفر استمرت ثلاثة أيام متواصلة وشملت عدداً من المواقع التاريخية، قبل أن يغادر المنقبون المنطقة بعد الاستيلاء على مقتنيات أثرية مجهولة القيمة.

اختفاء الحراسة

حسب إفادات السكان، فإن أفراد الحراسة المكلفين بحماية المنطقة الأثرية اختفوا طوال فترة الحفر، رغم أن عددهم يتجاوز ثلاثين شخصاً، الأمر الذي أثار شكوكاً واسعة حول وجود تواطؤ أو تغاضٍ متعمَّد عن عمليات النهب.

وأكد الأهالي أن اللصوص غادروا لاحقاً باتجاه مديرية يريم المجاورة دون أن يواجهوا أي اعتراض، في حين لم تتخذ الجهات المختصة أي إجراءات رغم إبلاغها بما جرى. كما أشاروا إلى أن إدارة الآثار في المحافظة لم تتفاعل مع البلاغات المقدمة إليها، الأمر الذي عزز المخاوف من استمرار الاعتداءات على المواقع التاريخية.

مواقع أثرية في مأرب تواجه الإهمال وسط دعوات لتعزيز الحماية (إعلام محلي)

وتساءل السكان عن جدوى وجود قوة مكلفة بحراسة المنطقة تمنع المواطنين من الاقتراب منها، بينما تغيب خلال عمليات الحفر والنهب، محمِّلين مكتب الآثار في المحافظة وإدارة آثار مديرية السدة وطاقم الحراسة مسؤولية التقصير في حماية المواقع الأثرية وصون محتوياتها.

ويقول باحثون ومهتمون بالتراث في محافظة إب إن نهب الآثار تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متكررة تهدد بفقدان جزء مهم من الهوية الحضارية لليمن، داعين إلى تشكيل لجنة تحقيق ميدانية للكشف عن ملابسات الواقعة وضبط المتورطين واستعادة القطع المنهوبة وإيداعها في المتحف المحلي.

دعوات للطوارئ

وفي تطور موازٍ، أطلق أكاديميون وباحثون ومهتمون بالشأن الأثري نداءً لإعلان «حالة طوارئ مجتمعية وثقافية» لحماية أبرز المواقع الأثرية في محافظة مأرب، وفي مقدمها معبد أوام المعروف بـ«محرم بلقيس» ومقبرته التاريخية، إلى جانب معبد برّان الشهير بـ«عرش بلقيس».

وانتقد الموقِّعون على بيان بهذا الشأن ما وصفوها بحالة الصمت تجاه الأخطار التي تواجه هذه المعالم التاريخية، معتبرين أن الجهات المعنية بحماية التراث الثقافي، إضافةً إلى السلطات المحلية، تتحمل مسؤوليةً مباشرةً عن استمرار التدهور والإهمال.

وأكد البيان أن حماية المواقع الأثرية لا تتحقق عبر البيانات والتصريحات فقط، وإنما من خلال إجراءات عملية تشمل الرقابة والحراسة الدائمة ومنع الاعتداءات والتعديات، محذراً من أن استمرار التجاهل قد يقود إلى خسائر لا يمكن تعويضها.

ورأى الباحثون أن أي ضرر يلحق بمعبد أوام أو مقبرته التاريخية سيشكّل دليلاً على فشل المؤسسات المعنية في أداء واجباتها، وسيسجَّل كواحد من أسوأ مظاهر التفريط بالتراث الوطني اليمني، نظراً إلى ما تمثله هذه المواقع من قيمة حضارية وإنسانية تتجاوز حدود اليمن.

ودعا البيان الأكاديميين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني إلى ممارسة مزيد من الضغط من أجل اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المواقع الأثرية ومحاسبة المقصرين، مشدداً على أن تلك المعالم ليست ملكاً لمنطقة أو جيل بعينه، بل تمثل إرثاً وطنياً وإنسانياً ينبغي الحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

في السياق ذاته، وصفت المهتمة بالآثار تهاني يوسف ما تتعرض له معابد مأرب التاريخية من إهمال بأنه «جريمة بحق التاريخ والهوية اليمنية»، مؤكدةً أن الوقت لم يعد يسمح بالاكتفاء بمتابعة ما يحدث من بعيد، داعيةً السلطات والمؤسسات المختصة إلى الانتقال من مرحلة البيانات إلى خطوات عملية تضمن حماية هذه الكنوز الحضارية من العبث والاندثار.


تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)

حذَّر تقرير أممي من أن استمرار انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية إلى جانب إيران، بالتزامن مع التراجع الحاد في التمويل الإنساني، يهدد بدفع اليمن نحو مرحلة أكثر خطورة من الأزمة الإنسانية، في وقت أُغلق فيه أكثر من 450 مرفقاً صحياً، بينها 76 مستشفى، نتيجة نقص الموارد المالية وازدياد الاحتياجات الإنسانية.

وأكد التقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية، أن أي تصعيد عسكري جديد أو ردود انتقامية مرتبطة بانخراط الجماعة الحوثية في الحرب الإقليمية، قد تؤدي إلى موجات نزوح إضافية وسقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الموانئ ومنشآت التخزين، الأمر الذي سيزيد من تعقيد الأوضاع المعيشية لملايين اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ودعا التقرير المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لسد فجوة التمويل المتفاقمة، محذراً من أن استمرار تقليص المساعدات الإنسانية سيؤدي إلى فقدان مزيد من الأرواح وتعريض المجتمعات المحلية لمزيد من الهشاشة وعدم الاستقرار، فضلاً عن اقتراب الخدمات الأساسية من نقطة الانهيار.

نقص التمويل أدى إلى إغلاق 76 مستشفى ومئات المرافق الصحية في اليمن (الأمم المتحدة)

وتقول المنظمة الدولية، إن التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط تنطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة لليمن، بعد انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية من خلال هجمات استهدفت إسرائيل. وأوضح التقرير أن دائرة الصراع بدأت بالفعل في استدراج أطراف متعددة، ما يزيد من احتمالات توسع النزاع وانعكاساته على الوضع الإنساني في اليمن.

وحذرت المنظمة من أن أي ضربات عسكرية محتملة تستهدف مناطق سيطرة الحوثيين قد تتسبب في موجات نزوح جديدة، وتؤدي إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية والاقتصادية، وهو ما سيؤثر بصورة مباشرة على وصول المساعدات الإنسانية وسلاسل الإمداد الأساسية.

تقليص المساعدات

أكد التقرير الأممي أن الارتفاع المستمر في الاحتياجات الإنسانية في اليمن، بالتوازي مع التخفيضات الكبيرة في التمويل الدولي، وتراجع القدرة على الوصول إلى المحتاجين، دفع المنظمات الإنسانية إلى تقليص كثير من البرامج المنقذة للحياة.

وشددت منظمة الصحة العالمية على أن توفير تمويل كافٍ للاستجابة الإنسانية وضمان وصول المساعدات دون عوائق، يمثلان شرطاً أساسياً لمنع تفاقم الكارثة، مشيرة إلى أن نحو 22.3 مليون يمني ما زالوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية.

الحرب تسببت في تراجع التنمية البشرية باليمن بما يعادل أكثر من عقدين (إعلام محلي)

ويعاني نحو 5 ملايين يمني من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 1.4 مليون شخص يواجهون أوضاعاً مصنفة ضمن مرحلة الطوارئ، وهي من أخطر مراحل الجوع وفق التصنيفات الدولية.

كما حذرت المنظمة من استمرار تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل شلل الأطفال والكوليرا والحصبة والدفتيريا وحمى الضنك والملاريا، مؤكدة أن ضعف برامج التحصين وانتشار المعلومات المضللة أسهما في تفاقم هذه الأوضاع الصحية.

إغلاق المستشفيات

أبرز التقرير الأممي التأثير المباشر لأزمة التمويل على القطاع الصحي؛ إذ لم يحصل برنامج الاحتياجات الإنسانية والاستجابة خلال العام الماضي إلا على 29 في المائة من التمويل المطلوب، ما أجبر المنظمات الإنسانية على تقليص أو تعليق عدد كبير من الخدمات الأساسية.

وحسب التقرير، أدى انخفاض التمويل حتى مايو (أيار) الماضي إلى تراجع خدمات التغذية بنسبة 63 في المائة، كما تسبب في إغلاق أكثر من 450 مرفقاً صحياً، من بينها 76 مستشفى، خلال العام الماضي، ما حرم ملايين اليمنيين من خدمات الرعاية الصحية الأساسية.

منظمات أممية تحذر من تحول الأزمة اليمنية إلى «أزمة منسية» (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن سنوات الحرب الطويلة تسببت في تراجع التنمية البشرية في اليمن بصورة حادة، موضحة أن البلاد فقدت بحلول عام 2019 ما يعادل 21 عاماً من التقدم التنموي، مع تحذيرات من أن استمرار النزاع حتى عام 2030 قد يرفع هذه الخسائر إلى ما يقارب 4 عقود من التنمية.

أزمة منسية

من جهته، وصف فرانشيسكو غالتيري، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، الوضع الإنساني في البلاد بأنه «أزمة منسية»؛ مشيراً إلى أن الغذاء والرعاية الصحية يمثلان الاحتياجين الأكثر إلحاحاً بالنسبة لملايين اليمنيين.

وأوضح أن معدلات سوء التغذية تواصل الارتفاع، بينما تواجه النساء في المناطق الريفية والنائية صعوبات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية، لافتاً إلى أن نحو 65 ألف امرأة حامل يحتجن إلى المساعدة خلال فترات الحمل والولادة.

وأعاد المسؤول الأممي التذكير بأن اليمن يسجل أعلى معدل لوفيات الأمهات في المنطقة العربية؛ حيث تفقد 3 نساء حياتهن يومياً، بسبب مضاعفات الحمل أو أثناء الولادة، مؤكداً أن غالبية هذه الوفيات كان يمكن تجنبها لو توفرت خدمات الرعاية الصحية المناسبة.

وأكد غالتيري أن النقص الحاد في التمويل بات يهدد برامج صندوق الأمم المتحدة للسكان، كما يهدد معظم العمليات الإنسانية العاملة في اليمن، موضحاً أن تراجع التمويل بنحو 40 في المائة خلال العام الماضي بسبب انسحاب عدد من المانحين، أجبر الصندوق على تعليق ما بين 30 و35 في المائة من الخدمات التي كان يقدمها للمستفيدين.