برشلونة يتهاوى من القمة والإخفاقات الإدارية والفنية لم تجد حلاً

النادي الكتالوني اعتاد على هزائم مريرة... والخروج المهين من دوري الأبطال الأسوأ على الإطلاق

لحظات الانكسار في فريق برشلونة تكررت كثيراً لكن أقساها كان الخروج من دوري الأبطال بالهزيمة أمام البايرن (إ.ب.أ)  -  تشافي اعترف بواقع برشلونة المؤلم (أ.ف.ب)
لحظات الانكسار في فريق برشلونة تكررت كثيراً لكن أقساها كان الخروج من دوري الأبطال بالهزيمة أمام البايرن (إ.ب.أ) - تشافي اعترف بواقع برشلونة المؤلم (أ.ف.ب)
TT

برشلونة يتهاوى من القمة والإخفاقات الإدارية والفنية لم تجد حلاً

لحظات الانكسار في فريق برشلونة تكررت كثيراً لكن أقساها كان الخروج من دوري الأبطال بالهزيمة أمام البايرن (إ.ب.أ)  -  تشافي اعترف بواقع برشلونة المؤلم (أ.ف.ب)
لحظات الانكسار في فريق برشلونة تكررت كثيراً لكن أقساها كان الخروج من دوري الأبطال بالهزيمة أمام البايرن (إ.ب.أ) - تشافي اعترف بواقع برشلونة المؤلم (أ.ف.ب)

قبل أقل من 8 ساعات من مباراة برشلونة وبايرن ميونيخ في دوري أبطال أوروبا، خرج رئيس برشلونة، خوان لابورتا، من كاتدرائية ميونيخ، وقال وهو يتجه إلى مطعم كافير، بينما تتساقط الثلوج: «يتعين علينا أن نتحلى بالثقة»... لكن يبدو أن الثقة وحدها لا تكفي! لقد طلب رئيس برشلونة من لاعبيه إظهار «الفخر» و«الكرامة»، و«إثبات من هم»... لكن اتضح أنهم مجرد فريق لم يعد قادراً على المنافسة مع أفضل الأندية الأخرى.
واعترف المدير الفني للنادي الإسباني، تشافي هيرنانديز، بعد الخسارة أمام بايرن ميونيخ بثلاثية نظيفة، والخروج من دور المجموعات لدوري أبطال أوروبا: «هذا هو واقعنا، وهذا هو ما يثير استيائي حقاً».
ربما كان هذا هو الحال في برشلونة منذ فترة، وبالتالي تبدو هذه الكلمات مألوفة. وفي كل مرة تعتقد فيها أن هذه هي الحلقة الأخيرة للفشل والإحباط، تظهر حلقات أخرى، ويتجه الفريق إلى مزيد من السقوط والانهيار. لقد أشار المدير الفني السابق إرنستو فالفيردي إلى كيفية «عودة كارثة العام السابق» على ملعب «آنفيلد» في عام 2019. كما أن خروج برشلونة 5 سنوات من دوري أبطال أوروبا يعكس الكيفية التي يتراجع بها الفريق؛ خسر برشلونة صفر - 3 في تورينو، و3 - صفر في روما، و4 - صفر في ليفربول، و8 - 2 أمام بايرن ميونيخ، و4 - 1 أمام باريس سان جيرمان.
لكن في كل هذه المرات لم يكن الانهيار لحظياً، ولم يكن انهياراً تاماً، لأنه في كل مرة كان هناك أمل أمام الفريق للعودة إلى المسار الصحيح. ومع ذلك، كان هذا الانهيار «مؤلماً»، كما قال سيرخيو بوسكيتس. ووصف رونالد أراخو ما حدث بأنه «مؤسف»، مشيراً إلى أن هذا قد يكون أسوأ خروج للفريق من دوري أبطال أوروبا، وقد يكون النقطة الأخيرة في تراجع لا هوادة فيه. وبالفعل، يمكن القول إن هذا هو أسوأ خروج لبرشلونة، والنادي يعرف ذلك الأمر جيداً، وهو ما يعد على الأقل الخطوة الأولى، لكن لا يزال هناك كثير من الخطوات الأخرى التي يجب على الفريق اتخاذها إذا كان يرغب في العودة إلى مكانته السابقة.
ولأول مرة منذ 20 عاماً، لم ينجح برشلونة في تجاوز دور المجموعات بدوري أبطال أوروبا. لقد خسر الفريق مرتين أمام بايرن ميونيخ، وفي كل مرة بنتيجة 3 أهداف دون ردّ. وقال المدير الفني للعملاق البافاري، جوليان ناغيلسمان: «لو ضغطنا، كان بإمكاننا تسجيل مزيد من الأهداف». وقال ليروي ساني: «لقد كان الأمر ممتعاً»، في تصريح يبدو أنه يقول الكثير والكثير عما حدث خلال اللقاء!
أما لاعب برشلونة أراخو، فقال: «لقد كان الفارق بين الفريقين كبيراً، وكان من الممكن أن تكون النتيجة أكبر من ذلك». وقال لابورتا إن اللاعبين قدموا «كل ما لديهم وأكثر». لكن الشيء المقلق حقاً هو أن لابورتا ربما يكون محقاً في تلك التصريحات، لأن لاعبي برشلونة ليس لديهم بالفعل ما هو أفضل من ذلك!
وعندما خسر برشلونة أمام بايرن ميونيخ في المباراة الأولى، كان الفريق الإسباني يلعب بطريقة دفاعية، بدا أنها تهدف في المقام الأول والأخير إلى الخروج بأقل الخسائر، وتحدث المدير الفني لبرشلونة آنذاك، رونالد كومان، عن ضرورة التحلي بالواقعية.
وبعد ذلك، استخدم جيرارد بيكيه العبارة التي أصبحت تتكرر كثيراً بعد ذلك؛ حيث قال: «هذا هو ما عليه الحال بالفعل. نحن كما نحن». وبعد ذلك، أشار بيكيه إلى أن وسائل الإعلام قد اجتزأت تصريحاته من سياقها الصحيح، وقال؛ إنه كان يتحدث عن اللاعبين الغائبين عن المباراة؛ أنسو فاتي، وسيرخيو أغويرو، وعثمان ديمبيلي، لكن الحقيقة أن ما قاله بيكيه كان بمثابة حكم واضح على الأمر برمته!
لقد أدت واقعية كومان إلى تقويض فريقه، بل ربما قدمت ذريعة للاختباء وراءها. لكن بديله، تشافي، كان حريصاً كل الحرص على الابتعاد عن مثل هذا الخطاب، وركز بدلاً من ذلك على التفاؤل، وقدم نهجاً مختلفاً تماماً، وبدأ يبحث عن هوية النادي المفقودة، لكن لم يكن لديه الوقت الكافي لتشكيل الفريق كما يريد، وقد لا تكون لديه العناصر التي تمكّنه من القيام بذلك بشكل كامل. وبعد الخسارة أمام بايرن ميونيخ مساء الأربعاء الماضي، ردد تشافي نفس التصريحات السابقة؛ حيث قال: «هذا هو واقعنا، ويتعين علينا مواجهته بكرامة».
إنه أمر لا مفرّ منه بعد كل شيء، فقد كانت هذه مجرد لحظة فاصلة أخرى من بين كثير من اللحظات الفاصلة، لكن هناك أملاً في أن تكون هذه هي اللحظة الأخيرة في هذه المسيرة المثيرة للإحباط. لا يقتصر الأمر على خسارة برشلونة مرتين أمام بايرن ميونيخ، فمن الممكن أن يحدث ذلك بشكل طبيعي، لكن المشكلة تكمن في أن برشلونة خسر بسهولة، وكان الفارق كبيراً للغاية بينه وبين الفريق الألماني، لدرجة أن برشلونة لم يكن منافساً حقيقياً، على حد تعبير تشافي، ولدرجة أنه استقبل 6 أهداف ولم يسجل أي هدف، وأنه فشل في التأهل من مجموعة تضم كلاً من بنفيكا ودينامو كييف، وأن هذه هي المرة الأولى التي يفشل فيها الفريق الكتالوني في تجاوز دور المجموعات منذ 20 عاماً.
وعلاوة على ذلك، يتخلف برشلونة عن متصدر جدول ترتيب الدوري الإسباني الممتاز ريال مدريد بفارق 16 نقطة كاملة، وهو الأمر الذي لم يحدث أيضاً منذ سنوات طويلة، ويعكس «حقيقة» أخرى عن المشكلات الهائلة التي يعاني منها الفريق.
وعلى مدار العقد الماضي، سجل برشلونة 11 و16 و15 ديم بيلي و20 و9 و14 و9 و16 هدفاً في دور المجموعات، لكنه هذه المرة لم يسجل سوى هدفين فقط! وسجل هذه الأهداف 27 لاعباً، من بينهم ليونيل ميسي وأنطوان غريزمان، اللذين رحلا عن النادي مجاناً، وهي الأزمة التي كانت لها عواقب حقيقية ملموسة للغاية على الفريق. لقد سجل ميسي 5 أهداف في النسخة الحالية من دوري أبطال أوروبا مع باريس سان جيرمان، بينما سجل غريزمان 4 أهداف مع أتليتكو مدريد. وكان ميسي قد سجل 38 هدفاً الموسم الماضي، و219 هدفاً على مدى 5 سنوات. وقبل ميسي وغريزمان، رحل أيضاً لويس سواريز ونيمار.
لكن ما تبقى الآن، على حد تعبير بيكيه، يعكس التراجع التدريجي لفريق كان رائعاً في يوم من الأيام. ومع ذلك، فإن الأهداف ما هي إلا مجرد معيار تبسيطي واحد للأخطاء والمشكلات التي يعاني منها الفريق. في الحقيقة، يضم برشلونة حالياً مجموعة من اللاعبين الذين يحصلون على رواتب عالية جداً لا يستطيع النادي تحملها، لكنهم لا يقدمون المستويات المتوقعة منهم. وفي نفس الوقت، يضم النادي عدداً من اللاعبين الشباب الموهوبين وجيلاً ناشئاً مثيراً للإثارة، وهو ما يعني أنه إذا كانت التشكيلة الأساسية للفريق ليست جيدة، فإنها ليست بهذا السوء!
وقد تم تحليل الأمر من قبل خصومهم أيضاً؛ حيث قال توماس مولر إن برشلونة لديه المهارات والإمكانات الجيدة، لكن ليست لديه القوة التي تمكنه من اللعب على أعلى مستوى. وأشار ناغيلسمان إلى «الديون التي تسحب النادي لأسفل»، هناك كثير من الأسباب الأخرى وراء هذا التراجع، لكن تبقى الموارد المالية هي الأساس. وقال بوسكيتس: «لقد أوقعنا أنفسنا في هذه الفوضى. هناك كثير من العوامل التي تقودنا إلى هذا، ونحن جميعاً نعلم الوضع داخل هذا النادي».
في الحقيقة، هذا نادٍ يتهاوى ببطء من على القمة، نتيجة عدد هائل من الإخفاقات التي ارتكبها الرئيس السابق، جوزيب ماريا بارتوميو، والتي يمكن أن تملأ كثيراً وكثيراً من صفحات الصحف والمجلات، وهو الأمر الذي جعل الإدارة الجديدة ترث أزمات عميقة على كل المستويات تقريباً، كما أن هذه الأزمات تتفاقم بمرور الوقت. ورغم الشكوك حول طريقة تعامل الإدارة الجديدة مع هذه الأزمات، حتى التفاؤل بتجاوزها من جهة أخرى، فمن الواضح للجميع أنه ليس من السهل إيجاد حلول لهذه المشكلات. وعلى الرغم من أن تشافي يأتي بأفكار واضحة ولديه مصداقية وتصميم ورغبة في العمل الجاد، فلا يزال الطريق طويلاً. لكن في نفس الوقت، لا يمكن للنادي إبرام تعاقدات كبيرة بمبالغ مالية ضخمة لأنه يعاني من مشكلات مالية هائلة.
وعلاوة على ذلك، كان برشلونة يعتمد بشكل كبير على العائدات المالية التي يحصل عليها من مواصلة التقدم في دوري أبطال أوروبا، لكن فشله في الوصول لدور الستة عشر سوف يكلفه 9.6 مليون يورو، كما أن فشله في الوصول للدور ربع النهائي يكلفه 10.6 مليون يورو أخرى، وهي الأموال التي لا يمكنه تحمل خسارتها. حتى لو نجح الفريق في الفوز بالدوري الأوروبي، فسيكون مجموع الجوائز المالية التي سيحصل عليها 14.9 مليون يورو فقط.
وبعيداً عن حقيقة أن تشافي قال إنه يجب العمل على إعادة النادي إلى مكانه الصحيح «وهذا ليس الدوري الأوروبي»، وبعيداً عن المناقشات حول ما إذا كان الانتقال للعب في الدوري الأوروبي يمكن أن يكون مفيداً لبرشلونة، وأفضل له من حيث فرص العودة للعب في دوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، فإن السؤال الآن هو؛ من قال إن هذا الفريق قادر على الفوز بلقب الدوري الأوروبي؟ هذه المسابقة تضم بالفعل 3 أندية أفضل من برشلونة، وهذه الأندية من إسبانيا فقط، وتتفوق عليه في جدول ترتيب الدوري المحلي. لقد كان تشافي محقاً تماماً عندما قال: «هذه بداية حقبة جديدة».


مقالات ذات صلة

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

رياضة عالمية فريق برشلونة (رويترز)

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

يتطلع فريق برشلونة للعودة لطريق الانتصارات عندما يستضيف فريق جيرونا بعد غد السبت في الجولة التاسعة من الدوري الإسباني لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
رياضة عالمية سيميوني قال إن فريقه لعب بشكل سيء أمام لاس بالماس (رويترز)

سيميوني: الدفاع جزء من أسلوبنا... نحتاج لاعبين يفهمون ذلك

أبدى دييغو سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد أسفه إزاء الأداء السيئ لفريقه بعد أن تلقت آماله الضعيفة في إحراز لقب دوري الدرجة الأولى الإسباني لكرة القدم ضربة قوية

«الشرق الأوسط» (مدريد )
رياضة عالمية لاعبو برشلونة خلال الإعداد لمواجهة اتلتيكو الصعبة بالكأس (ا ب ا)

قمة نارية بين برشلونة وأتلتيكو مدريد في نصف نهائي كأس إسبانيا اليوم

على وقع صراع ثلاثي ناري على صدارة الدوري الإسباني لكرة القدم، يصطدم برشلونة أول الترتيب بأتلتيكو مدريد الثالث في ذهاب نصف نهائي الكأس اليوم، في حين يحل ريال

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية لاعبو الريال خلال التدريبات الأخيرة (إ.ب.أ)

ديربي مدريد يشعل صراع الصدارة على وقع أزمة «التحكيم»

يقف ريال مدريد أمام مهمة معقدة وصعبة تحتم على لاعبيه التركيز عندما يواجهون أتلتيكو مدريد السبت، من أجل الحفاظ على صدارتهم للدوري الإسباني لكرة

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية انشيلوتي اعترف أن الريال في وضع صعب (إ.ب.أ)

أنشيلوتي قبل القمة الإسبانية: نحن في حالة طوارئ!

اعترف المدرب الإيطالي لنادي ريال مدريد متصدر الدوري الإسباني، كارلو أنشيلوتي، بأن فريقه «في حالة طوارئ» عشية ديربي حاسم نسبياً أمام ضيفه وجاره ومطارده المباشر

«الشرق الأوسط» (مدريد)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.