هل كان بروس فعلاً «درعاً» لحماية رئيس نيوكاسل من الجماهير؟

ملكية أشلي للنادي صعّبت من مهمة المدير الفني الذي يفكّر في اعتزال التدريب نهائياً بعد إقالته

بروس لم يشعر بأنه مقبول من جماهير نيوكاسل منذ اليوم الأول لتعيينه (أ.ب)... وفي الإطار مايك أشلي مالك نيوكاسل السابق (إ.ب.أ)
بروس لم يشعر بأنه مقبول من جماهير نيوكاسل منذ اليوم الأول لتعيينه (أ.ب)... وفي الإطار مايك أشلي مالك نيوكاسل السابق (إ.ب.أ)
TT

هل كان بروس فعلاً «درعاً» لحماية رئيس نيوكاسل من الجماهير؟

بروس لم يشعر بأنه مقبول من جماهير نيوكاسل منذ اليوم الأول لتعيينه (أ.ب)... وفي الإطار مايك أشلي مالك نيوكاسل السابق (إ.ب.أ)
بروس لم يشعر بأنه مقبول من جماهير نيوكاسل منذ اليوم الأول لتعيينه (أ.ب)... وفي الإطار مايك أشلي مالك نيوكاسل السابق (إ.ب.أ)

كشف النقاب عن التعاقد مع ستيف بروس كمدير فني لنادي نيوكاسل في نفس اليوم من شهر يوليو (تموز) عام 2019 الذي وقف فيه رئيس الوزراء البريطاني الجديد، بوريس جونسون، أمام مقر الحكومة ليقدم وصفة جريئة للتغيير.
لكن لم تسر الأمور كما كان مخططا لها، سواء بالنسبة لبروس أو لجونسون. لكن في حين كان بيان جونسون مليئاً بالأفكار والمقترحات الكبيرة، فإن الخطط التي حددها بروس بدت محافظة بشكل واضح.
لقد كان بروس، الذي تولى قيادة النادي خلفا للإسباني رافائيل بينيتيز، يعرف جيدا أنه لن يتمكن من إحداث ثورة في نيوكاسل طالبا دعم مايك أشلي مالك للنادي. ورغم كل الحديث عن رغبة النادي في المنافسة على البطولات والألقاب، كان هناك قبول ضمني بأن وظيفة بروس تتمثل بكل بساطة في إبقاء النادي في الدوري الإنجليزي الممتاز.
وقد نجح المدير الفني البالغ من العمر 60 عاماً في ذلك، حيث قاد الفريق لاحتلال المركز الثالث عشر، ثم المركز الثاني عشر خلال الموسمين الكاملين اللذين تولى فيهما قيادة الفريق - حتى لو كان الاستقرار الظاهر في منتصف جدول الترتيب يخفي اثنين من معارك الهبوط التي كان من الممكن أن تنتهيان بشكل مختلف بكل سهولة، وكان من الممكن أن يهبط الفريق لدوري الدرجة الأولى.
ويجب الإشارة إلى أن قائمة الفريق كانت محدودة، حيث كانت النواة الأساسية تتكون من اللاعبين الذين قادوا النادي للصعود للدوري الإنجليزي الممتاز تحت قيادة بينيتيز في عام 2017، والنجم المفترض جويلنتون، الذي ضمه النادي مقابل 40 مليون جنيه إسترليني - تم التعاقد معه ضد رغبة بروس – والذي تحول إلى مهاجم غير قادر على تسجيل الأهداف.
لكن دائما ما يتم الحكم على المديرين الفنيين بناء على النتائج، وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أنه من بين 84 مباراة لعبها نيوكاسل تحت قيادة بروس في الدوري، لم يفز الفريق إلا في 23 مباراة فقط، سجل خلالها 93 هدفاً فقط. وعلاوة على ذلك، لم ينجح النادي في تحقيق أي انتصار خلال الموسم الحالي حتى الآن.
وبالنظر إلى أن العقد الذي وقع عليه بروس مع أشلي يقضي بحصوله على ما يصل لنحو سبعة ملايين جنيه إسترليني في حالة إقالته، فإن ذلك كان يعني أنه لن يستقيل من منصبه أبدا بمجرد انتقال ملكية النادي إلى شركة الاستثمار السعودية.
ولا يخفى على أحد أن الملاك الجدد كانوا يريدون دائما التخلي عن خدمات بروس، لكن خيارهم الأول، رافائيل بينيتيز، ملتزم الآن بتعاقده مع إيفرتون، وهو ما يعني صعوبة التوصل لاتفاق معه، وبالتالي كان من المناسب الإبقاء على بروس في منصبه.
لكن بعد هزيمة نيوكاسل على ملعبه أمام توتنهام بثلاثة أهداف مقابل هدفين في المباراة رقم 1000 لبروس كمدرب - كان من الأفضل له أن يرحل ويطلب من محاميه التفاوض بشأن التعويض المالي الذي سيحصل عليه.
ودائما ما كان جمهور نيوكاسل يردد عبارة: «نريد رحيل بروس»، وهي المطالبات التي أفسدت الأجواء في المباراة الأولى للنادي في حقبة ما بعد أشلي وفي كل المباريات التي لعبها نيوكاسل على ملعب «سانت جيمس بارك» هذا الموسم. من المؤكد أن مثل هذه الهتافات لم تكن مفيدة للفريق، وكان بإمكان أي شخص يشاهد مباريات نيوكاسل بانتظام تحت قيادة بروس أن يلاحظ حالة الإحباط التي تسيطر على الفريق وعلى المدرب وجهازه.
على الورق، فإن سجل بروس لا يقل كثيرا عن سجل بينيتيز المحبوب للغاية من جماهير نيوكاسل، لكن حاملي التذاكر الموسمية كانوا يعربون عن سعادتهم واستمتاعهم بالطريقة التي يلعب بها الفريق تحت قيادة المدرب الإسباني ويتذكرون أن الأشهر الستة الأخيرة من عهده عندما كان سالومون روندون، وأيزي بيريز، وميغيل ألميرون يتلاعبون بدفاعات الفرق المنافسة في إشارات كانت تحمل على أن المستقبل سيكون مشرقا.
وإذا كان جزء من مشكلة بروس يتمثل في أنه ليس بينيتيز، وإذا كان محقا في افتراضه بأن غالبية المشجعين وموظفي النادي ووسائل الإعلام المحلية، والأهم من ذلك اللاعبين، لم يتوقفوا أبداً عن الإشادة بسلفه وتمني عودته، فإن بروس نفسه قد زاد الأمور سوءا عندما كان يشير إلى المدير الفني الإسباني في المؤتمرات الصحافية بسخرية باسم «رافائيل العظيم». وعلاوة على ذلك، منع بروس، الصحافي كريغ هوب من صحيفة «ديلي ميل»، من نشر تحقيق يتعلق بالمشاجرة التي حدثت خلال التدريبات بين بروس والظهير الأيسر مات ريتشي في مارس (آذار) الماضي، لكن ذلك لم يساعد في تحسين الأمور.
وبدلاً من ذلك، فإن هذا قد رسخ صورة بروس كمدير فني فاقد للسيطرة على الفريق. لقد أمضى بروس عقوداً وهو يحلم بتولي القيادة الفنية لنادي نيوكاسل، لكن سرعان ما أثبت صحة القول المأثور: «كن حذراً مما تتمناه».
ورغم كل ذلك، يمتلك بروس سجلا تدريبا حافلا. فخلال مسيرته التدريبية التي استمرت 23 عاماً، أمضى أقل من عامين فقط عاطلاً عن العمل، وخلال هذا الطريق الطويل تمكن من الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز أربع مرات (مرتين مع برمنغهام ومرتين مع هال سيتي)، وخسر نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي مع هال سيتي. وإذا كانت معظم مسيرة بروس قد تمثلت في الانشغال بمعارك الصعود والهبوط من الدوري الإنجليزي الممتاز، فقد قاد أيضاً كلا من برمنغهام وسندرلاند إلى احتلال المركز العاشر في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز.
ويجادل أصدقاء بروس، عن حق، بأنه كان بمثابة «درع بشري» لحماية أشلي من غضب جماهير نيوكاسل، لكن من المؤكد أيضاً أنه لم يكن ليبقى طويلاً في منصبه كمدير فني لنيوكاسل لو لم تلعب المباريات بدون جمهور لفترة طويلة بسبب تفشي فيروس كورونا. لقد أدى أسلوب الفريق غير المتماسك في كثير من الأحيان وعدم وجود محاولات واضحة لتشكيل هوية أو فلسفة للنادي إلى زيادة الشكوك في أن بروس «صاحب رؤية» أو الرجل المناسب للمهمة.
وكانت النتائج في يناير (كانون الثاني) الماضي سيئة للغاية لدرجة أن لي تشارنلي، المدير الإداري لنيوكاسل، استعان بغرايم جونز، وهو مساعد سابق لروبيرتو مارتينيز مع نادي ويغان ومنتخب بلجيكا ومساعد مدرب إنجلترا السابق، لمساعدة بروس.
وتحدث كالوم ويلسون، أحد أفضل ثلاثة لاعبين في الفريق إلى جانب آلان سانت ماكسيمين ومارتن دوبرافكا، علناً عن تأثير جونز، وبدت كلماته، وإن كان عن غير قصد، وكأنها بمثابة لائحة اتهام شديدة لبروس.
وقال ويلسون في تصريحات صحافية: «أعتقد أن مجيء غرايم يكمل المدير الفني بالتأكيد لأنه أكثر وعياً من الناحية التكتيكية وقادر على مواكبة المستجدات. لدى المدير الفني نقاط قوة وسمات مختلفة. وقرب نهاية الموسم الماضي كنا أفضل من حيث طريقة اللعب والفلسفة التي نعتمد عليها».
لم يشعر بروس أبدا بأنه مطلوب في نيوكاسل منذ البداية، مضيفا ومؤكدا أنه ربما يدير ظهره لإدارة كرة القدم إلى الأبد بعدما كشف عن مدى الإساءة التي تعرض لها طوال فترة قيادته للفريق.
وحاول بروس التشبث بما قد تكون وظيفته الأخيرة في مسيرته التدريبية التي واجه خلالها الكثير من الصعاب، وهاجم منتقديه الذين يعتقد أنهم لم يمنحوه أي فرصة خلال 25 شهراً من توليه مسؤولية تدريب فريق نيوكاسل.
وقال «بحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى نيوكاسل، اعتقدت أنني أستطيع التعامل مع كل شيء ألقي في وجهي، لكن الأمر كان صعبا للغاية. ألا تكون مرغوبا حقا أبدا، وتشعر بأن الناس تريدني أن أفشل، وأن أقرأ الناس باستمرار يقولون إنني سوف أفشل، وبأنني عديم الفائدة، ولا قيمة لي، وغبي، وغير كفء من الناحية التكتيكية. كان ذلك يحدث منذ اليوم الأول».
وأوضح بروس: «عندما كنا نقوم بعمل جيد من حيث النتائج، كان الأمر هو نعم، لكن أسلوب اللعب كان هزيلا، أو كنت فقط (محظوظاً). كان الأمر سخيفا ومستمرا، حتى عندما كانت النتائج جيدة. حاولت تقبل هذا الوضع، واستمتعت دائما بالقتال، وأثبت خطأ الناس، ولكن هذا كل ما بدا عليه الأمر. قتال، معركة، وكان لهذا الوضع تأثير سلبي لأنه حتى عندما تفوز في مباراة، لا تشعر أنك تفوز بالجماهير».
وكشف بروس أيضاً عن التأثير الذي خلفته التجربة عليه وعلى عائلته، وعلى وجه الخصوص زوجته جان، قائلا: «الأمر لا يتعلق بي فقط، لقد أثر ذلك على عائلتي بأكملها ولا يمكنني تجاهل ذلك، لقد تحملت الكثير وأمضت حياتها كلها تتبعني من ناد لآخر، ولو قلت لها غدا أنه عرض علي وظيفة في الصين، أو في أي مكان آخر، كانت ستقول (ستيف، هل هذا مناسب لك، هل تريد أن تقوم بذلك؟) وسوف تدعمني مجددا، لذا، نعم، من المحتمل أن يكون مشواري التدريبي انتهى».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.