«بريطانيا كوفيد»... سلامة اللاعبين والمشجعين في المرتبة الثانية

هناك قناعة بأن النشاط الكروي يجب أن يستمر بأي ثمن... والفريق الذي يملك 13 لاعباً فقط سيلعب أو يواجه إجراءً تأديبياً

رابطة الدوري أوقفت النشاط  في مارس الماضي  بعد ظهور حالتي إصابة فقط بـ«كورونا» (غيتي)
رابطة الدوري أوقفت النشاط في مارس الماضي بعد ظهور حالتي إصابة فقط بـ«كورونا» (غيتي)
TT

«بريطانيا كوفيد»... سلامة اللاعبين والمشجعين في المرتبة الثانية

رابطة الدوري أوقفت النشاط  في مارس الماضي  بعد ظهور حالتي إصابة فقط بـ«كورونا» (غيتي)
رابطة الدوري أوقفت النشاط في مارس الماضي بعد ظهور حالتي إصابة فقط بـ«كورونا» (غيتي)

في مارس (آذار) 2020 تم إيقاف جميع أنشطة كرة القدم في إنجلترا واسكوتلندا، بعد اكتشاف حالتين فقط بالإصابة بفيروس «كورونا»: الأولى للمدير الفني لآرسنال ميكيل أرتيتا، والثانية للاعب تشيلسي كالوم هودسون أودوي. نعم، تطلب إصابة حالتين فقط لإيقاف المباريات! وبمرور الوقت، وكما هو الحال معنا جميعاً، واصلت كرة القدم أنشطتها، وبدأ مفهومنا عن المعاناة والخسارة يتغير وينتشر، ولم نعد ننظر إلى الأمور من منظور جماعي، ولكن من منظور فردي.
لقد ولت الأيام التي كنا نركز فيها جميعاً على معدلات الوفيات الإجمالية في البلاد ونشاهد التقارير الإخبارية الخطيرة من وحدات العناية المركزة. ولم تعد الأعداد الكبيرة للإصابات والوفيات تمثل أي شيء بالنسبة لنا.
لقد أصبح الموت عبارة عن ضوضاء، وأصبح المرض سياسة، وأصبحت الخطوط الموجودة على الرسوم والخطوط البيانية التي تبين أعداد الإصابات مجرد لعبة يومية. لم يختف فيروس «كورونا»، لكننا أصبحنا نتعامل مع الأمر بحالة من اللامبالاة.
وهكذا وصلنا إلى أواخر عام 2021 وأندية الدوري الإنجليزي الممتاز تتعرض لحالات جديدة من الإصابات وتفشي جديد للوباء، ومع ذلك تظل هناك قناعة بأن النشاط الكروي يجب أن يستمر بأي ثمن تقريباً. وأصبح من المتوقع أن يلعب أي فريق يضم 14 لاعباً لائقاً، بمن في ذلك حارس المرمى، وإلا فسيواجه إجراءً تأديبياً.
وتُترك التأجيلات حتى اللحظات الأخيرة، مع مراعاة الحد الأدنى من الاهتمام للجمهور الذي يدفع الأموال لحضور ومشاهدة المباريات. ولا تزال الملاعب ممتلئة إلى حد كبير بالجماهير. لقد قيل لنا إن سلامة اللاعبين والمشجعين أمر بالغ الأهمية وإن النزاهة الرياضية للمنافسة لم تصب بأي أذى، لكن اتضح أن كلاهما غير صحيح!
لقد كشف المدير الفني لتشيلسي، توماس توخيل، الأسبوع الماضي أن فريقه تلقى أوامر باللعب ضد وولفرهامبتون رغم وجود سبعة لاعبين في العزل، ورغم أن الفريق كان قد قطع للتو رحلة بالحافلة مدتها ثلاث ساعات في ظل وجود حالة إصابة إيجابية مؤكدة بين اللاعبين. كما لعب نوريتش سيتي ضد أستون فيلا يوم الثلاثاء الماضي رغم وجود لاعبين ظهرت عليهم أعراض الإصابة بالفيروس، وفقاً للمدير الفني لنوريتش سيتي دين سميث. وطالب المدير الفني لبرنتفورد، توماس فرانك، بإيقاف المباريات بشكل مؤقت من أجل السماح للأندية بالتقاط أنفاسها لكن طلبه قوبل بالرفض.
يوم الاثنين الماضي، اجتمع مسؤولو الأندية الـ20 للدوري الإنجليزي الممتاز لمناقشة نهجها تجاه الأزمة الأخيرة. ربما لم يكن من المستغرب أن تكون الرسالة التي خرج بها الاجتماع «تجارية» كالمعتاد! ويجب أن تكون مواعيد إقامة المباريات شيئاً مقدساً، حتى لو كان ذلك يعني أنه بنهاية فترة الاحتفال بأعياد الميلاد ستكون بعض الأندية متأخرة بأربع أو خمس مباريات عن بعض منافسيها!
ولان المدربين واللاعبين لم يشاركوا برأيهم عادت الرابطة لتدعو لاجتماع آخر يوم الخميس، لكن النتائج كما وصفها الإيطالي أنطونيو كونتي مدرب توتنهام جاءت مضيعة للوقت، ومؤكداً: «بصراحة حاولنا التحدث خلال الاجتماع. حاول بعض المدربين التحدث من أجل البحث عن حل لكني أعتقد أن كل شيء كان محدداً سلفاً. كان هناك جدار (أمامنا) ولهذا السبب فإنني لن أدخل في المناقشة».
وأضاف المدرب الإيطالي: «نعم أعتقد أن الاجتماع (كان مضيعة للوقت)... فعندما تجد جداراً أمامك وتستطيع الكلام وطلب ما تشاء لكن جميع القرارات اتخذت قبل ذلك».
وعانى توتنهام من تفشي العدوى بـ«كورونا» في صفوفه ولهذا السبب تأجلت له ثلاث مباريات له في جميع المنافسات.
وبالنسبة للأندية، الممزقة بين واجب الحفاظ على لاعبيها وموظفيها وبين العائدات المالية التي تجعلها ترغب في المضي قدماً بغض النظر عن أي شيء، فإن ظهور متحور أوميكرون والموجة الأخيرة من الحالات الإيجابية قد وضع تلك الأندية في موقف سيئ للغاية، خصوصاً أنها تضع في حساباتها المتاهة المذهلة للمصالح والمخاوف التي يتعين عليهم التفكير فيها. فمتى يتم اختبار اللاعبين للكشف عن الإصابات بفيروس «كورونا»، وكم مرة يحدث ذلك؟ وكيف يتم ترتيب التدريبات وإجراءات السفر لتقليل مخاطر الاتصال؟ ومتى يتم إعادة دمج اللاعبين المتعافين في الفريق؟ وكيف يتم التعامل مع اللاعبين الذين لا يرغبون في التطعيم أو يترددون في ذلك؟ وكيف تحافظ الأندية على أمان مرافقها وملاعبها وسط القواعد واللوائح المتغيرة باستمرار؟
ومن المعروف دائماً أن المخاطر تكون أكبر عندما يحدث تفشي للمرض. فكم عدد اللاعبين الذين يحتاجون إلى عزل؟ ومع من كانوا؟ ومن من اللاعبين لا يزال متاحاً؟ وهل هم لائقون للمشاركة في المباريات؟ وهل هم على ما يرام؟ وهل أي من اللاعبين المتاحين قادر على اللعب بقدمه اليسرى؟ وهل يتطلب الأمر أن يتم التقدم بطلب لتأجيل المباراة الآن، مع العلم بأنه من المحتمل أن يتم رفض الطلب، أو الاعتماد على موجة جديدة من الاختبارات الإيجابية في الصباح، وهو الوقت الذي سيكون فيه عدد لا بأس به من المشجعين في سياراتهم بالفعل متجهين إلى الملعب لمشاهدة المباراة؟
هذه قرارات صعبة ومهمة للغاية، بل وقرارات سخيفة في كثير من الحالات، لكنها رغم ذلك تظل بشكل عام في اختصاص الأندية نفسها بدلاً من الهيئات الحاكمة أو الحكومة الفعلية. يمكننا أن نختلف حول مدى اتباع الأندية والدوري الإنجليزي الممتاز للبروتوكولات، أو إلى أي مدى كانت مدفوعة بالمصالح الذاتية. لكن بالتأكيد يمكننا أن نتفق جميعاً على سخافة تفويض أندية كرة القدم لاتخاذ هذه القرارات - في كثير من الحالات، الأمور الملحة المتعلقة بالصحة العامة.
وإذا كان هناك شعور في بعض الأحيان بأن الدوري الإنجليزي الممتاز يعمل في فراغ، ويعلن على الملأ مراعاته لمخاوف الصحة العامة بينما في الحقيقة يبذل الحد الأدنى من الجهود لمعالجتها، فإنه لا يفعل ذلك إلا بإشارة من الحكومة المركزية، التي غاب عنها القيادة منذ زمن طويل. وحتى الآن، ومع تحول متحور أوميكرون إلى السلالة السائدة في بريطانيا، فقد رفضت إدارة بوريس جونسون فرض قيود على التجمعات العامة، ورفضت تقييد الامتيازات الممنوحة لغير الملقحين.
نحن نعلم لماذا يحدث هذا بالطبع، إذ لا تزال الحكومة تتأرجح من حجم تمرد حزب المحافظين الأسبوع الماضي، وبالتالي فإنها تحث الناس على توخي الحذر دون تحريك أي تشريع واحد في هذا الاتجاه. فما الذي ننتظره من كرة القدم؟ هل ننتظر أن توقف كرة القدم أنشطتها من جانب واحد؟ وهل تقيد هي بنفسها سعة الملاعب الخاصة بها؟ بالطبع لا يمكن أن يحدث ذلك. وبدلاً من ذلك، ينتهي بنا الأمر بتأجيل بعض المباريات والإعلان عن ذلك قبل موعد إقامتها بساعات قليلة، بينما تقام مباريات أخرى أمام حشود كبيرة. وفي نفس الوقت، تختلف معدلات التطعيم بين اللاعبين من نادٍ إلى آخر بشكل كبير، ولا أحد يعرف حقاً ما يجب فعله حيال ذلك. وبينما يصر الجميع على أن سلامة اللاعبين هي الأولوية القصوى، هناك إصرار على إقامة المباريات في الأوقات المحددة لها، بدون استثناءات. وفي النهاية، يمكننا القول إن هذه هي «بريطانيا الكوفيد» التي يكون فيها كل شيء مباحاً.



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.