«ميتافيرس»... تقنيات «ما فوق العالمين الواقعي والافتراضي»

«مايكروسوفت» تسعى لبناء منصات أكثر طموحاً

«ميتافيرس»... تقنيات «ما فوق العالمين الواقعي والافتراضي»
TT

«ميتافيرس»... تقنيات «ما فوق العالمين الواقعي والافتراضي»

«ميتافيرس»... تقنيات «ما فوق العالمين الواقعي والافتراضي»

يتشارك في تطبيق «مايكروسوفت تيمز» 250 مليون مستخدم حول العالم سيصبحون مع مطلع العام المقبل قادرين على عقد اجتماعاتهم في مساحات افتراضية من خلال ارتداء إكسسوارات للرأس مدعومة بتقنيتي الواقع الافتراضي والواقع المعزّز.
وبدلا من بثّ فيديو حيّ، سيتمكّن النّاس من الظهور على شكل شخصيات كرتونية افتراضية مع ملامح تعبيرية في الزمن الحقيقي مثل الابتسام والعبوس. ونعم، سيُسمح لهم – ولكم – بالغضب كما في الشخصيات الكرتونية التي كنتم تحبّونها وأنتم أطفال.

مستقبل العمل
تخفي هذه الخطوة البسيطة كثير مما تفكّر به مايكروسوفت لمستقبل العمل، ومستقبل كلّ ما هو إلكترونيّ في عصر «ميتافيرس metaverse» (مصطلح يُستخدم لوصف مفهوم الإصدارات المستقبلية للإنترنت، المكون من مساحة ثلاثية الأبعاد ثابتة ومشتركة ومرتبطة بكون افتراضي مُدرَك).
تعمل شركة مايكروسوفت منذ سنواتٍ عدّة على تطوير نسختها الخاصّة من الميتافيرس عبر منصّة «ميش Mesh» التي أعلنت عنها بالتزامن مع إطلاق جهاز «هولو لينس آي.آر.» الذي يُرتدى على الرأس. ولكنّ الشكل الذي وصلت إليه «ميش» حتّى اليوم لا يزال صعب الفهم. والسبب الرئيسيّ لذلك هو أنّها تقنية تأسيسية، أي أنّها الطريقة التي تصل بها مايكروسوفت النّاس عبر أيّ جهاز (هواتف ذكيّة ولابتوبات وسمّاعات ونظّارات...) ببعضهم البعض في مساحات مشتركة يستطيعون فيها التفاعل على اختلاف الطرائق التي أوصلتهم إليها.
أعلنت مايكروسوفت مؤخرا أنّ «ميش» ستدخل إلى «مايكروسوفت تيمز Microsoft Teams» في 2022، وسيحصل النّاس بذلك على أوّل رؤية أكيدة لما ستكون عليه هذه المنصّة في التطبيق الاستهلاكي.
تملك منصّة الميتافيرس التّابعة لفيسبوك/ ميتا والتي أُعلن عنها الأسبوع الفائت نقاطًا مشتركة مع ما تقدّمه مايكروسوفت اليوم، إذ تستطيع الشركات تطوير مساحاتها الثلاثية الأبعاد الخاصّة في المنصّتين، حتّى إنّ الشخصيات الكرتونية الظريفة التي تمثّل المستخدمين موجودة في المنصّتين أيضًا.
ولكنّ قادة مايكروسوفت يتحدّثون بصراحة عن رسم خطّ فاصل بين مقاربة فيسبوك/ميتا للميتافيرس ومقاربتهم الخاصّة – فبينما تسعى فيسبوك/ميتا لامتلاك الميتافيرس، تفضّل مايكروسوفت أن تكون القوّة الدافعة له.
يقول أليكس كيبمان، الزميل التقني لنظم الواقع المعزّز والواقع المختلط في مايكروسوفت: «يوجد عالمٌ هناك يعتقد أن الميتافيرس سيحصل وأنّ الجميع سيعيش في الميتافيرس الخاص به. أنا شخصيًا أرى في هذا الاعتقاد رؤية بائسة للمستقبل. أنا اليوم أشترك في عوالم عدّة لأنّ كلّ موقع إلكترونيّ هو بمثابة ميتافيرس للغد. تستمدّ شبكة الانترنت تميّزها وجاذبيتها من قدرتها على الربط بين المواقع الإلكترونية، على عكس المنصّات القديمة الأولى في زمن الإنترنت مثل (إي.أو.أل). و(كومبيو سيرف)».
ترى مايكروسوفت في «تيمز» نموذجًا أوّليًا للميتافيرس حيث تستطيع الشركات ابتكار مساحاتها الخاصّة. وبدل حكم الميتافيرس الخاص بها كما تطمح فيسبوك/ميتا، ترى مايكروسوفت أن دورها يتمثّل عبر «ميش» في تأمين «الغراء» التأسيسيّ الذي سيساعد في الحفاظ على ترابط عوالم الميتافيرس المتعدّدة.

منصات عمل للشركات
ليست هذه مجرّد رؤية فلسفيّة للتقنية نظرًا لأنّ «ميش» مطوّرة لتتيح للشركات استخدام واجهات التطبيق البرمجية بطريقة مشابهة لاستخدام التطبيقات على أجهزة الآيفون اليوم، أي لمساعدة الشركة في بناء منصتها الخاصة وامتلاك هويّة ثابتة عبر منصات ميتافيرس متعدّدة.
ويشرح كيبمان أنّ «استراتيجية مايكروسوفت ستفوز إذا ظهر عددٌ غير محدود من منصّات الميتافيرس، وليس القليل منها... أو واحدة فقط».
تقدّم منصّة «ميش» في «مايكروسوفت تيمز» لمحة عما ستكون عليه منصّات الميتافيرس في المستقبل. فقد عمدت شركة «أكسنتشورAccenture» وهي شريك مايكروسوفت في التجربة إلى توظيف عشرات آلاف الموظفين الجدد خلال الجائحة في مقرّها الافتراضي العالمي (لا تملك الشركة مقرًا عالميًا حقيقيًا).
تختلف المساحات المخصصة للشركات في عالم الميتافيرس لناحية الحجم والرؤية بحسب حجم استثمار الشركات في تطوير ملكياتها الافتراضية. ولكنّ العنصر الأكثر ثباتًا سيكون حصّة المستخدم من التجربة وتحديدًا كيف ستتمكّن شخصية المستخدم الافتراضية من التفاعل داخل هذه العوالم. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ قواعد المشاركة التي تطوّرها مايكروسوفت لشكل ظهور المستخدم في العالم الافتراضي ستكون على الأرجح أكثر أهميّة من تصميم العالم نفسه.

شخصيات افتراضية
لماذا تستخدم الشخصيات الافتراضية؟ تعتمد مايكروسوفت في «ميش» فلسفة منح المستخدم فرصة الحضور ليس كما هو فحسب، بل كما يريد أن يكون. وكما ذكرنا آنفًا، سيكون المستخدم قادرًا على الاتصال بـ«تيمز» عبر كاميرا الويب أو الهاتف كما في السابق، فضلًا عن أنّه سيظهر كشخصية كرتونية افتراضية من تصميمه الخاص.
إذا كنتم ممن يفضلون الاتصالات الصوتية، تستخدم مايكروسوفت برنامجًا لترجمة كلماتكم المنطوقة إلى حركات شفاه مطابقة. تصاحب هذا الخطاب أيضًا إيماءات وتعابير... وإذا كنتم تملكون كاميرا ويب، تستطيع مايكروسوفت استخدام هذه البيانات لوضع مخطّط عالي الدقّة لهذه التعابير.
إنّ أوّل سؤال طرحناه على مسؤولي مايكروسوفت كان لماذا نرى شخصيات كرتونية في المساحات الافتراضية باستمرار؟ هل هي مفيدة؟ أم أنّها مجرّد رداء مبتسم يغطّي التواصل الحقيقي؟
وتبيّن أنّ هذه الشخصيات تؤدّي وظائف مهمّة عدّة، وخصوصًا للمستخدمين الذي لا يحبّون فكرة الجلوس أمام الكاميرا طوال اليوم.
يقول جاريد سباتارو، نائب رئيس القسم المتخصص بـ«مايكروسوفت 365» و«تيمز»: «يواجه الناس اليوم خيارين عند انضمامهم إلى اجتماع رقمي: تشغيل الكاميرا أو عدم تشغيلها. إذا اختار المستخدم تشغيل الكاميرا، فهذا يعني أنّه في الواجهة والمركز وأنّ النّاس سيرون كلّ حركة يقوم بها؛ أمّا إذا أطفأها، فهذا يعني غياب أيّ إشارات تواصليّة وصعوبة التقاط أي تفاعل أثناء المشاركة في الاجتماع».
لا شكّ في أنّ جميعنا حضر اجتماعًا تساءلنا فيه ما إذا كان الزميل الذي أخفى صوته لا يزال مشاركًا. ويجري مختبر العناصر البشرية في مايكروسوفت حاليًا تجارب على الحالتين عبر تثبيت أقطابٍ كهربائية على رأس المتطوّعين ومراقبة ما إذا كانوا سيشعرون بالإرهاق عند الظهور في الفيديو. وأظهرت النتائج الأوّلية أنّ استخدام الشخصيات الافتراضية ولّد لدى 70 في المائة من المشاركين في الاجتماع شعورًا بوجود الزميل معهم.
يوضح كيبمان أنّ الشخصيات الكرتونية هي ببساطة الخيار الأفضل لتقديم أجساد بشرية ثلاثية الأبعاد بمستوى تقنية الرسوميات المتوفّر اليوم. وتجدر الإشارة إلى أنّ شخصيات مايكروسوفت الكرتونية ستكون قادرة على عكس لغة جسد المستخدم ورسم حركاته بواسطة كاميرا الويب وغيرها من الوسائل.
وتبدو الشخصيات الافتراضية متطوّرة بالدرجة الكافية لتقليد تعابير الوجه. كما أنّها مهمّة لأنّ مايكروسوفت تأمل أن تأخذ شخصية المستخدم الافتراضية من «ميش» خارج «تيمز» إلى العوالم الافتراضية المتعدّدة.

كوريا الجنوبية لاعب أساسي في عالم «ميتافيرس»

غيّرت فيسبوك، منصّة التواصل الاجتماعي الأكبر في العالم، مؤخرا اسمها إلى «ميتا» وأعلنت عن مشروعها المكتمل في إطار مشروع «ميتافيرس». ولكنّ فيسبوك ليست شركة التقنية الوحيدة التي استثمرت في الواقع الافتراضي الثلاثي الأبعاد الذي يتفاعل النّاس فيه مع الآخرين باستخدام شخصيات افتراضية تمثّلهم. إذ توجد مثلًا لعبتا الفيديو «روبلوكس» و«فورتنايت» الشهيرتان بين الشباب واللتان تتيحان للمستخدم ابتكار عالمه الخاص والتفاعل فيه.
بدأ «ميتافيرس» كفكرة مثيرة في روايات وأفلام الخيال العلمي، وظهر اسمه للمرّة الأولى في رواية «سنو كراش» (1992) لنيل ستيفنسون واستخدم لاحقًا في رواية «ريدي بلاير وان» للكاتب إرنست كلاين.
تعدّ كوريا الجنوبية لاعبًا أساسيًا ناشئًا في عالم «ميتافيرس» انطلاقًا من قاعدتها الصلبة في صناعة الألعاب الإلكترونية والمحتوى الثقافي الغنيّ الجاذب للجماهير من حول العالم.
تملك كوريا الجنوبية رابع أكبر سوقٍ للألعاب الإلكترونية في العالم التي يتوقّع أن تصل قيمتها إلى 18 مليون وون (16.6 مليون دولار) هذا العام مع المحافظة على مكانتها كالمستورد الثقافي الأكبر من البلاد.
تستخدم صناعة الألعاب الإلكترونية المشاركة الافتراضية في عناوينها التي تتطلّب عدّة لاعبين لتجسيد الأدوار، ولكنّ شركات تطوير الألعاب الكورية تسعى أيضًا للتمدّد إلى الميتافيرس عبر استخدام الشخصيات الموجودة في ألعابها وملكياتها الفكرية. وتخطّط شركة نيكسون الرائدة في مجال ألعاب الفيديو في كوريا الجنوبية لإطلاق محتوى ميتافيرس جديد مستخدمةً لعبتها الشهيرة مابل ستوري آي.بي. بدورها، أنشأت شركة نيتماربل الرائدة أيضًا شركة رديفة متخصصة بترفيه ميتافيرس لتطوير منصة واقع افتراضي لنجوم بوب (شعبيين) افتراضيين من كوريا.
تتنامى جاذبية «ميتافيرس» خارج عالم ألعاب الفيديو أيضًا. تحتلّ منصّة «ميتافيرس» من «زيبيتو» التابعة لشركة «نافر زي كوربوريشن» في كوريا الجنوبية الصدارة بـ200 مليون مستخدم حول العالم، 90 في المائة منهم من خارج كوريا الجنوبية. وتُستخدم هذه المنصّة للتجمّعات والتبضّع خصوصًا وأنّ علامات تجارية عالميّة فاخرة كنايكي وغوتشي ورالف لورين فتحت فروعًا افتراضية فيها لبيع منتجاتها الرقمية. ويتيح استوديو المنصّة أيضًا لمستخدميه تصميم بضائعهم الخاصة وبيعها. وكانت «زيبيتو» قد أعلنت مؤخرا أنّها ستُدخل ألعابا إلكترونية جديدة تنافس «روبلوكس» بشكلٍ مباشر.
* «ذا ديبلومات»، خدمات «تريبيون ميديا».

* «فاست كومباني»
– خدمات تريبيون ميديا


مقالات ذات صلة

«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الشبكات أساس تشغيل الذكاء الاصطناعي... والسعودية أمام تحدي الجاهزية

خاص الرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز خلال الكلمة الافتتاحية بحضور عشرات الآلاف من المشاركين (سيسكو)

«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الشبكات أساس تشغيل الذكاء الاصطناعي... والسعودية أمام تحدي الجاهزية

ترى «سيسكو» أن نجاح الذكاء الاصطناعي الوكيلي في السعودية لا يتوقف على حجم الاستثمار، بل على شبكات آمنة وجاهزية تشغيلية مرنة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا يعالج التحديث مشكلة قد تمنع شحن بعض أجهزة «آيفون» عبر الكابل عند انخفاض البطارية (أبل)

«أبل» تطلق تحديثاً لمعالجة مشكلة الشحن السلكي في بعض أجهزة «آيفون»

التحديث يعالج خللاً قد يمنع بعض طرازات «iPhone 17» و«iPhone Air» من الشحن عبر الكابل عندما تكون البطارية في مستوى منخفض جداً أو شبه فارغة.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «ريماركبل بيبر بيور»... جهاز لوحي جديد بمواصفات متقدمة

«ريماركبل بيبر بيور»... جهاز لوحي جديد بمواصفات متقدمة

يجمع الجهاز اللوحي الجديد «ريماركبل بيبر بيور» (ReMarkable Paper Pure)، ذو الشاشة ذات الأبيض والأسود، الذي أطلق أخيراً، بين أفضل تجربة كتابة قدّمتها «ريماركبل»

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم 
الحلول القائمة على الطبيعة تقوم على توظيف الغابات والأراضي الرطبة والشعاب المرجانية لتعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ (جامعة واشنطن)

هل تستمر «حلول الطبيعة» في تعزيز صمود المدن أمام تغير المناخ؟

تعتمد المدن حول العالم بشكل متزايد على الطبيعة لمواجهة تداعيات التغير المناخي، من موجات الحر والفيضانات وارتفاع مستويات البحار.

محمد السيد علي (القاهرة)
علوم غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

غواصات صغيرة جديدة لاستكشاف أعماق المحيطات

تشارك سفينة «رينيير» البحثية، التابعة للإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) في الوقت الراهن،

«الشرق الأوسط» ( لندن)

تطوير «دودة كمبيوترية بتفكير منطقي» بتوظيف الذكاء الاصطناعي

تطوير «دودة كمبيوترية بتفكير منطقي» بتوظيف الذكاء الاصطناعي
TT

تطوير «دودة كمبيوترية بتفكير منطقي» بتوظيف الذكاء الاصطناعي

تطوير «دودة كمبيوترية بتفكير منطقي» بتوظيف الذكاء الاصطناعي

أظهر باحثون في جامعة تورنتو كيف يمكن للمتسللين استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء برنامج يستهدف أي ثغرة معروفة في أجهزة الكمبيوتر حول العالم ونشر الفوضى بسرعة عبر الإنترنت.

دودة كمبيوترية «ذكية»

وقاد نيكولاس بابرنوت الأستاذ بجامعة تورنتو، فريقاً أثبت طريقة بناء برنامج تجسس إلكتروني خطير باستخدام الذكاء الاصطناعي. وذكر علماء الكمبيوتر في ورقة بحثية نُشرت مساء الثلاثاء أنه يمكن بناء هذا البرنامج، على شكل دودة إلكترونية، وأن نموذجاً أولياً قاموا بإنشائه انتشر عبر شبكة اختبار دون أي تدخل بشري.

وقد أبقى الباحثون شبكة الاختبار معزولة عن شبكة الإنترنت العامة. كما قاموا بحذف بعض التفاصيل من الورقة البحثية التي تصف كيفية بناء الدودة، وذلك لمنع المخترقين من استخدامها كنموذج لهجماتهم.

لكن من المرجح أن يثير عملهم مخاوف من أن الذكاء الاصطناعي يقود إلى حقبة جديدة من اختراق الحواسيب يصعب التصدي لها. كما يُضاف هذا العمل إلى الأدلة المتزايدة على أن التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي تُشكّل مخاطر على شبكات الحاسوب يصعب تصورها قبل بضع سنوات فقط.

ذكاء صناعي «اختراقي»

في أبريل (نيسان) الماضي، صرّحت شركة أنثروبيك، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، بأن أحدث تقنياتها، «كلود ميثوس»، يتمتع بقوة هائلة، لذا فإنها امتنعت عن مشاركته مع الجمهور، لأن المتسللين يمكنهم استغلاله لاختراق الثغرات الأمنية في شبكات الحاسوب بسرعة غير مسبوقة.

وقصرت «أنثروبيك» نشر هذه التقنية على نحو 40 مؤسسة تُعنى بصيانة البنية التحتية الحاسوبية الحيوية، لتمكينها من استخدام النظام لتصحيح الثغرات الأمنية قبل استغلالها من قِبل المخترقين.

وبعد أسبوع، أعلنت شركة «أوبن إيه آي»، المنافس الرئيسي لشركة أنثروبيك، أنها ستُقيّد نشر تقنية مماثلة. وشاركت نظامها الجديد مع مئات المؤسسات قبل أن توسِّع نطاق إطلاقه ليشمل آلاف الشركاء في الأسابيع اللاحقة.

الدكتور نيكولاس بابرنوت رئيس فريق البحث

المارد خرج من القمقم

وتُضيف الورقة البحثية الصادرة عن جامعة تورنتو بُعداً جديداً لمخاوف الذكاء الاصطناعي. فبما أن تقنية الذكاء الاصطناعي التي شغّلت الدودة كانت «مفتوحة المصدر» أو «متاحة للجميع» - أي أنها مُتاحة مجاناً على الإنترنت - فلا يمكن لأحد تقييد كيفية استخدامها. لقد خرج المارد من قمقمه.

برنامج اختراق ينتقل من دون تدخل بشري

ويقول نيكولاس بابرنوت، أستاذ هندسة الحاسوب في جامعة تورنتو، الذي بنى فريقه النموذج الأولي واختبره: «يجب أن يكون لديك نظام آمن تماماً للدفاع ضد هذا (التطوير) - لكننا نعلم أن هذا غير ممكن حالياً».

تمكّن الدكتور بابرنوت وفريقه، الذين نشروا الورقة البحثية على موقع مختبره، من ابتكار ما يُمكن اعتباره نسخة مُدعّمة بالذكاء الاصطناعي من ديدان الحاسوب التي بدأ المخترقون بنشرها على الإنترنت قبل عقدين من الزمن. وعلى عكس أنواع فيروسات الحاسوب الأخرى، تنتشر الديدان من جهاز إلى آخر تلقائياً، دون أي تدخل بشري.

ديدان كمبيوترية شهيرة

وننوه بأسماء لديدان كمبيوترية شهيرة مثل «سيكول سلامر» SQL Slammer (ظهرت عام 2003) و«كونفيكر» Conficker (2008) و«ستاكسنت» Stuxnet (2005)، استغلت كلٌّ من هذه البرامج ذاتية التكاثر ثغرةً أمنيةً محددةً في أجهزة الكمبيوتر، وسيطرت على ملايين الأجهزة، وسرقت بياناتها، وحذفت ملفاتها، وأحدثت فوضى عارمة.

بعد عقدٍ من الهجمات، تعلّم العديد من مستخدمي الكمبيوتر كيفية ترقيع ثغراتهم الأمنية الأكثر وضوحاً بسرعة. لكن التهديد لم يختفِ أبداً. ففي عام 2017، استهدف فيروس Wanna Cry ثغرةً أمنيةً أخرى خطيرةً في أجهزة العالم، وأصاب أكثر من 300 ألف جهاز في 150 دولة، واحتجز بياناتها رهينةً، مطالباً بفديةٍ بعملة البتكوين.

نموذج أولي لدودة بتفكير منطقي

يستغل النموذج الأولي الذي طوره باحثون من تورنتو هذا النوع من البرامج ذاتية التكاثر.، التي يُمكنها الانتشار بسرعة عبر الشبكة من خلال تصميم هجوم جديد لكل جهاز تُصادفه. وكما وصفها الدكتور بابرنوت، يُمكن للديدان «التفكير المنطقي» من خلال استراتيجيات هجوم جديدة.

وأضاف: «هذا يجعل إيقاف انتشار البرمجيات الخبيثة أكثر صعوبة بكثير. لم يعد هناك حل برمجي واحد يُمكن تطبيقه على الأجهزة لحمايتها من الديدان».

يُمكن للديدان العمل على أجهزة الكمبيوتر التي تستخدم نظامي التشغيل «ويندوز» أو «لينكس». ورغم أن الدودة، نظراً لتعقيدها، لا يُمكنها العمل إلا عند العثور على جهاز أقوى، فإنها قادرة على مهاجمة الأجهزة الأقل قوة على نفس الشبكة، بما في ذلك أجهزة الكمبيوتر المحمولة والطابعات والكاميرات.

رسم تخطيطي لنموذج الذكاء الاصطناعي على جهاز الدكتور بابرنوت يُوضح كيف يُمكن للنموذج الأولي للباحثين الانتشار بسرعة عبر الشبكة

تصميم الهجمات

لا يُفاجأ خبراء الأمن بقدرة الذكاء الاصطناعي على تصميم الهجمات. فخلال العام الماضي، طورت شركات في الولايات المتحدة والصين ومناطق أخرى من العالم أنظمة ذكاء اصطناعي تتميز بقدرتها الفائقة على كتابة برامج الحاسوب. فإذا كان نظام الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة البرامج، فإنه يستطيع استغلال الثغرات الأمنية في تطبيقات البرمجيات.

لكن الأنظمة الرائدة من شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» لا يمكن دمجها في برامج خبيثة لأنها ليست مفتوحة المصدر، ومن المرجح أنها ضخمة جداً بحيث لا يمكن تشغيلها على العديد من أجهزة الحاسوب. وقد افترض العديد من الخبراء أن تقنيات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر ليست قوية بما يكفي لتشغيل برامج خبيثة ذاتية التكاثر.

مع ذلك، في الأشهر الأخيرة، أطلقت شركات ومختبرات حكومية، بما في ذلك العديد منها في الصين، أنظمة مفتوحة المصدر ذات قدرات متزايدة.

المتسللون بمقدورهم إنشاء برامج خبيثة مماثلة

وقد قام باحثون من تورنتو بتطوير نظام مفتوح المصدر بطريقة عززت من قدراته. ولم يكشفوا علناً عن النظام مفتوح المصدر الذي استخدموه. لكنهم يقولون إن نموذجهم الأولي يُظهر أن المخترقين قادرون على بناء برنامج خبيث مماثل، إن لم يكونوا قد فعلوا ذلك بالفعل.

وقال بعض الخبراء المستقلين إن التهديد قد يكون محدوداً لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي عرضة للأخطاء. وقال دان لاهاف، الرئيس التنفيذي لشركة «إيريجولار» الأمنية المتخصصة في التهديدات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي: «عادةً ما توجد فجوة كبيرة بين ما يمكن ابتكاره في ظروف المختبر وما يمكن تحقيقه في الواقع لإحداث أضرار جسيمة». وأضاف: «تميل أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى أن تكون غير متوقعة وغير دقيقة، فهي تقوم بأمور غريبة، وهذا قد يُفعّل أنظمة الحماية».

لكن لاهاف حذَّر أيضاً من أن الذكاء الاصطناعي سيستمر في التطور، مما يعني أنه يتعين على الشركات معالجة أكبر عدد ممكن من ثغرات البرامج، ويمكنها الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في ذلك.

توظيف الذكاء الاصطناعي للدفاع المضاد

لهذا السبب، قال الباحثون إنه ينبغي على شركة «أنثروبيك» مشاركة برنامج «ميثوس» مع مجموعة أوسع من الجهات حتى يتسنى استخدامه لمكافحة تهديدات الذكاء الاصطناعي. وأعلنت «أنثروبيك» أخيراً أنها ستشارك تقنيتها مع 150 منظمة إضافية.

وقال الدكتور ديفيد لي، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة تورنتو، الذي راجع الورقة البحثية ولكنه لم يكن ضمن الفريق الذي طور الدودة: «في نهاية المطاف، يكمن الحل الأمثل في التوزيع الأوسع نطاقاً، بحيث يتمكن المستخدمون من استخدام هذه التقنية لمعالجة الثغرات الأمنية».

وأضاف أن الأساليب التي وصفها باحثو جامعة تورنتو يمكن استخدامها أيضاً لاكتشاف الثغرات الأمنية ومعالجتها. وكأي تقنية أخرى للأمن السيبراني، يمكن استخدام هذه الدودة لأغراض الهجوم والدفاع على حد سواء. وأوضح: «يمكن تعديل الدودة بحيث تعالج الثغرات التي تكتشفها. فقوة هذه التقنية تعتمد على كيفية استخدامها».

* خدمة «نيويورك تايمز».


«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الشبكات أساس تشغيل الذكاء الاصطناعي... والسعودية أمام تحدي الجاهزية

الرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز خلال الكلمة الافتتاحية بحضور عشرات الآلاف من المشاركين (سيسكو)
الرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز خلال الكلمة الافتتاحية بحضور عشرات الآلاف من المشاركين (سيسكو)
TT

«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الشبكات أساس تشغيل الذكاء الاصطناعي... والسعودية أمام تحدي الجاهزية

الرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز خلال الكلمة الافتتاحية بحضور عشرات الآلاف من المشاركين (سيسكو)
الرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز خلال الكلمة الافتتاحية بحضور عشرات الآلاف من المشاركين (سيسكو)

في لاس فيغاس، قدّمت شركة «سيسكو» خلال حدثها السنوي «سيسكو لايف 2026» الذكاء الاصطناعي بوصفه اختباراً جديداً للبنية التحتية، لا مجرد موجة برمجية أو تطبيقات أكثر ذكاء. الرسالة الأساسية في الحدث كانت أنه مع انتقال المؤسسات من روبوتات المحادثة إلى وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ المهام، تصبح الشبكات والأمن والمراقبة والهوية والمرونة الرقمية جزءاً واحداً من معادلة التشغيل.

هذه الفكرة حضرت بقوة في الكلمة الرئيسية للرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز، الذي عاد إلى تاريخ الشركة مع الشبكات ليشرح أن قوة أي ثورة تقنية لا تكتمل إلا عندما تتصل عناصرها ببعضها. وقال إن النماذج، ووحدات معالجة الرسوميات والتطبيقات والوكلاء كلها عناصر مهمة، لكنها تصبح أكثر قوة عندما ترتبط عبر شبكة قادرة على دعمها وتأمينها. وأشار إلى أن حركة الشبكات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تتضاعف ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع دخول الروبوتات والتصنيع والذكاء الاصطناعي الفيزيائي إلى بيئات التشغيل.

منصة واحدة لتشغيل البنية والدفاع عنها

أبرز إعلانات «سيسكو لايف 2026» كان إطلاق «Cisco Cloud Control» وهي منصة موحدة لإدارة ومراقبة وتأمين البنية التحتية التقنية، صُممت كي يعمل من خلالها البشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي في البيئة نفسها وبالاعتماد على البيانات التشغيلية نفسها.

تقول «سيسكو» إن المنصة تجمع الشبكات والأمن والحوسبة والمراقبة والتعاون ضمن واجهة واحدة، وتتيح للمستخدمين بناء تطبيقات ووكلاء باستخدام اللغة الطبيعية، مع ربطها بمنظومة من الأدوات الخارجية. وتصف الشركة المنصة بأنها الأساس التشغيلي لرؤيتها المعروفة باسم «Agentic Ops» أي تشغيل البنية التحتية بمساعدة وكلاء قادرين على رصد المشكلات، وتحليل أسبابها، واقتراح المعالجة، واختبار التغييرات قبل تنفيذها، ثم التأكد من عودة تجربة المستخدم إلى وضعها الطبيعي.

وأفاد جيتو باتيل، رئيس «سيسكو» ومدير المنتجات فيها، بأن «وكلاء الذكاء الاصطناعي يفكرون ويتصرفون باستمرار بسرعة البرمجيات، وهذا يغير كل شيء في طريقة توسيع وإدارة والدفاع عن البنية التحتية الحيوية». وتابع أن المنصة تمثل «مركز قيادة للذكاء الاصطناعي الوكيلي»، حيث تعمل الفرق البشرية ووكلاء الذكاء الاصطناعي في البيئة نفسها وبالمعلومات نفسها، مع بقاء البشر في موقع التحكم.

الرئيس التنفيذي لـ«سيسكو» تشاك روبنز (سيسكو)

السعودية والجاهزية الصعبة

في رد عن سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن أكبر فجوة جاهزية تواجه المؤسسات السعودية مع انتقالها إلى الذكاء الاصطناعي الوكيلي، وعن الدور الذي تريد «سيسكو» لعبه في سد هذه الفجوة، من الاتصال الآمن والمراقبة إلى الهوية والحوكمة والمهارات، قال تشاك روبنز الرئيس التنفيذي للشركة: «إن التحدي لا يقتصر على السعودية وحدها، بل يرتبط بمحاولة كل مؤسسة الموازنة بين الرغبة في التحرك بسرعة وبين الحفاظ على وضع أمني موثوق».

وأوضح أن المؤسسات تحاول فهم «الخط الدقيق» بين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، وبين التعامل مع قضايا الثقة والأمن التي يعرف الجميع أنها موجودة.

وحول الأمر نفسه، أجاب جيتو باتيل أن فجوة الجاهزية في أسواق مثل الشرق الأوسط لا تتعلق فقط بالقرار الاستراتيجي بتبني الذكاء الاصطناعي، بل بتعقيد بناء البنية التحتية نفسها. فهذه المشروعات، كما أوضح، تحتاج إلى وقت لأن كل مرحلة فيها تحمل مستوى من التعقيد، من تأمين الطاقة، والحصول على التصاريح، وتجهيز البنية المعمارية المناسبة، إلى إدارة حركة البيانات والسعة داخل مراكز البيانات حتى لا تتعرض البنية لضغط يفوق قدرتها. كما تدخل المتطلبات التنظيمية الحكومية ضمن هذه المعادلة، مما يجعل بناء مشروعات الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق عملية معقدة وليست مجرد شراء تقنية جاهزة.

لكن باتيل أشار في المقابل إلى أن وتيرة الحركة في الشرق الأوسط أصبحت أسرع مما كان يتوقع قبل سنوات قليلة، لافتاً إلى وجود «زخم كبير» في المنطقة، وإلى أن قيادات «سيسكو» زارتها عدة مرات وتعتزم العودة إليها خلال الأشهر المقبلة، في إشارة إلى استمرار العمل مع أسواقها.

جيتو باتيل رئيس «سيسكو» ومدير المنتجات (سيسكو)

أما ليز سينتوني، نائبة الرئيس التنفيذي ورئيسة تجربة العملاء في «سيسكو» فربطت خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» فجوة الجاهزية بجانبين أساسيين. الأول أن المؤسسات لم تعد تستطيع النظر إلى أجهزة البنية التحتية كأصول تشغيلية عادية، لأن هذه الأجهزة أصبحت في قلب جيل جديد من الهجمات. لذلك، لا يكفي امتلاك التقنية، بل يجب تغيير نموذج التشغيل الداخلي، خصوصاً في طريقة التعامل مع الثغرات والتحديثات الأمنية. فدورات التصحيح التي كانت تستغرق أياماً أو أشهراً لم تعد مناسبة، وقد تحتاج المؤسسات إلى الانتقال نحو استجابة تُقاس بالساعات، وربما بالدقائق.

أما الجانب الثاني، فهو الجاهزية الكمية، حيث أشارت إلى مخاطر هجمات «احصد الآن وفك التشفير لاحقاً»، حيث قد تُجمع بيانات مشفرة اليوم على أمل فكها مستقبلاً مع تطور الحوسبة الكمية. ولفتت إلى أن كثيراً من المؤسسات قد لا تدرك أصلاً مستوى تعرضها لهذا النوع من المخاطر، وقد تُفاجأ بنتائج تقييمات الجاهزية الكمية عندما تكتشف مواضع الضعف في بنيتها الحالية.

غوردون تومسون رئيس «سيسكو» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا (الشرق الأوسط)

الشبكة لم تعد خلفية تقنية

وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش الحدث، قال غوردون تومسون، رئيس «سيسكو» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، إن التغيير الأكبر في الانتقال من روبوتات المحادثة إلى الذكاء الاصطناعي الوكيلي هو ازدياد الاعتماد على الشبكة أكثر من أي وقت سابق.

وأوضح أن وكلاء الذكاء الاصطناعي قد لا يكونون في الموقع نفسه، وقد يعملون من أجهزة مكتبية أو حواسيب صغيرة أو داخل مراكز بيانات أو عبر بيئات سحابية متعددة، ما يجعل قدرة الشبكة على الأداء والموثوقية والأمن عاملاً حاسماً في تحقيق العائد من الذكاء الاصطناعي. وذكر تومسون: «الذكاء الاصطناعي يحرك العالم، لكن (سيسكو) تحرك الذكاء الاصطناعي»، في إشارة إلى أن الشبكة تصبح الطبقة التي تربط النماذج والوكلاء والأنظمة والمستخدمين.

الانتقال من روبوتات المحادثة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي يعني أن الأنظمة لم تعد تجيب فقط بل بدأت تنفذ المهام (سيسكو)

وأردف غوردون أن وحدات معالجة الرسوميات مهمة، لكنها تحتاج إلى شبكة تربطها، وغالباً ما تكون هذه الشبكة مبنية على تقنيات «سيسكو» أو على «الإيثرنت». وبهذا المعنى، لا يرى تومسون أن الشبكة مجرد طبقة تقنية صامتة، بل أساس لتشغيل الذكاء الاصطناعي نفسه، سواء داخل السعودية أو خارجها.

وبالنسبة إلى الفجوات التي تعرقل تبني الذكاء الاصطناعي الوكيلي، فرّق تومسون بين البنية التحتية والثقة والبيانات، لكنه رأى أن الاختلافات بين أوروبا والخليج وأفريقيا قد لا تكون جغرافية بقدر ما هي مرتبطة بالقطاعات. فالجهات الحكومية والبنوك وشركات الاتصالات والقطاعات الصناعية قد تتعامل مع الثقة والحوكمة والأمن بدرجات مختلفة. لكنه قال إن ما يراه في الشرق الأوسط والسعودية هو إدراك متزايد لأهمية البيانات، واستثمار واضح في تقنيات المراقبة وفهم ما يحدث داخل البيئات الرقمية.

هذه النقطة تنقل النقاش من «هل نملك البيانات؟» إلى «هل نستطيع استخدامها لتشغيل الذكاء الاصطناعي بأمان؟». فالمؤسسات قد تمتلك كميات ضخمة من البيانات، لكنها تحتاج إلى ربطها بسياق تشغيلي، وإلى معرفة ما يحدث عبر الشبكات والتطبيقات والأجهزة والوكلاء.

«سيسكو» ترى أن نجاح الذكاء الاصطناعي الوكيلي يتطلب ربط الشبكات والأمن والمراقبة والهوية في منظومة واحدة (سيسكو)

الأمن بوصفه طبقة داخل البنية

تعكس إعلانات «سيسكو» في لاس فيغاس قناعة واضحة بأن الأمن لم يعد طبقة تُضاف بعد بناء البنية، بل يجب أن يكون جزءاً منها منذ البداية. فالمنصة الجديدة تجمع بيانات من الشبكات والأمن والمراقبة والتعاون، وتتيح للبشر والوكلاء العمل على السياق نفسه.

وتعلن الشركة توسيع «Live Protect» لحماية منتجاتها من الثغرات الجديدة أثناء التشغيل، من دون إعادة تشغيل أو ترقية أو نافذة صيانة.

وبحسب «سيسكو»، فإن هذا التوجُّه يرتبط بانهيار الفترة الزمنية بين اكتشاف الثغرة واستغلالها من أسابيع إلى دقائق. كما تؤكد الشركة أن الدفاع التفاعلي لم يعد كافياً في بيئة يمكن أن تتسارع فيها الهجمات بمساعدة نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة.

وتشمل الإعلانات أيضاً «Hybrid Mesh Firewall» لتوسيع الحماية عبر الشبكات والتطبيقات و«جدران الحماية» من «سيسكو» وأطراف ثالثة، بهدف تقليص نطاق الضرر عند وقوع حادث. أما فيما يتعلق بالوكلاء، فتتحدث «سيسكو» عن حماية الوكلاء من العالم الخارجي، وحماية موارد المؤسسة من الوكلاء أنفسهم، من خلال أدوات مثل «AI Defense» و«Zero Trust for agents» و«Agentic SOC».

وشرح غوردون تومسون أن «سيسكو» لا تتحدث فقط عن تقديم الذكاء الاصطناعي، بل عن تقديم «ذكاء اصطناعي آمن».

واعتبر أن الأمر يقوم على تعريف السياسة، ثم إنفاذها، ثم القدرة على التخفيف من أثر أي تعرض أو مشكلة عند حدوثها. وأضاف أن هذا ما تجلبه «سيسكو» إلى الطاولة اعتماداً على قدرتها على التقاط البيانات واستخدامها لمعالجة تحديات العملاء.

البيانات وحدها لا تكفي لتشغيل الذكاء الاصطناعي بل الأهم فهمها وربطها بسياق تشغيلي يمكن التحرك بناءً عليه (سيسكو)

هل هي قضية مجالس إدارة؟

أحد التحولات اللافتة في لغة «سيسكو» هذا العام هو نقل الشبكة من خانة البنية غير المرئية إلى خانة المخاطر الاستراتيجية. فخلال لقائه مع «الشرق الأوسط»، لفت تومسون إلى أن البنية التحتية لكل شركة أصبحت اليوم بنية رقمية، وأن مجالس الإدارة بدأت تدرك أن «الأشياء التي تربط كل شيء» باتت مهمة وحيوية لاستمرارية الأعمال.

وتابع أن المسألة المركزية التي يجب أن تفكر فيها مجالس الإدارة هي المرونة الرقمية، موضحاً أن شراء «سيسكو» لشركة «سبلانك» جاء في سياق استخدام البيانات بفاعلية أكبر لدعم هذه المرونة. وقال إن الحديث مع مجلس إدارة قبل 12 أو 18 شهراً عن أهمية الشبكة ربما لم يكن سيحظى بالاهتمام نفسه، أما اليوم فأي مجلس إدارة يدرك أهمية الشبكة وضرورة حمايتها وتحديثها ورفع موثوقيتها.

هذه النقطة تقود مباشرة إلى السعودية والخليج، حيث تتحول الخدمات الحكومية والطاقة والنقل والمدن الذكية والخدمات الصحية والمالية إلى منظومات رقمية مترابطة. في هذه البيئات، لا يصبح انقطاع الشبكة مشكلة تقنية داخل غرفة الخوادم، بل مسألة استمرارية خدمة وثقة وتشغيل.

مع صعود وكلاء الذكاء الاصطناعي تتحول الشبكات من مسألة تقنية إلى قضية استراتيجية على مستوى مجالس الإدارة (سيسكو)

من كثرة البيانات إلى القدرة على القرار

تضع «سيسكو» المراقبة والبيانات في قلب خطابها الجديد حيث لا يقدم «Cisco Cloud Control» فقط رؤية موحدة، بل تعتمد على «cross-domain telemetry» أي جمع البيانات التشغيلية من الشبكات والأمن والتطبيقات والمستخدمين والوكلاء، وربطها بسياق واحد. والهدف أن يعمل البشر والوكلاء على المعلومات نفسها، لمعالجة قضايا مثل زمن التشغيل، وسلوك الوكلاء، وكلفة الرموز أو «tokenomics».

في الأسواق الخليجية، لا يبدو هذا النقاش نظرياً، حيث إن المؤسسات الكبيرة في السعودية، خصوصاً في القطاعات المنظمة، تحتاج إلى ربط السرعة بالتحكم. وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يدخلون قريباً إلى عمليات خدمة العملاء والأمن وإدارة الشبكات وتحليل البيانات وسلاسل الإمداد والبرمجة والعمليات الداخلية. لكن السؤال ليس فقط ماذا يستطيع الوكيل فعله، بل من سمح له؟ وبأي صلاحية؟ وتحت أي سياسة؟ وكيف يمكن معرفة ما فعله لاحقاً؟

لهذا شدد تومسون على أن نهج «الثقة الصفرية» (Zero Trust) يصبح أساسياً، قائلاً إن كل شيء يبدأ من ذلك، ثم تُبنى فوقها الهوية والصلاحيات، بحيث لا يحصل أي مستخدم أو وكيل على وصول إلا من خلال الامتيازات والشهادات المطلوبة.

الأمن لم يعد طبقة تُضاف بعد بناء البنية التحتية بل أصبح جزءاً من التصميم منذ البداية (سيسكو)

الأمن الكمي: تهديد الغد يدخل جدول اليوم

خصصت «سيسكو» جزءاً من إعلاناتها في المؤتمر لمسار ما بعد الحوسبة الكمية، مشيرة إلى هجمات «احصد الآن وفك التشفير لاحقاً»، حيث تُجمع بيانات مشفرة اليوم على أمل فكها مستقبلاً مع تطور القدرات الكمية. وقالت الشركة إنها تلتزم بتمكين قدرات اتصالات آمنة كمياً عبر غالبية محفظتها الأساسية بحلول ديسمبر (كانون الأول) 2026، مع إطلاق سلاسل جديدة من أجهزة الراوتر والسويتشات والجدران النارية مزودة بميزة «quantum-safe secure boot»، إضافة إلى «Quantum Ready Assessments» عبر «Cisco IQ» لتحديد الأصول الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر.

هذا لا يعني أن كل مؤسسة تحتاج إلى تغيير بنيتها فوراً، لكنه يعكس تغيراً في طريقة التفكير. فالمؤسسات التي تبني اليوم بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في قطاعات طويلة العمر مثل الطاقة والحكومة والاتصالات والمال، لا يمكنها فصل قراراتها الحالية عن مخاطر ستظهر خلال سنوات. لذلك تصبح الجاهزية الكمية جزءاً من مفهوم أوسع للمرونة الرقمية.

الشبكات لم تعد مجرد خلفية تقنية صامتة بل أصبحت أساس تشغيل الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات (سيسكو)

الشرق الأوسط بين السرعة والسيادة

في الشرق الأوسط، تتقاطع ثلاثة عوامل تجعل رسالة «سيسكو» أكثر ارتباطاً بالمنطقة، هي سرعة الاستثمار وحساسية البيانات والحاجة إلى السيادة. السعودية، تحديداً، تتحرك من مرحلة الإعلان عن الاستراتيجيات إلى مرحلة بناء البنية وتشغيلها وربطها بالقطاعات. لكن هذا التحول يطرح أسئلة حول أين تُشغّل البيانات، ومن يملك حق الوصول، وكيف تُراقب الوكلاء، وما النموذج المناسب بين السحابة، والبنية المحلية، والبيئات الهجينة.

لم يرَ تومسون خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» أن الفروق بين الشرق الأوسط وأوروبا دائماً جغرافية، لكنه أقر بأن الأولويات قد تختلف. فالمنطقة تتحرك بسرعة، وتملك طموحاً واضحاً، لكن ذلك يزيد أهمية التحكم والمرونة والأمن. ومن هنا تصبح السيادة أكثر من مسألة مكان تخزين البيانات، بل إنها ترتبط أيضاً بالتحكم في البنية، وخيارات التشغيل، والقدرة على التعافي، والثقة في سلسلة الدعم.

السيادة الرقمية لم تعد مرتبطة بمكان البيانات فقط بل بالتحكم في البنية والقدرة على التعافي وإدارة المخاطر (سيسكو)

اختبار المرحلة المقبلة

ما خرج من مؤتمر «سيسكو لايف 2026» هو محاولة لإعادة تعريف موقع الشبكة في عصر الذكاء الاصطناعي. لم تعد الشبكة خلفية صامتة، ولا مجرد طبقة نقل. الشركة تقول إن الشبكة تصبح المكان الذي تمر عبره قرارات الوكلاء، وتُفرض فيه السياسات، وتُلتقط منه البيانات، وتُقاس فيه المرونة.

بالنسبة إلى السعودية والخليج، تحمل هذه الرؤية دلالة واضحة. فالمرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي لن تُقاس فقط بحجم مراكز البيانات أو عدد وحدات المعالجة أو سرعة إطلاق الخدمات، بل بقدرة المؤسسات على تشغيل هذه المنظومة بأمان وثقة ومرونة. فكلما تحولت أنظمة الذكاء الاصطناعي من الإجابة إلى الفعل، أصبحت البنية التي تربطها وتحميها وتراقبها جزءاً من القرار الاستراتيجي، لا مجرد تفصيل تقني.


«أبل» تطلق تحديثاً لمعالجة مشكلة الشحن السلكي في بعض أجهزة «آيفون»

يعالج التحديث مشكلة قد تمنع شحن بعض أجهزة «آيفون» عبر الكابل عند انخفاض البطارية (أبل)
يعالج التحديث مشكلة قد تمنع شحن بعض أجهزة «آيفون» عبر الكابل عند انخفاض البطارية (أبل)
TT

«أبل» تطلق تحديثاً لمعالجة مشكلة الشحن السلكي في بعض أجهزة «آيفون»

يعالج التحديث مشكلة قد تمنع شحن بعض أجهزة «آيفون» عبر الكابل عند انخفاض البطارية (أبل)
يعالج التحديث مشكلة قد تمنع شحن بعض أجهزة «آيفون» عبر الكابل عند انخفاض البطارية (أبل)

أطلقت شركة «أبل» تحديث «iOS 26.5.1» لمستخدمي هواتف «آيفون»، متضمناً إصلاحاً لمشكلة تقنية أثرت على عدد محدود من الأجهزة، وتسببت في تعذر الشحن السلكي في بعض الحالات.

وقالت الشركة إن التحديث يعالج خللاً قد يمنع بعض طرازات «iPhone 17» و«iPhone Air» من الشحن عبر الكابل عندما تكون البطارية في مستوى منخفض جداً أو شبه فارغة، مشيرة إلى أن المشكلة تؤثر على فئة محدودة من المستخدمين.

ويأتي التحديث الجديد بعد أيام من رصد بعض المستخدمين لهذه المشكلة، حيث ركزت أبل على توفير إصلاح مباشر دون الإعلان عن إضافة مزايا أو تغييرات جديدة في النظام.

تحديث «iOS 26.5.1» يصل بإصلاح لمشكلة الشحن السلكي وتحسين استقرار النظام (أبل)

وتواصل الشركة إصدار تحديثات فرعية بصورة دورية لمعالجة المشكلات التقنية وتحسين استقرار نظام التشغيل وأداء الأجهزة، خصوصاً بعد طرح الإصدارات الرئيسية التي تتضمن تغييرات واسعة وميزات جديدة.

وتنصح «أبل» المستخدمين بتثبيت التحديث عبر قائمة «تحديث البرامج» ضمن إعدادات الجهاز، لضمان الحصول على أحدث الإصلاحات والتحسينات الأمنية والتقنية المتاحة.

ويُعد «iOS 26.5.1» تحديثاً صغيراً من حيث الحجم والمحتوى، لكنه يستهدف معالجة مشكلة قد تؤثر على الاستخدام اليومي للأجهزة المتضررة، لا سيما في الحالات التي تتطلب إعادة شحن الهاتف بعد نفاد البطارية أو انخفاضها إلى مستويات متدنية، الأمر الذي قد يمنع الجهاز من استعادة الشحن السلكي بصورة طبيعية لدى بعض المستخدمين. وتؤكد هذه الخطوة استمرار «أبل» في طرح تحديثات سريعة لمعالجة المشكلات التقنية فور اكتشافها، بهدف تعزيز موثوقية أجهزتها وتحسين تجربة الاستخدام.

Your Premium trial has ended