عودة بيكاسو إلى متحف برادو في مدريد

10 لوحات تشكل نقاطًا مفصلية في مسيرته

عودة بيكاسو إلى متحف برادو في مدريد
TT

عودة بيكاسو إلى متحف برادو في مدريد

عودة بيكاسو إلى متحف برادو في مدريد

تُعير إدارة متحف كونست في مدينة بازل السويسرية بعض اللوحات والأعمال الفنية من محتوياته إلى عدد من المتاحف الأوروبية بسبب التجديدات والتصليحات التي تجرى عليه وغلق أبوابه لمدة سنة كاملة. ومن اللوحات التي أُعيرتْ إلى متحف برادو في مدريد، لوحات عشر لبيكاسو وهي من أهم مقتنيات متحف بازل.
المعرض الاستعادي المصغر المتكون من عشر لوحات لبيكاسو (1881 - 1973) تعرض في القاعة الرئيسية لمتحف برادو للفترة من مارس (آذار) إلى سبتمبر (أيلول) من العام الحالي. وتشكل هذه اللوحات نقاطا مفصلية وتقلبات حاسمة في مسيرة بيكاسو الفنية والإنسانية مثل نهاية الفترة الزرقاء وبداية الفترة الوردية وابتكاره للتكعيبية التركيبة وعودته إلى التقليدية المحدثة وكذلك معاناته كإنسان وفنان خلال فترة الحرب العالمية الثانية، واستعادته وتجديده لبعض لوحاته القديمة في السنوات الأخيرة من حياته. عُلقت اللوحات على فواصل جدارية بيض توسطت اللوحات الكلاسيكية لأساتذة الرسم الأوروبي في عصر النهضة والباروك مثل فيلاسكوز وتيتيان وغويا وروبنز وفان ديك ورغم التناقض الظاهري بين لوحات بيكاسو وأساليبه وألوانه وبين اللوحات التقليدية المعلقة في متحف البرادو، فإن هذا التناقض يسلط الضوء على محفزات بيكاسو الإبداعية وكيف استلهم أعمال الفنانين قبله. اللوحات العشر جعلت الزوار يقفون في طابور طويل لدخول المتحف ويتزاحمون حول كل لوحة. تجدد هذه اللوحات من جهة أخرى ذكرى بيكاسو في هذا المتحف الشهير حيث عمل مديرا فخريا له خلال سنوات الحرب الأهلية (1936 - 1939).
أولى اللوحات هي لوحة «الأخوان» زيت على قماش التي أكملها عام 1906 وهي آخر سنة في مرحلته الوردية التي بدأت عام 1904 عقب انتهاء المرحلة الزرقاء، حينما استقر بيكاسو في حي المونمارتر الباريسي بين الشعراء والفنانين البوهيمين وانتهت المرحلة الوردية عام 1906. تضج هذه الفترة بثيمات مبهجة نوعا ما قياسا بالفترة الزرقاء ويكثر فيها بيكاسو من رسم المهرجين وفناني الكرنفالات والاحتفالات الشعبية وممثلي البنتومايم. الألوان المسيطرة هي الأحمر والوردي والبرتقالي والألوان الترابية الأرضية. لوحة «الأخوان» تمثل ولدا عاريا يمشي وهو يحمل أخاه الصغير على ظهره وإحدى يديه تمسك برجل أخيه المتدلية على خصره بينما اليد الأخرى تمسك بحنان بالغ بيد أخيه التي تطوق عنقه كأنها حبل نجاته، كم ذكرتني هذه اللوحة وأنا أتأملها بالمشردين والنازحين في العراق وسوريا، الأخ الصغير بلا ملامح بينما الكبير بملامح أنثوية ونظرة منكسرة لكنها غير مكترثة.
اللوحة الثانية هي «رجل وامرأة وطفل» 1906 زيت على قماش وهي من فترته الوردية أيضا يصور فيها بيكاسو نفسه ينظر إلى امرأة هي حبيبته الباريسية الأولى (فرناندا أوليفير)، الخطوط بسيطة والملامح كذلك، الرجل ينظر باهتمام إلى المرأة التي تبدو شاردة الذهن تماما والطفل في حضنها ينظر إلى الأمام.
وتبدو اللوحة الثالثة «خبز وصحن فاكهة على مائدة» يعود تاريخ إنجازها بين عامي 1907 - 1908. الأولى ساكنة الحياة، لكن بتمعن قليل نكتشف أنها تضج بحركة لا هوادة فيها، بدءا من الطاولة القابلة للطي إلى خلفية اللوحة التي تشبه ستارة أو غطاء بطيات كثيرة، ساقان بشريتان تبدوان خلف أرجل الطاولة وربما استحالت ذراعهما إلى خبز طويل.. يشير شكل صحن الفاكهة على الطاولة إلى المرأة بينما يشير شكل الخبز الطويل إلى الرجل.
وفي اللوحة الرابعة «الهاوي» عام 1912 رسم بيكاسو هذه اللوحة بعد حضوره مصارعة للثيران في مدينة نيم الفرنسية الجنوبية وهي تصور مصارعا للثيران بشاربه الكث وقبعته القرطبية يحمل عصا لمصارعة الثيران بيد والغيتار باليد الأخرى، هذه اللوحة تكشف ميل بيكاسو نحو الأشكال الهندسية المبسطة وابتعاده التدريجي عن التكعيبية.
في اللوحة الخامسة «امرأة مع غيتار»، التي رسمها بين الأعوام 1911 - 1914. شيّد بيكاسو هذا الشكل الأنثوي من شبكة من خطوط سود على خلفية بيضاء. يحتل نهدا المرأة مركز اللوحة بينما تتدلى يداها التي تحمل أحدهما الغيتار إلى الأسفل. استعمل بيكاسو عدة ألوان مثل الوردي والأسود والأزرق لكي يميز أجزاء جسد المرأة، هذه اللوحة تعود إلى مرحلة التكعيبية التركيبية.
أما في اللوحة السادسة «المهرج الجالس» 1923. وهي اللوحة التي زينت غلاف دليل المعرض، فرسم بيكاسو صديقه الرسام جاسنتو سالفادو وهو مرتدٍ زي مهرج استعاره من صديقهما المشترك الكاتب والممثل جان كوكتو. وتؤرخ هذه اللوحة لعودة بيكاسو إلى الكلاسيكية المحدثة بين الأعوام (1917 - 1924)، التفاصيل الكثيرة المشرقة لزي المهرج في هذه اللوحة جعلت الزائرين يتحلقون حولها طويلا.
اللوحة السابعة «امرأة ترتدي قبعة وتجلس على كرسي ذي مسندين» 1942 يصور بيكاسو عشيقته الفنانة دورا مار بوجاهة واضحة وخليط من الألوان، تجلس على كرسي حديدي ذي مسندين رأسها مقسوم، القسم العلوي بعين واحدة مفتوحة باتساع وتركيز على المتلقي بينما الجزء السفلي تسيطر عليه شفتاها الحمراوان. رسم بيكاسو كل النساء في حياته وهن جالسات في 300 لوحة.
ويستعيد بيكاسو في اللوحة الثامنة «نساء على ضفة نهر السين» 1950 الرسام الفرنسي الواقعي غوستاف كوربيه وذلك بإعادة رسم واحدة من أشهر لوحاته (نساء على ضفة نهر السين 1857)، احتفظ بيكاسو بالعناصر الإيروتيكية الصادمة في هذه اللوحة مع إشارة خفية لعلاقة عاطفية بين المرأتين وذلك بإدخال ألوان زاهية متناقضة، الشكل الذي يحتل منتصف أرضية اللوحة له عين ساهرة ومراقبة كأنها عين العاشق وطبعه المتحفز.
في اللوحة التاسعة «فينوس وكيوبيد» 1967. نرى طفلا عاريا ينظر إلى أمه التي على وشك أن تحتضنه، ويبتسم. ربما استلهم بيكاسو هذه اللوحة من لوحة تيتيان الشهيرة «فينوس وكيوبيد في المرآة» وهي واحدة من عدد كبير من اللوحات التي استلهمها بيكاسو من كبار الفنانين الذين سبقوه أمثال فيلاسكوز وكراناش وديلاكروا ومانيه.
وفي اللوحة الأخيرة «الثنائي» 1967، امرأة ورجل يلفهما الأزرق المشرق، الرجل بزي جندي يحمل سلاحه والمرأة عارية الصدر تحمل في يدها كأسا على وشك أن يدلق ما يحتويه، يوحي بالطقس الإيروتيكي بينهما. يشير بيكاسو إلى نفسه في هذه اللوحة التي أنجزها في عمر السادسة والثمانين، فهو المحارب القديم الذي يتهيأ لشرب كأس الحياة كاملة من يد المرأة.
بيكاسو الذي رحل عن عالمنا منذ ما يقارب الأربعة عقود قال ذات يوم بأن الفن بلا ماض ولا حاضر، قيمته في بقائه خارج شرط الزمن. وقد كان محقا فلوحاته لا تزال طازجة جدا ولها قدرة عجيبة أن تعيش كحاضر أبدي كلما تقدم الزمن.



الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».